"الشاهد".. ناجي العلي حيّ رغم الغياب   
الجمعة 24/1/1434 هـ - الموافق 7/12/2012 م (آخر تحديث) الساعة 13:05 (مكة المكرمة)، 10:05 (غرينتش)
الفنان العراقي هاني مظهر خلال تقديمه لمعرضه الشاهد (الجزيرة)
أحمد الشريقي-الدوحة
 
رغم رحيل رسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي منذ سنوات كثيرة فإن ألقه يزيد توهجا في ذاكرة المتلقين، وما زالت رسومه مصدر إلهام للفنانين وللمشاهدين على حد سواء.
 
ولا تعود الحياة المستمرة والروح التي بعثها الرجل الذي أسقطت  رصاصة من كاتم صوت ريشته وأسكتت صوته إلى الأبد إلى القضية الإنسانية التي أخلص لها فحسب، بل إلى الإبداع الذي كان حاملا لمقولاته السياسية الناقدة أيضا.
 
وفي معرض الشاهد الذي افتتح بالحي الثقافي بالعاصمة القطرية الدوحة يستعيد صديق الراحل، الفنان العراقي هاني مظهر الروح الإبداعية للعلي، عبر لوحات مستوحاة ومحاكية كاريكاتيره، الذي حضرت النسخ الأصلية من رسومه التي تحتفظ بها عائلة الشهيد بلندن.
 
لوحة يستوحي فيها مظهر شخصية فاطمة في رسوم ناجي العلي (الجزيرة)
استدراك لحلم
وعبر ثماني لوحات بجانب عشرات الكاريكاتيرات، يحاول مظهر "استدراك ما كان يرغب العلي في إبداعه لوحات تشكيلية لا رسوما كاريكاتيرية وحسب".

ففي لوحة أولى هي فاتحة المعرض -الذي تستمر فعالياته شهرا كاملا- يبدع مظهر لوحة تعتليها ساعة حقيقية تدور عقاربها، وفي أسفلها "بورتريه" لصاحب حنظلة في إيماءة لاستمرار إبداع العلي (الشاهد) على قضايا التحرر رغم غيابه.

ويحمل المعرض بعدا فنيا خالصا بحسب مظهر في حديثه للجزيرة نت، فهو وإن كان تحية لصاحب الشعار السياسي التهكمي الأعلى، فإنه يظهر إبداع العلي الفني في خطوطه وموضوعاته وتقنيته التي تجعل منه فنانا ذا حس فني عال لم يتح له أن يفرغه في لوحات تشكيلية.

ويرى مظهر أن التركيز على البعد الموضوعي في كاريكاتير ناجي قد ظلم إلى حد كبير إبداعه وهو أحد أسباب استمرار التلقي الدائم لرسومه حتى الآن.

ويأتي معرض الشاهد محاولة من مظهر للخروج من التنظير الذي قدمه لرسوم العلي، إلى تقديم لوحات إبداعية تظهر وتبرز إبداع العلي، سواء الوحدة الموضوعية لرسومه أو الإحساس العالي الذي ينقله لمتلقيه عن شخوصه التي تقيم في لوحاته.

ويضيف مظهر أن ما أشيع عن أن العلي كان قليل الاكتراث بالفن مقولة لا تسندها المسيرة الطويلة لرسام الكاريكاتير الفلسطيني، فعدم الاكتراث الفني هو (ترف) لا يليق بالعلي الذي أخلص لتقنياته كما أخلص لموضوعاته وآرائه التي حملتها لوحاته الكاريكاتيرية الصاخبة.

جانب من معرض "الشاهد" بالحي الثقافي كترا بالدوحة (الجزيرة)

خلاصة معايشة
المعرض خلاصة حوارات طويلة بين العلي ومظهر، وكما يقول فإنه كان يستحضر حوارات طويلة مع العلي الذي كان يسر له برغبته في رسم لوحات تشكيلية. وبهذا المعنى فإنه ظل حاضرا في رسوم مظهر وفي حياته أيضا.

وإذا كان معرض الشاهد تحية في مفهوم مظهر لناجي العلي فإنه لا يبتعد عن الهواجس الفنية لمظهر المولود في العراق عام 1955 والمقيم في لندن، وهو من يشكل "الوطن والمنفى والذات" ثلاثية متصلة حملها بين أصابعه وفرشاته منذ سبعينيات القرن الماضي بحسب الناقد العراقي والروائي وارد بدر السالم.

وضمن هذه الهواجس يشاطر مظهر ناجي العلي في رؤيته الإنسانية، التي تعلي قيمة الفن وتصر عليه بالخلود، وهنا يرى أن عمل العلي لو كان مقولات سياسية فحسب دون حامل إبداعي لضمر وانتهى أو بقي في خزائن الأرشيف.

على أن الصدق هو أحد دوافع ومحركات الإبداع لديه، وهو الصدق الشخصي والذاتي الذي دفعه لرؤية مصيره مغتالا بكاتم بصوت، وهي اللوحة التي تحضر ممثلة واحدة من أيقونات معرض الشاهد. وكذلك المرايا التي تعليها كلمة مطلوب، وأي متأمل لنفسه في مرايا العلي فهو مطلوب سواء كانت شخوصه الأثيرة فاطمة وحنظلة أو أي متلق عادي يشاهد رسوم العلي.

يتأمل مظهر إحدى لوحات العلي التي تظهر فيها فاطمة قائلا: "ميزة ناجي أنه يرسم الطيبين فيبدون أكثر طيبة، ويرسم الكريهين فيحرضك على كرههم".

الشاهد المعرض خلاصة فنية لما يريد مظهر قوله "أريد من الناس اكتشاف الفني لدى ناجي لأنه أعطى للإبداع زخما يجب أن لا يظلم لحساب قضيته وآرائه التي مات من أجلها".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة