الطاهر وطار في ذكرى رحيله   
الأحد 15/9/1432 هـ - الموافق 14/8/2011 م (آخر تحديث) الساعة 15:18 (مكة المكرمة)، 12:18 (غرينتش)

الروائي الجزائري الطاهر وطار مؤسس الجمعية الجاحظية (الجزيرة نت)


بوعلام رمضاني-باريس

الكتابة عن رجل في حجم الفقيد الطاهر وطار ليست أمرا سهلا بكل المعايير إذا كنا ندعي الموضوعية، باعتباره يمثل حالة إبداعية استثنائية في المشهد الثقافي والأدبي العربي بوجه عام والجزائري بوجه خاص بحكم تنوع وتداخل وجوه شخصيته المثيرة.

كان وطار، الذي توفي في أغسطس/آب من السنة الماضية في الجزائر عن عمر يناهز السادسة والسبعين بعد صراع مرير مع سرطان الكبد في باريس، دائما في قلب الأحداث التي هزت الجزائر منذ الاستقلال، وكتب روايات استلهم وقائعها وشخصياتها من رحم التاريخ الجزائري الوطني والصراعات السياسية التي عرفها بلد الشهداء الذين كرمهم في رائعته "الشهداء يعودون هذا الأسبوع" بشكل بديع.

ازداد وطار الماركسي، الذي أحيل على التقاعد الإجباري لوضع حد "لشغبه السياسي" والتزامه الإيديولوجي كمثقف عضوي وفق التصور الغرامشي، ضراوة  أثناء العشرية الدموية التي كتب خلالها روايات جديدة وجد فيها الإسلاميون حليفا غير منتظر، كما أسس جمعية الجاحظية الثقافية التي حملت شعار "لا إكراه في الرأي".

إن الشعر الذي بدأت أكتبه مطلع الخمسينيات كان مجرد كلمات مصفوفة وشبه قافية، ولم أفشل في المقاربة الشعرية العمودية التقليدية فحسب بل لم أوفق أيضا في كتابة النثر الذي حاولت تجريبه في صيف 1954
شاعر وقاص
قليلون هم الذين يعرفون بداية وطار مع الإبداع الأدبي وخلافا للذين يخفون إخفاقاتهم لسبب أو آخر، لم يتردد الفقيد خلال لقائنا الأول معه في الإفصاح عن فشله في أن يكون شاعرا قبل تحوله إلى روائي كبير انطلق من تونس التي تألق فيها إعلاميا وأدبيا.

بروحه الساخرة قال وطار "إن الشعر الذي بدأت أكتبه في مطلع الخمسينيات كان مجرد كلمات مصفوفة وشبه قافية، وأدركت بسرعة أنها كانت تمثل كل شيء إلا الشعر، ولم أفشل في المقاربة الشعرية العمودية التقليدية فحسب، بل لم أوفق أيضا في كتابة النثر الذي حاولت تجريبه في صيف 1954، وكان لابد لي تحت وطأة روح التعبير عن ما كان يختلج في أعماقي من إيجاد القالب الأدبي الأقرب إلى مزاجي وأفكاري". 

غادر الفقيد قسنطينة -مدينة الروائية الكبيرة أحلام مستغانمي والروائي الراحل مالك حداد صاحب مقولة "اللغة العربية منفاي" بسبب عجزه عن الكتابة باللغة العربية- عام 1955، ولم يتأخر فور وصوله تونس في فرض نفسه في الساحة الأدبية والصحفية ونشر في جريدة الصباح قصة "الحب الضائع" التي فتحت له الطريق نحو الشهرة.

وعن هذه الانطلاقة الإبداعية التي بدأ فيها قاصًّا ولم يلبث أن تحول إلى روائي كبير قال وطار إن الثورة الجزائرية التي هزت العالم بوجه عام والعالم العربي والإسلامي بوجه خاص، كانت عاملا أساسيا في كتابته لمجموعات قصصية أخرى دارت حولها.

وبغض النظر عن تأثير هذا الحدث الاستثنائي في حياة مبدع وعى مبكرا الرهانات الإيديولوجية القائمة وقتها أضاف وطار "إن القصة التي وجدت فيها ضالتي الأدبية هي التي مهدت لي الطريق لاقتحام عالم الرواية بقوة إلى الحد الذي مكنني من مزاحمة الكتاب التونسيين الذين كانوا ينشرون في الصحف والمجلات الأدبية المختلفة".

الطاهر وطار أقبل في طفولته بشغف على أشهر الروايات العربية والعالمية (الجزيرة نت)
العصامية المحضة
القول إن وطار صاحب شخصية فريدة من نوعها لم يكن أمرا غريبا يستهدف صاحبه الإثارة، والدليل تعلمه اللغة العربية في سن الرابعة عشرة بحكم تربيته في قرية مداروش الأمازيغية الواقعة في أحضان الأوراس الشماء ومعقل انطلاق شرارة ثورة المليون ونصف المليون شهيد.

وكان عليه الاعتماد على العصامية المحضة لتجسيد شغفه بكل ما يمت بصلة للأدب بوجه عام والرواية بوجه خاص الأمر الذي دفعه إلى الإقبال بشغف على قراءة أشهر الروايات العربية والعالمية.

عن موهبته النقدية المبكرة التي سمحت له بتجاوز القائم من الإبداع الروائي في وقت قياسي قال وطار "اكتشفت بسرعة خلل بعض روايات نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم إلى جانب الروائيين الآخرين الذين وقعوا في أسر التقليد الغربي".

ويفسر وطار خصوصية كتاباته الروائية بتفاعله مع الثورة الجزائرية وظروف تربيته التي لم تسمح له بدراسة الأدب أكاديميا في وقت لاحق، وربما هذا ما يفسر حسب قوله أصالة تناوله لمواضيع شكلت الذاكرة الثورية في علاقتها بالمحيط الإيديولوجي العالمي الذي تركه ينحاز إلى صف المظلومين والضعفاء من الشعوب والأفراد والمطالبين بالعدل والمساواة.

روايتي "الزلزال" التي يفضلها الكثيرون كانت نبوءة أكدت سلامة حدسي وعمق فحصي لديمومة ومسار المجتمع الجزائري الذي عرفته من خلال مئات القرى والمدن والبوادي التي زرتها
مواقف غير معلبة
وطار الذي اشتهر برواياته وبتوجهه اليساري ومواقفه غير الجاهزة والمعلبة - خلافا لرفقاء دربه من اليساريين الآخرين الذين دافعوا عن توقيف المسار الديمقراطي لغلق الطريق أمام ما أسموه بإرهاب الإسلاميين، لم يكن يساريا متعصبا أو متطرفا إقصائيا، والواقعية الاشتراكية التي تأثر بها والصراع الطبقي الذي اعتبره ملح طروحاته لم يدفعاه بالضرورة إلى تبني موقف عدائي من الإسلاميين كما فعل الروائيون واسيني الأعرج ورشيد بوجدرة والراحل رشيد ميموني وآخرون.

ويؤكد الروائي الراحل أنه لولا رواية الزلزال لما اعتبره بعض النقاد مؤرخا ومفكرا يمكن العودة إليه لفهم العشرية الدموية التي عرفتها الجزائر وتفهم الإسلاميين الذين يعدون نتيجة طبيعية لمسار تاريخي حمل بين طياته بذور الزلزال الاجتماعي والسياسي.

ويقول "إن روايتي الزلزال التي يفضلها الكثيرون كانت نبوءة أكدت سلامة حدسي وعمق فحصي لديمومة ومسار المجتمع الجزائري الذي عرفته من خلال مئات القرى والمدن والبوادي التي زرتها، وليس في الأبراج العاجية".

الاستبداد والإقصاء وتوابل الحكم الفردي والتعسفي، قضايا تناولها شيخ الروائيين الجزائريين في روايتي "عرس بغل" و"الحوات والقصر"، وفيهما "وصفت نظام الرئيس بومدين بحكم العصابات، وهو نفسه النظام الذي ما زال قائما في صورة تعددية وهمية وزائفة".

ويقول وطار "إن البورجوازية التي كرست كل جهدي لتأكيد مرافقتها لتاريخ الجزائر كانت هي الأخرى حاضرة في أعمالي باعتبارها خاصية لصيقة بطبيعة الثورة والحكم الوطني".

ويشير إلى أن رواية " اللاز" هي الأخرى مرجعية تاريخية كشفت عن عدم تحجره الإيديولوجي ورفضه للاستئصال والإقصاء رغم إيمانه بالصراع الطبقي.

وعبرت عن ذلك باستلهام زيدان الشيوعي لسيرة الرسول في رواية الزلزال وعدم فصلي بين "أبو الأرواح" والإسلاميين، وتصويري العلامة عبد الحميد بن باديس يتظاهر جنبا إلى جنب مع أبناء عمال مسجد الأمير عبد القادر".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة