مأزق واشنطن بين غضب الشعوب ودبلوماسية الحكومات   
الأحد 1423/11/17 هـ - الموافق 19/1/2003 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

مظاهرة في لوس أنجلوس تدعو لإسقاط بوش وليس القنابل (أرشيف)

لم يسبق منذ حقب طويلة -ربما منذ حرب فيتنام- أن احتشد كل هذا الجمع من الجماهير من نواحي الأرض، بمختلف الثقافات والتوجهات وراء قضية واحدة. ليس بالضرورة أن تكون القضية هي العراق ذلك القطر المحدود في مساحته، فربما هي أكبر وأشمل من ذلك -قضية حرية الإنسان- التي أصبح الناس يشعرون بأنها باتت مهددة في ظل هذا الطغيان الأميركي المتمدد كأخطبوط في أرجاء الكون.

فقد نحت الشعوب -باستثناء العرب- حكوماتها جانبا، وخرجت هادرة إلى الشوارع رغم البرد والأنواء للتصدي للمحاولات الأميركية للسيطرة على العالم وفرض شروطها عليه. حتى لتحسب أن مسؤولي الإدارة الأميركية تحسسوا مخططاتهم في جيوبهم وهم يسمعون هدير الملايين يهز أركان البيت الأبيض، وتتساءل إن كانوا وضعوا مفردة "عولمة الغضب" في قاموس العولمة التي يبشر منظروهم بها آناء الليل وأطراف النهار.

التظاهرات التي تجتاح العالم من شرقه إلى غربه ومن جنوبه إلى شماله -دائما مع الاستثناء السابق- سجلت حضورها بصفة خاصة في عقر الدار، وانطلقت من أمام الكابيتول مقر الكونغرس الأميركي بواشنطن، تحت عنوان "ضد عسكرة الولايات المتحدة" وشارك في التظاهرة عشرات الآلاف من الناس تتقدمهم شخصيات من رجال الدين والسياسة والفن.

وأدان المتكلمون النزعة العسكرية للإدارة الأميركية ورفعوا لافتات حملوا عليها صور أشهر دعاة السلام، ومن بينهم القس الأميركي الأسود مارتن لوثر كينغ، والمهاتما غاندي، والأم تيريزا، والزعيم الأفريقي نلسون مانديلا. وعلى اللافتات كتب "يمكن قيام عالم آخر"، و"لا حرب ولا دم من أجل النفط".

وعبر المشاركون عن رفضهم للسياسات الأميركية، عندما أكدت الممثلة جيسيكا لانج "إن إدارة بوش أخطأت الطريق، إنها تقتل حرياتنا". بل ذهب البعض مثل رامزي كلارك وزير العدل في حكومة الرئيس الأسبق لندون جونسون إلى حد المطالبة بإقالة الرئيس جورج بوش متهما إياه بارتكاب "جرائم بحجة مكافحة الإرهاب".

الحصار نفسه واجه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير وجنرالاته في لندن وإيرلندا وأسكتلندا، وإن كان الزعيم العمالي لم يتوان حتى الآن عن تأكيد تحالفه المتين مع الإدارة الأميركية في العلن، إلا أنه لم ينجح في إقناع الرأي العام في بلاده بأن الحرب على العراق ضرورية، لذلك يراه المراقبون يتأرجح بين الكفتين في خطبة واحدة.

الأمر اللافت للاستغراب والريبة في آن هو غياب المشهد العربي في فصول هذه الملحمة الكونية وكأن شعوب العالم تنوب عن الشعب العربي في الدفاع عن وجوده.

فوسط الحديث عن عشرات آلاف بل مئات آلاف المتظاهرين في أميركا وبريطانيا وفرنسا وروسيا واليابان وكندا وأستراليا.. إلخ، حملت وكالات الأنباء أمس أرقاما تراوحت بين بضع مئات في عاصمة العروبة وبضعة آلاف في قلعة الصمود والتحدي.

ورغم غياب أصحاب الشأن عن مسرح الأحداث فإن مثل هذه التظاهرات الرافضة للحرب تتواصل في أنحاء أوروبا وآسيا. ويؤكد منظمو المسيرات أنهم ماضون نحو غاياتهم السلمية، في الوقت نفسه الذي يمضي فيه دعاة الحرب في حشد آلتهم العسكرية وقرع طبول الحرب. فهل تنجح الشعوب في تحقيق ما فشلت فيه دبلوماسية الخوف والمصالح الرسمية؟.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة