التنقل اللحظي ومشكلة قتل النسخة   
الأحد 1435/5/2 هـ - الموافق 2/3/2014 م (آخر تحديث) الساعة 13:24 (مكة المكرمة)، 10:24 (غرينتش)

التنقل اللحظي استخدم في أفلام الخيال العلمي لنقل الإنسان من مركبة الفضاء إلى كوكب ما (رويترز-أرشيف)

*د. محمد قاسم

تطرح في بعض أفلام وقصص الخيال العلمي إمكانية الانتقال اللحظي من مكان لآخر، ومن أكثر ما اشتهر من جمل قيلت بهذا الصدد هي جملة "انقلني إشعاعيا يا سكوتي" من مسلسل ستار تريك، ليقوم المهندس "سكوتي" -بعد هذا الطلب- بنقل رواد الفضاء من المركبة إلى سطح كوكب ما لحظيا، بلا حاجة لركوب مركبة فضائية والسفر بها عبر الفضاء الفاصل بينهما.

هذه الفكرة وإن كان لعروقها امتداد في جسد الخيال العلمي، فإنها حقيقة علمية مجربة على الأجسام المتناهية الصغر. وقد استطاع العلماء نقل جسيمات ذرية على امتداد كيلومترات بسرعة الضوء بهذه الطريقة.

بدأت مثل هذه الفكرة في التحول من عالم الخيال إلى الواقع سنة ١٩٩٣ حينما قام العالم "تشارلز بنيت" من شركة "آي بي إم" الأميركية باكتشاف طريقة علمية تمكن العلماء من نقل الأجسام لحظيا، وبعد ذلك استطاع العلماء من نقل فوتونات الضوء لمسافة ٦٠٠ متر، ثم بعد ذلك تمكنوا من نقل الذرات عبر نهر الدانوب، ثم نُقلت الجزيئات، وفي المستقبل ربما سيتمكن العلماء من نقل الفيروسات والبكتيريا وكائنات أخرى من مكان إلى آخر لحظيا.

لكي تنقل الفيروسات أو البكتيريا لا بد لجهاز التنقل اللحظي من تحديد مكان كل ذرة بداخل الميكروب، ثم ترسل المعلومات إلى الطرف الآخر، ليقوم الطرف الآخر بتركيب الذرات بعضها على بعض ذرة بذرة ليتكون الميكروب هناك

مكمن المشكلة
ولكي تنقل الفيروسات أو البكتيريا لا بد لجهاز التنقل اللحظي من تحديد مكان كل ذرة بداخل الميكروب، ثم ترسل المعلومات إلى الطرف الآخر، ليقوم الطرف الآخر بتركيب الذرات بعضها على بعض ذرة ذرة ليتكون الميكروب هناك. وهكذا بالنسبة للكائنات الأكثر تعقيدا وصولا إلى الإنسان، فسيحتاج الجهاز لمعرفة كل ذرة في أجسادها لتنقل كما هي. وهنا تكمن المشكلة.

حينما "ننقل" الجسم لحظيا، فإن الذي يحدث فعليا هو أن جهاز التنقل اللحظي يقوم بمسح التفاصيل الدقيقة التي تكون الجسم ذرة ذرة، ثم تنقل المعلومات ضوئيا، بعد ذلك يُعاد تركيب تلك الذرات لتكون كائنا جديدا في الطرف الآخر مع بقاء الأصل في الطرف الأول. السؤال المطروح هو: هل ندمر الأصل ونبقي النسخة؟ أم أن هناك شيئا جوهريا يمتلكه الأصل ولا تمتلكه النسخة؟ حتى أضيق الخناق على فهم السؤال، هنا لا نتساءل عن أخلاقيات تدمير أو قتل النسخة، بل نتساءل عن جوهر الفرق بين النسخة والأصل.

هذه العملية في نقل الأجسام من مكان إلى آخر إنما تعمل كما يعمل جهاز الفاكس، النسخة الأصلية تبقى كما هي في مكانها، وتنتقل المعلومات حتى تصل إلى جهاز الفاكس الآخر، ليطبع نسخة مطابقة للأصل، فتكون هناك نسختان من الورقة، واحدة نطلق عليها "أصل" والأخرى نطلق عليها "نسخة"، لنفترض أنه لا توجد فروقات بين النسخة والأصل من حيث الورقة المستخدمة والحبر والطباعة نقطة بنقطة، فبماذا تتميز الورقة عن الأخرى؟ لو أننا قدمنا بين يديك الورقة الأصلية والنسخة فأيهما ستبقى وأيهما ستتلف، إن لم تستطع أن تميز بينهما فلا يهم أي النسختين ستختار، أليس كذلك؟ قد تجيب بنعم، ليس هناك فرق بين النسختين، فإن أتلفنا الورقة "الأصلية" أو "المنسوخة" فلا فرق.

لنضرب مثالا آخر، ولنر إن كان هذا المبدأ سيصمد طويلا أم لا. لنفترض أنك اشتريت رسمة الموناليزا من متحف اللوفر في باريس، وقام العلماء بنقلها باستخدام آلة التنقل اللحظي إلى منزلك، وانتقلت النسخة بكامل تفاصيلها من ألوان ونقوش ومادة تتكون منها الألوان المستخدمة وخلفية الرسمة، لنقل إن الرسمة نقلت ذرة ذرة، إلى الحد الذي نقلت خلايا ليوناردوا دافنشي الميتة التي سقطت على الرسمة أثناء رسمه لها. أصبحت لدينا رسمتان متطابقتان تماما، واحدة في منزلك والأخرى في اللوفر. نتساءل، هل ستقبل بأن تُدمر الرسمة الأصلية على أن تحتفظ بالمنسوخة؟

الاعتقاد بأن هناك فرقا بين الأصل والنسخة المطابقة للأصل ينشأ في الصغر، وقد أجرى العلماء التجارب على الأطفال في سن الست سنوات لإثبات ذلك

بين الأصل والنسخة
قد يتراجع البعض عن قبول الرسمة المستنسخة، وقد يقال إن الرسمة "الأصلية" هي التي رسمها دافينشي بيده، فنفس وروح وأحاسيس دافنشي موجودة في الرسمة الأولى، ألا ندعي نفس هذا الشيء حينما نتحدث عن طبخة، فنقول إنه بالإضافة لكون الطبخة طبخت بمقادير دقيقة، إلا أن نَفَس الزوجة غير متوفر في الطبخة التي طبخها شخص آخر؟ هل صحيح أن هناك نفَسا في الطبخ؟ أم أن التمييز بين الأصل والنسخة يرجع لأسباب شخصية نحن نضفيها على النسخة؟

الاعتقاد بأن هناك فرقا بين الأصل والنسخة المطابقة للأصل ينشأ في الصغر، وقد أجرى العلماء التجارب على الأطفال في سن ست سنوات لإثبات ذلك، ونشروا بحثا سنة ٢٠٠٨ في مجلة "إلسفير للإدراك" حول هذه الدراسة، حيث إنهم أخذوا ممتلكات أطفال تعلقوا بها لاستنساخها، فمثلا أخذوا ألعابهم المفضلة أو أغطية الفرش التي يفترشونها للنوم، ثم أروهم آلة ناسخة، وادعوا أن هذه الآلة تستنسخ ما لديهم بنسخ مطابقة للأصل تماما، فوجدوا أن بعض الأطفال لم يقبلوا حتى باستنساخ ألعابهم ابتداء، والبعض من الذين رضوا باستنساخ ممتلكاتهم قبلوا بأخذها مؤقتا، ولكنهم فضلوا استرجاع حاجياتهم الأصلية لاحقا.

مثل هذه الإسقاطات على وجود فروقات بين الأصل والنسخة تحدث منذ الصغر، والاعتقاد بوجود اختلاف بين مادتين يعود في بعضه للارتباط النفسي الذي يتولد لدى الشخص مع ممتلكاته لا عن وجود اختلاف فعلي في النسخة.

قد يعتقد البعض أن الفرق بين النسخة والأصل هو فرق جوهري، أو فرق في النَفَس، ما الفرق بين النسخة والأصل المتطابقتين تماما؟ لا فرق بينهما. ولكن الفرق هو اعتقاد الشخص بوجود الفرق، هذا الفارق هو مجرد اعتقاد يعود للشخص وليس لحقيقة الشيء الذي يمتلكه. إذن، فقتل أخي الأصل الذي نقل لحظيا إلى مكان آخر لا يفرق من ناحية تراكيبه المادية بكل تفاصيلها، ولكني سأبقى متحسرا على الأصل ومتشككا من النسخة نفسيا، حتى وإن ألح أخو النسخة أنه هو هو، ولم يتغير فيه شيء.
___________________
*أستاذ مساعد في كلية الدراسات التكنولوجية-الكويت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة