ساحات القضاء معبر المعارضة السورية نحو التغيير   
الثلاثاء 9/10/1422 هـ - الموافق 25/12/2001 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)
لافتة ضخمة للرئيس السوري السابق
حافظ الأسد وابنه بشار الأسد (أرشيف)

اعتبر بعض المراقبين أن تجربة سوريا في السماح بحرية التعبير قد انتقلت في عهد الرئيس بشار الأسد من الصالونات السياسية إلى ساحات القضاء, في حين يرى البعض الآخر أن هذه التجربة قد فقدت قوتها الدافعة.

وقد بدأت تلميحات التشجيع الرسمي للأصوات المعارضة في الظهور بعد تولي الرئيس بشار السلطة في يوليو/ تموز 2000, إذ سمح بمناقشات سياسية شملت نقدا للحكومة وبحث تعديل الدستور لتخفيف قبضة حزب البعث الحاكم على السلطة.

واتسعت حلقات النقاش التي ساد الاعتقاد بأنها محمية بتعهدات بشار بحريات سياسية واقتصادية, فاندفعت في نمو كبير مع اتساع قاعدة جمهورها. وتشجع منظمو المنتديات بقرار بشار إطلاق سراح السجناء السياسيين بعد توليه السلطة فدعوا دبلوماسيين وصحفيين أجانب إلى ندوات طالبوا فيها بانتخابات حرة وإنهاء العمل بقوانين الطوارئ.

وأدان مسؤولو حزب البعث والمقربون من الرئيس الراحل هذه المنتديات باعتبارها تشويها لإنجازات الحكومة وتهديدا للنظام العام. واعتبر الدبلوماسيون حظر عقد اجتماعات في مارس/ آذار الماضي محاولة لإبقاء الحكومة على قبضتها المحكمة. وهم يرون في هذا إجراء محكوما عليه بالفشل في نهاية المطاف, إلا أنه مدمر في الوقت الراهن.

محمد مأمون الحمصي
ويشير المراقبون إلى أن محاكمة عضوي البرلمان مأمون الحمصي ورياض سيف تبعث برسالة توضح أن اندفاع سوريا قصير الأجل تجاه حرية التعبير بعد تولي بشار السلطة خلفا لوالده الراحل حافظ الأسد قد توقف عندما أصبحت
ساحات القضاء التي تجرى فيها المحاكمات السياسية المكان الذي تقرر فيه حدود الانشقاق في سوريا والتي اعتبرها معتادوا المثول أمام القضاء في المحاكمات السياسية بأنها "ليست سوى مهزلة".

وأشار المراقبون على سبيل المثال إلى محاكمة الحمصي الذي يواجه اتهامات بانتهاك الدستور لمطالبته بحريات سياسية أكبر عندما قدم تهانيه للرئيس السوري على ولادة طفله الأول, بينما احتشد في الخارج أصدقاء الحمصي وأقاربه مرددين هتافات تأييد للرئيس قبل بدء الجلسة.

وقال المعلقون المتعاطفون مع السلطات السورية إن قرار إجراء محاكمات علنية للحمصي وسيف يعتبر دليلا على استمرار الحوار على عكس ما حدث في قضية عدد من المعارضين الذين اعتقلوا في سبتمبر/ أيلول الماضي, وأحيلوا إلى محاكم أمن الدولة التي تجري محاكماتها سرا. وأوضح دبلوماسي غربي أن قضية الحمصي وسيف هي استثناء. "لكن القاعدة تنطبق على الآخرين الذين لا يعلم إلا الله في أي محكمة يحاكمون".

ولا يغفل السوريون عن المفارقة بين تحول الحمصي إلى أحد سجناء الرأي وما هو معروف عنه كرجل أعمال بعيد النظر. ويبني الحمصي دفاعه على طلب استدعاء أكاديميين وكتاب لإثبات أن المحكمة أساءت فهم بيان أصدره في بداية احتجاجه على أنه يشجب قوات الأمن السورية مؤكدا على وطنيته.

وتعيد نبرة الدفاع هذه والتعليقات الساخرة التي تتردد في قاعة المحكمة إلى الأذهان كلمات زعيم فصيل محظور من الحزب الشيوعي السوري رياض الترك الذي قال في كلمة ألقاها بأحد المنتديات في أغسطس/ آب إن الخوف أصبح جزءا لا يتجزأ من الحياة الاجتماعية والسياسية في البلاد, مضيفا أنه في ظل هذا الخوف يحجم المواطنون عن الإفصاح عما يفكرون به بل ويقولون عكسه.

وليس من الواضح ما سيكون عليه مستقبل المعارضة في هذا البلد في ظل هذه الظروف, لكن يبدو أن الحمصي دون قصد أعطى الإشارة، فقبل جلسة محاكمته في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي أصر محاموه أمام المحكمة على طلب السماح بالاستعانة بالكتاب في الدفاع عنه مستشهدين بسابقة في التاريخ الاسلامي استعان فيها حاكم مستنير بخبراء لتقييم قصيدة اعتقد أنها مهينة.

وحذروا المحكمة من أن إطلاق سراح مذنب أفضل من حبس بريء, غير أنهم أشاروا إلى أن الخبراء في السابقة التي استشهدوا بها اتفقوا مع رأي الحاكم وأدانوا كاتب القصيدة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة