قصة مدينة لم تعرف الراحة   
السبت 17/4/1433 هـ - الموافق 10/3/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:35 (مكة المكرمة)، 11:35 (غرينتش)
معابد ميانمار مرصعة بالذهب وأهلها لا يكادون يجدون قوت يومهم (الجزيرة نت)

عزت شحرور-يانغون

إذا قلنا لك إننا في طريقنا إلى بلاد ترابها من تبر وحجارتها من ياقوت وعقيق ويَشب، وغاباتها تجود بأجود أنواع الخشب من الساج والصندل، وأرضها تنتج أفضل أنواع الأرز في العالم.. وأقسمنا لك بأن طلاء جدران معابدها من رقائق الذهب الخالص المرصع بالأحجار الكريمة، فإنك لن تصدق أننا نقصد واحدة من أكثر بلاد العالم فقراً، وبأن قومها حفاة فقراء يكاد معظمهم لا يجدون قوت يومهم، أو يقتات كثير منهم على أوراق بعض الأشجار.

إنها ميانمار أو "بورما" سابقاً، فقد باتت كل الطرق تؤدي إليها، وأصبحت قبلة للساسة وكذلك للسياح من الغرب ومن الشرق يتسابقون على زيارتها دون أن يتفقوا حتى على اسمها بعد.

هيلاري كلينتون تزورها كأول وزيرة خارجية أميركية منذ نصف قرن، وكذلك يفعل مسؤولون أوروبيون ويابانيون وآسيويون، ويحذو حذوهم ممثلون لمنظمات إقليمية ودولية.. بل وحتى العرب كان لهم في هذا المولد حصة، حيث أقدمت الكويت مؤخراً على افتتاح سفارة لها لتكون ثالث ثلاث سفارات عربية في البلاد بعد مصر والسعودية.

يذكر أن البلاد لم تطأها قدم أي من الزعماء العرب طوال ستة عقود، منذ الزيارة التاريخية للرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر عام 1955 ولقائه برئيس وزرائها أونو قبل توجههما معاً برفقة رئيس الوزراء الصيني شو أن لاي لحضور مؤتمر باندونغ. فقد كان لبورما صولات وجولات في ذلك الحين، فهي إحدى الدول الخمس المؤسسة لحركة عدم الانحياز، ومنها كان أول أمين عام آسيوي لمنظمة الأمم المتحدة وهو أوثانت عام 1961، وفيها حصل أول اتصال دبلوماسي بين الصين واسرائيل.

لكن منذ انقلاب الجنرال نو وين عام 1962 خضعت البلاد طوال خمسة عقود لحكم شيوعي تلاه حكم عسكري، أدخلا البلاد والعباد في عزلة قاسية، وكادا يخرجانها من الجغرافيا والتاريخ، فقد خضعت لعقوبات دولية دفع الشعب ثمنها.

كل شيء في ميانمار موضع جدل
حتى اسمها واسم عاصمتها
(الجزيرة نت)
ورغم هذا الحراك والسباق الدبلوماسي باتجاه ميانمار فإن المجتمع الدولي لا يزال منقسماً بل ومختلفاً حتى على اسم هذه البلاد. وقد شكل الاسم معضلة حقيقية أمام كلينتون خلال زيارتها الأخيرة، وواجهت صعوبات كثيرة طوال فترة زيارتها بالحديث عن البلد دون "التورط" بذكر اسمه. ووفق توصية من جهابذة الخارجية الأميركية، فقد طلب منها تجنب ذكر اسم البلد، وإذا اضطرت لذلك فإن النصيحة كانت أن تقول لمضيفيها "ما تسمونه أنتم ميانمار".
 

كان الاستعمار البريطاني قد غير اسم البلاد القديم "ميانمار" وأطلق عليها اسم "بورما"، قبل أن يقرر المجلس العسكري الحاكم استعادة الاسم القديم عام 1989، والذي اعترفت به الأمم المتحدة بعد خمسة أيام، في حين رفضت الولايات المتحدة ودول أخرى اعتماد الاسم الجديد حتى الآن.

لكن اللافت أن هذا الانقسام والاختلاف على اسم البلاد لا يقتصر على الصعيد الدولي، بل إنه يشمل أيضاً أهل البلاد نفسها، حيث لا تزال زعيمة المعارضة المعروفة أون سان سوتشي تصر على استخدام اسم "بورما" وترفض استخدام "ميانمار" باعتباره أحد إفرازات حكم العسكر, كما تقول.

 ويرى مراقبون أن اسم ميانمار يبدو أكثر شمولاً في التعبير عن واقع البلاد الذي يضم أكثر من مائة أقلية قومية، بينما يقتصر اسم "بورما" بالتعبير عن "القومية البورمية" فقط التي تشكل غالبية عدد السكان.

حال البلاد مع الاسم ينطبق أيضاً على حال العاصمة، فقد كان الاستعمار البريطاني قد غير اسمها إلى رانغون قبل أن تستعيد هي الأخرى اسمها الحقيقي يانغون التي تعني "استراحة المحارب"، لكننا لم نعثر في تاريخها المكتوب ما يؤكد أن المدينة نعمت بالفعل بتلك الراحة المزعومة في أي فترة من فترات تاريخها الذي يمتد 26 قرناً.

أحد شوارع العاصمة يانغون (الجزيرة نت)

رغم الانفتاح والإصلاحات التي تشهدها البلاد فإنها لا تزال -إلى حد ما- عصية على الصحفيين ووسائل الإعلام، إلاّ  لمن حالفهم الحظ. بعد عدة طلبات متكررة، حصلنا على تأشيرة دخول لأيام معدودة.

وصلنا يانغون، وهي شبه جزيرة تمتد بين بحر ونهرين.. هي العاصمة أو هكذا كانت قبل أن يقرر المجلس العسكري الحاكم استبدالها بمدينة "نايبيداو" في إحدى المرتفعات الجبلية على بعد 600 كلم من مدينة يانغون، لكن الصراع بين المدينتين لا يزال محتدماً. فبينما تم نقل معظم الوزارات والمؤسسات الحكومية إلى العاصمة الجديدة، لا تزال السفارات الأجنبية تتحصن داخل مقارها في يانغون.

وقد أثار قرار نقل العاصمة موجة كبيرة من الجدل ولا يزال.. ليس لما يعنيه ذلك من تكاليف باهظة في بلد يعاني من فقر مدقع فحسب، ولكن لأنه جاء تنكراً للأم العجوز التي تحملت وعانت وأصبحت رمزاً معنوياً للبلاد طوال قرون. وقد قيل كثيراً عن أسباب هذا القرار، فالبعض يؤكد أنه جاء لأسباب أمنية، بينما يشيع البعض الآخر أنه جاء بناء على نصائح من العرافين والمنجمين!

كانت يانغون تستعد للاحتفال بمناسبة مرور 2600 عام على تأسيسها، لكننا لم نلاحظ أي مظاهر احتفالية سوى إشعال البخور وزيارة المكان الذي ولدت فيه المدينة.

إنه باغودا أو صومعة "شوي داغون".. ولجنا المكان من بوابته الرئيسية حيث يربض أسدان أسطوريان.. أشار الحارس بأدب جمّ أن اخلع نعليك إنك في مكان مقدس.. فعلنا ذلك.. فأشار إلى الجوارب.. وهذه أيضاً.. فعلنا ذلك دون تردد.. وهذا هو حال جميع الزائرين من رهبان وناس عاديين وسياح.

الباغودا تعد الأشهر في المنطقة، تتربع على ربوة تتوسط المدينة وترتفع نحو السماء بطول 99 متراً، ويمكن أن يراها المرء من أي مكان في المدينة، تتوهج تحت أشعة الشمس وتضم في رحمها سبع شعرات لبوذا كما تقول الأسطورة، ولهذا لا تستغرب أن كسوة جدرانها تقدر بستين طناً من رقائق الذهب الخالص، ومرصعة بمئات القطع من الياقوت والأحجار الكريمة الثمينة والنادرة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة