"بكاء المشانق".. التاريخ في مقاومة الاحتلال   
الأربعاء 21/12/1435 هـ - الموافق 15/10/2014 م (آخر تحديث) الساعة 15:06 (مكة المكرمة)، 12:06 (غرينتش)

توفيق عابد-عمّان

تجنح رواية آسيا خولة عبد الهادي "بكاء المشانق" باتجاه التاريخ في سردية تعتمد اللهجة الفلسطينية المحكية غالبا، وتسجل على لسان راويتها "أم إسماعيل" أحداثا توثق نضال الفلسطينيين للحفاظ على أرضهم، وتستحضر أسماء الشهداء الذين شنقهم الإنجليز، وتدحض أقاويل البعض التي تصم الفلسطينيين بأنهم باعوا أرضهم لليهود وهم الآن يطالبون بتحريرها.

وتمثل الرواية التي جاءت في 135 صفحة من القطع الصغير والصادرة عن دار الأيام في عمّان قبل أيام قلائل؛ ملحمة فلسطينية بامتياز تكشف الحياة في فلسطين عامة وفي بلدة الخضيرة المشرفة على مرج بن عامر في منتصف الطريق بين حيفا وتل أبيب خاصة، أراضيها واسعة وتربتها خصبة، وتسرد أسماء عربية بعينها كانت تعيش في البلدة باعت أرضها لليهود وهربت، وخاصة اللبناني سليم خوري الذي صدم الأهالي والجيران ببيع أرضه الزراعية، بحسب الرواية.

كما يستعير هذا العمل الإبداعي أسلوبا بسيطا يعبر إلى الذاكرة بيسر إلى صورة الأم الفلسطينية الصابرة والقوية معا، واستشهاد شقيق بطلة الرواية محمد عبد موسى الضميري كنموذج للمجاهدين في فلسطين، ويتحدث بإسهاب وتشويق عن دوره النضالي في مواجهة العسكر الإنجليز وقتله العديد منهم، وخاصة الضابط "ثومسون"، كما يكشف ممارسات الانتداب البريطاني لتمكين اليهود في فلسطين تنفيذا لوعد بلفور المشؤوم.

أدب مقاوم
تنتسب "بكاء المشانق" للأدب الفلسطيني الذي يسترجع التاريخ المأساوي للمنطقة وأهلها، "الأراضي التي بيعت لليهود لم تكن ملكا للفلسطينيين، الغرباء الذين جاؤوا هم الذين باعوا أراضيهم ورحلوا، اليهود محميون من الإنجليز يقدمون لهم المال والسلاح، ويا ويل من يقربهم أو يؤذيهم".

تستحضر الرواية ما قاله الراحل محمود درويش "الأرض تورث اللغة"، لكن بطلتنا أم إسماعيل ورّثت المقاومة لأبنائها وأحفادها وكأنها تقول: المقاومة تورث كاللغة

وتستحضر الرواية ما قاله الراحل محمود درويش "الأرض تورث اللغة"، لكن بطلتنا أم إسماعيل ورّثت المقاومة لأبنائها وأحفادها وكأنها تقول "المقاومة تورث كاللغة".

وفي حوار مع جندي إنجليزي يقول "إحنا الإنجليز بنعرف كل شيء، حكومة الانتداب تعرف النملة وين بتروح، ما تحاولوا تتمردوا أحسن تندموا"، لتجيب أم إسماعيل "نحن لم نفعل لكم شيئا، قاعدين في بلادنا وساكتين لماذا لا تتركونا بحالنا؟ نحن مجاهدون ندافع عن وطننا. اذهبوا لبلادكم. عودوا إلى بريطانيا"، ليعيد الجندي مقولة استعمارية قديمة "نحن هنا علشان نعلمكم ونثقفكم ونخليكم بني آدمين".

وتعطي الرواية مساحة واسعة لدحض مقولة قيام الفلسطينيين ببيع أراضيهم لليهود، وتتساءل هل من باع أرضه ووطنه يعيش في الكهوف وتحت الشجر ويمد يده للبطاقة التموينية التي تقدمها وكالة غوث اللاجئين؟ "كيلو طحين وعدس وقنينة زيت وشوية أرز. كيف بعنا وطننا وخرجنا لا نملك حتى رغيف الخبز؟ من يبيع يظهر عليه.. الله يجازيهم على هالتهمة".

وتقارن الروائية على لسان بطلتها "أم اسماعيل" بين شباب فلسطين في الثلاثينيات وشباب اليوم، حيث "شباب مثل الورد أقلقوا الإنجليز وزرعوا الرعب في قلوبهم، كل يوم يصطادوا جندي أو اثنين.. كانوا أبطالا"، مشيرة إلى أن "شرف تلك الأيام أشرف مائة مرة من حملة الشهادات المدلعين المرفهين".

وتكشف الرواية ممارسات الاحتلال الصهيوني منذ النكبة التي ورثها عن الانتداب البريطاني الذي استعمل مصطلحات لتشويه صورة المناضلين كالمخربين والمستعربين الذين يتخفون بالزي الشعبي الفلسطيني لاغتيال المناضلين والتعذيب واقتحام البيوت وإتلاف محتوياتها.

كما تصف بلغة تثير الوجع بأجوائها لحظات رؤية الراوية "أم إسماعيل" شقيقها ببدلة الإعدام الحمراء في سجن عكا، "لا أطيق اللون الأحمر"، وكيف أعادت جثته للبلدة على حمارها "صابر" واستقبال الأهالي الشهيد، كما تنقل عن الدكتورة إلهام أبو مشرف التي أخبرتها أن عمّها يوسف أحمد أبو مشرف الذي أعدم مع 16 من زملائه الأبطال مرة واحدة في عام 1936، طلب منهم ملابس جديدة يلاقي بها ربه وكأنه في يوم عيد.

عبد الله رضوان: الرواية تبرز دور المرأة الكبير في النضال وتوريث المقاومة (الجزيرة)

نضال المرأة
من جانبه، يرى الشاعر والناقد عبد الله رضوان أن العمل الروائي يبرز خصوصية المرأة الفلسطينية ودورها التاريخي في حمل قضيتها وتوريثها لأبنائها، بحيث تظل فلسطين حلما متجددا لدى الأجيال في مختلف المنافي.

وقال رضوان في حديث للجزيرة نت إن "بكاء المشانق" يمكن تحويلها لمشهد بصري كفيلم سينمائي مع الحفاظ على عناصرها الرئيسة متمثلة في النموذج المقاوم، مشيرا لبساطة لغة السرد وقدرتها على النفاذ لروح المتلقي بحيث يصبح جزءا من الحدث ينفعل ويتفاعل بيسر وإيجابية مع الأفكار، وبعيدا عن تقصّد جماليات اللغة.

وتساءل رضوان عن غياب شخصية الزوج "أبو إسماعيل" وعدم التوسع في تقديم نشاطات المقاومة التي تطلبت شنق البطل، وقال إنه يحسب للرواية الاعتراف بوجود العملاء وهي ظاهرة عانت منها حركة المقاومة الفلسطينية حتى اللحظة.

وأضاف أنه يحسب للرواية بناء نموذج نسوي فلسطيني تقليدي من جهة ومنحاز للحياة من جهة أخرى ممثلا بأم إسماعيل، وهذا النموذج أصبح نادرا في الرواية الفلسطينية بحكم التغير الاجتماعي باستثناء تجربة محمود شقير في روايته "فرس العائلة".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة