المسجد الأحمر تاريخ من المواجهات   
الخميس 1428/6/20 هـ - الموافق 5/7/2007 م (آخر تحديث) الساعة 15:36 (مكة المكرمة)، 12:36 (غرينتش)

جنود باكستانيون يغلقون الطرق المؤدية إلى المسجد الأحمر (رويترز)

شفيق شقير

المساجد في باكستان تختلف عما هو معروف في العالم العربي، لأنه -في العادة والأغلب- كل مسجد تلحق به مدرسة خاصة لتعليم القرآن أو العلوم الدينية، وتعترف الحكومة بالشهادات الصادرة عنها بما يساوي بينها وبين المدارس والجامعات الأخرى، وذلك في تواصل مع ظروف إنشاء الدولة الإسلامية وتحاكمها المبدئي للشريعة الإسلامية.

مما أعطى المساجد وأئمتها واقعيا صلاحيات تتجاوز الوعظ الديني إلى التدخل المباشر في كل القضايا العامة سواء كانت قضائية أو قانونية أو سياسية وما سواها، وبرزت أسماء عدد من العلماء في مواجهة السلطات في أكثر من مرحلة وفي أكثر من منطقة.

ولال مسجد أي المسجد الأحمر بالعربية، ليس استثناء مما سبق إلا أنه حظي بأهمية أكبر بسبب موقعه في العاصمة إسلام آباد، وفي منطقة تكثر فيها المراكز الأمنية والسياسية الحساسة للدولة فضلا عن السفارات.

فالمسجد بني عام 1969 مع تحول إسلام آباد إلى عاصمة بدلا من كراتشي، مما جعله مركزا دينيا متقدما، وساعد على ذلك إمام المسجد وخطيبه الشيخ محمد عبد الله غازي الذي كانت تربطه علاقة جيدة بالرئيس ضياء الحق، وكان دور المسجد آنذاك منسجما مع توجهات الدولة خاصة في الثمانينيات بالتحريض على الجهاد في أفغانستان ودعم "المجاهدين الأفغان" في حربهم ضد الروس.

وتراجع دور المسجد الرسمي بالنسبة للدولة ببناء "فيصل مسجد" الذي هو أحد أهم معالم المدينة حتى الآن، وتراجعت العلاقة بين إمام المسجد الشيخ عبد الله والحكومات المتعاقبة شيئا فشيئا بعد مقتل الرئيس ضياء الحق عام 1988، وساءت أكثر مع تصاعد جهود السلطات لمحاصرة الظاهرة الدينية "الجهادية" المرتبطة بالحالة الأفغانية.

"
وصلت العلاقة بين المسجد والحكومة إلى حائط مسدود بسبب مطالبة الأخيرة بهدم المسجد لأنه بحسب رأيها بني بطريقة غير قانونية على أرض مملوكة لوزارة التربية، وذلك رغم أن المسجد وإمامه كان ينفق عليهما الرئيس ضياء الحق
"

توتر ومواجهات
وبلغ الأمر مرحلة جديدة من التوتر بمقتل الشيخ عبد الله أواخر التسعينيات واستلام ابنه عبد العزيز ومساعده (أخيه) عبد الرشيد زمام القيادة، وتعددت التحليلات وراء الجهة التي اغتالته، ولكن القيادة الجديدة للمسجد وجهت الاتهام المباشر لأجهزة الحكومة الأمنية بأنها وراء العملية وأنها تأتي في سياق إذعان الحكومة لإملاءات أميركا.

ومع البداية المتعثرة في العلاقة بين الشيخ عبد العزيز والسلطات فإن المواجهة السياسية استمرت بين الطرفين، ودخلت مرحلة متقدمة مع الحرب الأميركية على تنظيم القاعدة وأفغانستان والتي شاركت فيها إسلام آباد إلى جانب واشنطن.

وألقت التفجيرات التي ضربت العاصمة بظلها الثقيل على علاقة الطرفين خاصة التفجيرات التي استهدفت فندق الماريوت عام 2004، وفي أبريل/نيسان من العام الجاري، وكانت قد اتسعت هوة الخلاف باتخاذ حكومة الرئيس برويز مشرف إجراءات عدة بحق المدارس الدينية، والتي تشمل إخضاع الأخيرة والمنتمين إليها للمراقبة، ووجوب عدم قبول دراسة الأجانب فيها. وقامت السلطات بترحيل المئات منهم فضلا عن السجال حول أساليب التعليم المتبعة فيها، والتي اعتبرها البعض أنها أحد أسباب انتشار "الإرهاب".

ووصلت العلاقة بين الطرفين إلى حائط مسدود بسبب مطالبة الحكومة بهدم المسجد لأنه -برأي السلطات- بني بطريقة غير قانونية على أرض مملوكة لوزارة التربية، وذلك بالرغم أن المسجد وإمامه كان ينفق عليهما الرئيس ضياء الحق حينذاك.

ومن جهة أخرى قام الشيخ عبد العزيز بتصعيد هجماته على الرئيس مشرف ثم اتهم الحكومة بالتقصير في حفظ الشريعة، وقامت جماعته باختطاف رجال شرطة ولاحقا نساء أجانب بداعي قيامهم بأعمال الدعارة وأفرجت عنهم بعد ذلك.

وكان آخر ما قام به عبد العزيز أن دعا لتطبيق الشريعة ثم أعلن إنشاء محكمة شرعية خاصة لهذا الغرض، في تحد للحكومة التي حاصرته في المسجد حيث تحصن مع المئات من الأنصار. وسقط العديد من الجرحى والقتلى في المواجهات بين الطرفين، إلى أن ألقي القبض عليه مؤخرا أثناء محاولة الهرب من المسجد متخفيا ببرقع امرأة على حد قول السلطات، وكان منه حينها أن دعا أنصاره للاستسلام.
____________
الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة