الشعب يصنع إعلامه   
السبت 17/7/1432 هـ - الموافق 18/6/2011 م (آخر تحديث) الساعة 21:13 (مكة المكرمة)، 18:13 (غرينتش)

 

أمجد ناصر

لم يعرف العالم مثل هذه اللحظة التي تتداخل فيها روح الثورة والسعي لاسترداد كرامة وعدالة مهدورتيْن، بوسائل التكنولوجيا الحديثة التي قدَّمت لملايين البشر العاديين منبراً كان حكراً -حتى الأمس القريب- على "المحترفين". لم تبدأ هذه اللحظة الفارقة في حياة البشرية من ربيعنا العربي، بل قبله بقليل: من الربيع الإيراني الموؤود، حيث لعبت وسائل الاتصال الحديثة دوراً أساسياً في الانتفاضة التي عمت مدن إيران إثر الانتخابات البرلمانية الأخيرة. قد تكون هناك بدايات لهذا النوع من "الإعلام" لكنها ليست -حسب زعمي- بالدراماتيكية التي تتخذها الآن في ما اصطلح على تسميته "الربيع العربي".

تطورات تكنولوجيا وسائل الاتصال الحديثة أسهمت بثورات إعلامية في تغطية الأحداث والحروب. نذكر منها مثلاً البثَّ الفضائي الذي بدا "عجبة" عندما دشـَّن عصره الجديد مع تغطيات محطة سي أن أن للحرب الأميركية على العراق غداة غزوه للكويت. سنتذكر -لأمد طويل- مذيع محطة سي أن أن (أظن أنه يدعى برنادر شو وكان من أصول أفريقية) وهو ينصب "عدة" البثّ الفضائية على سطح "فندق الرشيد" في بغداد، وسنتذكر أيضاً قوله إن العاصمة العراقية -التي تعاقبت عليها أسراب القاذفات ونشرت فوقها ملاءة من نار- تتلألأ بسبب النيران الأميركية كشجرة عيد ميلاد!.

بعد البثّ الفضائي -الذي كاد يربط العالم بعضه ببعض- جاءت ثورة الإنترنت. هنا خطت التكنولوجيا خطوة هائلة (بألف مما يعدّون) من ملايين الناس الذين كانوا -حتى تلك اللحظة- مجرد متلقين للمواد الإخبارية والفنية والثقافية
بعد البثّ الفضائي -الذي كاد يربط العالم بعضه ببعض- جاءت ثورة الإنترنت. هنا خطت التكنولوجيا خطوة هائلة (بألف مما يعدّون) من ملايين الناس الذين كانوا -حتى تلك اللحظة- مجرد متلقين للمواد الإخبارية والفنية والثقافية. مع هذه الخطوة الهائلة صار "الطرف الآخر" من المعادلة الإعلامية، المتلقي شبه السلبي، طرفاً في صنع المعادلة نفسها، ولم تعد الساحة حكراً على "المحترفين" الذين توكل لهم صناعة الخبر والصورة. ويبدو أنه كلما خطت التكنولوجيا خطوة إلى الأمام تقلصت مساحة "الاحتراف" المتعالية لمصلحة القادمين الجدد إلى ساحة صنع المادة الإعلامية.

حدث مفصلي
وبهذا المعنى لم تكن الثورات العربية المشتعلة في أكثر من بلد عربي مجرد حدث باهر وفارق في السياسة. إنها أيضاً حدث مفصلي في المشهد الإعلامي. بدأ الأمر من تونس التي كانت دكتاتورية بن علي تحكم قبضتها القوية على كل وسائل الإعلام والاتصال. لكن الدولة "العصرية" -التي تنفتح على صعيد السوق (الاسم الحركي للسيطرة الاقتصادية والنهب)- تجد نفسها مكرهة على توفير وسائط لا تستطيع التحكم فيها تماماً. عندما تكون هناك سوق حركة سياحية، ومستثمرون أجانب ومحليون، وروابط اقتصادية بأسواق خارج الحدود، تأتي في ركب هذه الأواصر وسائل الاتصال الضرورية: الموبايل، والإنترنت. من ثقوب الوسائل التي أجبرت الدولة "العصرية" التونسية -ذات الانفتاح الاقتصادي الواسع على العالم الخارجي، والمنغلقة داخلياً- نفذت حركات الاحتجاج الخجولة أول الأمر.

لم تصنع وسائل الاتصال -التي وفرها بن علي أصلاً لغير التونسيين- الثورة التونسية. إنها مجرد وسائط محايدة تمَّ استغلالها جيداً من قبل مجموعات من الشبان الذين تجرؤوا على اختراق ستار التعتيم. من صفحات "فيسبوك" و"الإنترنت" انتقل صوت الباحثين عن نسمة حرية في بلاد مكبلة بالبوليس إلى جمهرة واسعة. ثم جاءت النار التي أتت على جسد بائع الخضار المتجول محمد البوعزيزي، لتنتشر في هشيم كان جاهزاً للاحتراق. وما جرى بعد ذلك معروف لنا جميعاً، فقد وصلت الشرارة إلى البلد الذي كان يحبل بالثورة عقوداً طويلة من المرارة والصبر الجميل: مصر.

عوقبت "قناة الجزيرة" ومنعت من العمل الرسمي، فتحول نشطاء الثورة إلى مراسلين متطوعين. فتح البث على مصراعيه وتوالى سيل الصور والكلام، ولم يتمكن نظام حسني مبارك المترنح تحت موجات الجموع المليونية، من الصمود طويلا
"عيال فيسبوك"
حاول النظام المصري أن يسيطر على ثورة من كان يسميهم "عيال فيسبوك". لكن كل إجراءاته لم تفلح في كبح جماح جموع الغضب التي سرعان ما صارت مليونية. عوقبت "قناة الجزيرة" ومنعت من العمل الرسمي، فتحول نشطاء الثورة إلى مراسلين متطوعين. فتح البث على مصراعيه وتوالى سيل الصور والكلام ولم يتمكن نظام حسني مبارك المترنح تحت موجات الجموع المليونية، من الصمود طويلا.

لم تُعرف الثورة المصرية باقتصارها على "إعلام المواطنين" أو "الإعلام البديل". صحيح أنه لعب دوراً في بداياتها ولكنه لم يكن وحيداً في الميدان، فقد ظل الإعلام "التقليدي" (الفضائيات، وكالات الأنباء، الصحف، الإذاعات العربية والأجنبية) يواصل عمله من دون عوائق كبرى. سيكتب لما يسمى "إعلام المواطنين"، أو "الإعلام البديل"، أن يسطر واحدة من مآثره الكبرى التي سيتوقف أمامها المحللون طويلا، في سوريا.

ففي هذه الساحة سيكف "الإعلام التقليدي" عن العمل تماماً. سيختفي من الأيام الأولى للانتفاضة السورية، وسيطرد كل ممثلي وسائل الإعلام غير السورية. لن يظل صحفي واحد غير تابع للنظام في الساحة. لن تكون هناك كاميرا واحدة سوى تلك التابعة للنظام. ستغلق البلد بالترباس أمام كل وسائل الإعلام العربية أو الأجنبية المحايدة أو شبه المحايدة. ستتفرد قوى الأمن وقوات النخبة العسكرية بالمنتفضين في غياب مطلق لأي وسيلة إعلام خارجية..، لكن المنتفضين ابتكروا -في ظل الغياب التام لوسائل الإعلام الخارجية- إعلامهم. تحوَّل نشطاء الانتفاضة إلى صحفيين ومصورين ومعلقين على تطورات الانتفاضة التي بدأت تنحو إلى التوسع والعموم بعد قضية أطفال درعا الذين كتبوا على الجدران -بوحي من شعارات الثورة في مصر- "الشعب يريد إسقاط النظام". من المحاكاة إلى الابتكار انطلقت الانتفاضة السورية، مما يشبه "عبث" الأطفال، إلى انخراط مدن وقرى ودساكر، لم يسمع بها كثير من جيران سوريا من قبل، في فعل الانتفاض والثورة على حكم عائلة الأسد.

رغم أن سوريا بلد حديث العهد بتكنولوجيا الاتصال الحديثة ويخضعها النظام لمراقبة شديدة، فإن التطورات نفسها التي حدثت في الهواتف المحمولة -على سبيل المثال- مكّنت شبان الانتفاضة السورية من إيصال الصور التي عمل نظام الأسد على حجبها عن شعبه والعالم إلى وكالات الأنباء العالمية والفضائيات العربية والأجنبية
الإعلام الشعبي
وفي إعلام كهذا لا بدَّ من وقوع أخطاء. لا بدَّ من بدايات متعثرة. لا بدَّ من وجود مشككين، وطبعا لا بدَّ من تدقيق، لكن صانعي "إعلام" الانتفاضة السورية راحوا -مع مرور الوقت- يحسنون أداءهم ويتلافون الأخطاء وينحون نحو الدقة، ويثبتون شواهد على المواد المصورة تحيل إلى يوم أو معلم من معالم المكان المقصود. ورغم أن سوريا بلد حديث العهد بتكنولوجيا الاتصال الحديثة ويخضعها النظام لمراقبة شديدة، فإن التطورات نفسها التي حدثت في الهواتف المحمولة -على سبيل المثال- مكّنت شبان الانتفاضة السورية من إيصال الصور التي عمل نظام الأسد على حجبها عن شعبه والعالم إلى وكالات الأنباء العالمية والفضائيات العربية والأجنبية.

لم تعد هناك ضرورة -في هذه اللحظة من عمر تكنولوجيا وسائل الاتصال- للكاميرات الكبيرة، كاميرات "المحترفين"، ولا إلى معدات البثّ الضخمة. فقد صار بوسع أي مقتنٍ لجهاز هاتف محمول أن يلتقط الصورة والصوت معا، وأن يرسلهما على شكل "فيديو" إلى صفحات "الإنترنت" و"فيسبوك" التي خصصها شبان الانتفاضة ومؤيدوهم في الخارج لتكون مصدراً مباشراً ووحيداً للفضائيات التي منعت من العمل في سوريا
.

ومنذ نحو ثلاثة أشهر وهذا "الإعلام" الشعبي، الإعلام البديل، إعلام المواطنين (سمِّه ما شئت) هو المصدر الوحيد لوسائل الإعلام "التقليدية". فلم تمر جرائم نظام الأسد بلا كاميرا تراقب ما يحدث. السور الأمني الواقي الذي رفعته سلطة الأسد حول سوريا اخترق من كل جوانبه، فعبرت -من تلك الكوى والثغرات- صور الجرائم المروّعة التي أرادت تلك السلطة العائلية المتغطرسة أن تجعلها بلا شاهد أو دليل.

ورغم قطع خدمة الإنترنت هنا وهناك في سوريا، فقد تمكن بعض شبان الانتفاضة من تدبير أمرهم عبر الهواتف الموصولة بالأقمار الاصطناعية، في ظل عطالة تامة لوسائل الإعلام الخارجية التقليدية. حتى في وضع كهذا كان بالإمكان مدّ مواقع الإنترنت وصفحات التواصل الاجتماعي والفضائيات بالصور المخيفة التي أسهمت في تأجج الانتفاضة.

صحيح -على الأغلب- ما قالته وكالة أنباء أجنبية من أن تلك الصور والأخبار -المنقولة عبر هذه الوسائط التكنولوجية إلى العالم الخارجي- هي التي أبقت الانتفاضة السورية حية كل هذا الوقت، رغم العقاب الجماعي الذي تلجأ إليه السلطات الأمنية والعسكرية السورية لوأدها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة