عفيف إسماعيل.. قصائد الصمت والغربة والضجيج   
الأربعاء 1436/10/13 هـ - الموافق 29/7/2015 م (آخر تحديث) الساعة 2:32 (مكة المكرمة)، 23:32 (غرينتش)

محمد نجيب محمد علي-الخرطوم

يستمد عفيف إسماعيل مادته الشعرية من واقع الحياة العادية في بساطتها وتلقائيتها، ويقدم لجمهوره هذه الصورة في "الأعمال الشعرية" التي صدرت له عن دار الحضارة للنشر بالقاهرة، وهي تحتوي على نصوص نشرت من قبل إضافة إلى الكتابات الجديدة.

وعفيف يمثل جيلا وسطا في منظومة الشعر السوداني، كما أن تجربته في مجملها ظلت في دائرة قصيدة النثر والشعر الحر والمسرح وقصص الأطفال، وسيطر على أعماله سؤال الحياة بين الفوضى والأمل في التغيير.

ويمثل شكل القصيدة داخل هذه الأعمال الشعرية هاجسا مؤرقا للشاعر لاعتماده على أكثر القوالب الحديثة في بناء القصيدة، وهي قوالب لم يعهدها القارئ السوداني من قبل.

ويقول عفيف إسماعيل للجزيرة نت "مهمتي كشاعر هي الإصغاء لما بين الصمت والضجيج وذلك ما جعلني أبحث بهمة لا تفتر عن آثار خطوات على الرمال بعد عاصفة ماطرة.

ويضيف أنه حاول من خلال نصه الشعري أن يمسك بخيوط طفولته ودهشتها بالأشياء، مبينا أن مرجعية النص تنطلق لديه من اليومي المنسي تحت ركام الواقع وغباره.

والشعر في نظر عفيف هو فن المحاورة الصامتة بين نسيج تعبيري يعج بتجاور المعاني الجمالية وخيال ذاكرة مفتوحة.

يبرع عفيف في استلهام الصورة الشعرية من داخل المكان السوداني والمهجر الذي يعيش فيه منذ سنوات

وردة النثر
ويبرع عفيف في استلهام الصورة الشعرية من داخل المكان السوداني والمهجر الذي يعيش فيه منذ سنوات، ويحرص على كتابة المكان الذي أنجز فيه نصه في آخر القصيدة.

وقد ساهمت الأمكنة المتعددة في تنوع اللغة وازدياد التأمل فلسفيا في الكون والحياة مع اختيار لغة بسيطة التركيب ووجود مصطلحات وتراكيب ترتبط بشعر ما بعد الحداثة ومدارسه التي تسعي لتكسير الصورة الشعرية القديمة في كل تراكيبها العمودية والتفعيلية والشعر، في بحث عن أكثر التعابير براعة عن العصر وتبدلاته ومآسيه وأحلامه.

يقول في قصيدته "ريبة نموذجية":

في فنادق العواصم الكبرى

غرف نوم تذكرك بليالي شهرزاد

صالونات استقبال ملوكية

كأنك تملك مصباح علاء الدين السحري

زر صغير يجعل كل العالم بين يديك

لكنك

تقلق

كثيرا

لأن لبابك أكثر من مفتاح

دفع الله:
بين الواقع الإنساني الماثل والمتخيل يتأرجح عفيف بين عقله الواعي وعقله الباطن اهتداء بحسه الخاص

اتساع الرؤية
ويقول الشاعر طلال دفع الله للجزيرة نت إن عفيف إسماعيل فنان تشكيلي ومصور بارع إلى جانب مناح إبداعية أخرى، كالكتابة بشتى ضروبها شعرية ونثرية ومسرحية ومقالية ونقدية، "وهذا ما وفر له اتساع الرؤية ونجاح نسجها لغويا في عبارة متسعة الكثافة".

وبين الواقع الإنساني الماثل والمتخيل يتأرجح عفيف بين عقله الواعي وعقله الباطن اهتداء بحسه الخاص سائرا في دروب أحسن التحديق فيها والتأمل "ببصر وبصيرة المبدع المتعدد".

بينما يذهب الناقد والمترجم بانقا عباس إلياس إلى أن هذه المجموعة تحتوي على كتابة نوعية تصور بعين السينمائي تفاصيل الحياة سياسيا واجتماعيا وثقافيا مع اجتراح الأحلام لبناء وطن معافى وإنسان صاحب ذائقة اجتماعية وجمالية عالية.

ويذهب لأبعد من ذلك، حيث يعتقد أن إسماعيل يرى بعيون مواهبه المتعددة وينقب في التراث عن القيم والعادات فيكسو الإنسان جلباب الحاضر المتطور والقابل للتطوير.

ويؤكد الناقد عامر محمد أحمد أن عفيف إسماعيل ظل وفيا لمشروعه الشعري، ومع أن محاولاته السردية لم يكتب لها نجاح الشعر إلا أن السرد ظل مسيطرا على عوالمه مع نزوع حداثي لكتابة القصيدة بغير قيد.

ويضيف عامر أن القول بأن قصيدة النثر خرساء فيه من الحقيقة الكثير، وإن "ظل الخرس ناطقا بالمأساة التي نعيشها في هذا العصر، ولذلك ظل الشعر في كلاسيكيته بعيدا عن مجتمعات تعيش في فراغ فكري وعاطفي".

يقول الشاعر أسامة الخواض في تقديمه للمؤلَف: يحتل المكان بسرياليته وواقعيته حيزا كبيرا في البناء الشعري لعفيف إسماعيل.. وفي نص "أحوال" نجد زمكانية مدهشة:

المكان: فخ العادة
الزمان: يعلمنا الشيخوخة
الآن: رماد سيجارة مهملة
غداً: كَفَنٌ

وعفيفي إسماعيل الذي يعيش منذ العام 2003 بأستراليا صدرت له بالعربية مجموعة دواوين، منها "فخاخ" و"رهان الصلصال" و"إنه طائرك". وصدر له بالإنجليزية ديوان "هذا العالم يكذب علينا يا أمي" ومسرحية للأطفال بعنوان "الساحر الأفريقي".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة