"زيدان الزقزاق".. أسطورة منسية وشخصيات مُستلَبة   
الأحد 1434/11/17 هـ - الموافق 22/9/2013 م (آخر تحديث) الساعة 13:31 (مكة المكرمة)، 10:31 (غرينتش)
غلاف رواية "زيدان الزقزاق" للسوداني حسام الدين صالح (الجزيرة)

هيثم حسين

يلفت السوداني حسام الدين صالح في روايته "زيدان الزقزاق" الأنظار إلى قوم تمّت بعثرتهم بتخطيط وتدبير محكَمين، وتم مسح إحداثيات وجودهم عن الخرائط الرسمية، ليتعمم المسح إلى إلغاء كينونتهم تخوفا من أية تبعات محتملة.

يقدّم صالح في روايته –التي نشرتها الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت 2013– سبرا لتاريخ شعب منسي وجغرافية مهمشة، يحاول إنصاف مَن يفترض أنه قد ارتكب بحقّهم الكثير من الإهمال تاريخيا.

تكون شخصية زيدان بوابته لدخول عالم "الزقازقة" الذين كانوا يهتمّون بإثبات وجودهم واعتبارهم كغيرهم من أبناء المنطقة والاعتراف بخصوصيّتهم وإيقاف السعي لنهب آثارهم وتكميم أفواههم ومنع لغتهم وزقزقتهم، بحسب بطل الرواية.

يشير الراوي إلى أن الزقازقة يقيمون في بقعة قريبة من العاصمة الخرطوم، ويعيشون على أطراف أم درمان، ويعانون عزلة مفروضة عليهم من قبل المتحكمين في رقاب الناس، إذ تتم محاربة أية محاولة لتخليصهم من واقع التهميش والإقصاء، ويمنَعون من الزقزقة التي هي عصب حياتهم ومبعث سعادتهم وبهجتهم، وهي لغتهم الخاصة التي تميزهم وتمنحهم الاستقلالية والأصالة.

زيدان الزقزاق ليس فردا ولا اسم علم فقط، إنما هو رسول شعب بأسره، تتم أسطرته للدلالة إلى تجذر دور من ينحدر من سلالتهم في التاريخ. وما الإشارات المتكررة إلى السعي من قبل أطراف مختلفة للاستحواذ على الآثار القابعة تحت دار مهجورة للسينما إلا تأكيد على ما يتم من نهب للتاريخ بحجة المحافظة عليه.

يمتزج الجانب البوليسي في رواية "زيدان الزقزاق" مع الدلالات الواقعية والتاريخية والجغرافية

إحداثيات مفترضة
ينتقل صالح من السرد إلى صيغة تحقيق استقصائي عبر إدخال شخصية صحافيّة إلى قلب دائرة النار لتلعب دور المغامرة والشاهدة، وتجاهد لنقل الحقيقة إلى العلن. ينتقل بالتدريج وعلى مراحل، فبداية يكون زيدان متصدّر الواجهة، يدخل بعد ذلك أمين سائق السيارة الأجرة الذي يتاجر بالآثار والتحف سرّاً، ومع اتّساع المشهد تدخل الصحافية قمر لتنهض بدور الكشّاف والمنقّب والناقل في الوقت نفسه.

تتجاذب معها الاهتمام بالمنطقة والزقازقة وثرواتهم وآثارهم وأساطيرهم دكتورة جامعية ترنو إلى تحقيق مكاسب شخصية لها، وتكون الحرب الباردة بين الشخصيات المنخرطة في سياق لعبة إثبات الموجود الذي يتم التعامي عنه ونفيه لغايات مبيّتة.

يعثر زيدان الزقزاق على صوته بعد تعبيره عن لواعجه ومشاعره لقمر، يعود إلى الكتابة، يعبّر من خلالها عن نفسه وشعبه، يزقزق كتابة، يسترجع عبرها هويته وكينونته، يحاول الانطلاق من جديد، ينقذه الحب الناشئ المتنامي برفق من مستنقع اليأس الذي حُوصر فيه.

يكتب عما كان وعن أسباب التحوّل إزاءه، وكيف كانت المعالجات المتتالية كيديّة أكثر منها شفائيّة. يكتب عن أساطير التاريخ المرويّ وحكايات الشفاهة التي تؤسّس للتعايش والمساواة.

يمتزج الجانب البوليسي في الرواية مع الدلالات الواقعية والتاريخية والجغرافيّة، ذلك أن زيدان الذي تنكر بداية لقومه وتعامل بطريقة انتهازيّة، ما لبث أن فقد سمعه ونطقه، صلمت إحدى أذنيه كعقاب له على تخطّيه حدوده، ثمّ انتزع النطق وكمّم فمه إسكاتا لأي صوت محتمَل.

وهو في حالته تلك، فُرض عليه نوع من العزلة الإجبارية، ابتعدت عنه زوجته، يراقب في حركاته وسكناته، وهناك مَن يحصي عليه أنفاسه، وتكون التخمينات بوجود "جماعة" لا تريد له التعبير عن آمال وآلام شعبه ولا عن أية خصوصية يتفرّد بها. ويكشف أن العودة إلى الحاضنة الشعبية حتمية لأن الضياع يترصد أي متنكر لذاته وقومه.

الخاتمة التي يراد لها أن تكون بداية حقيقيّة، تفترض انتظار ظهور زيدان الزقزاق، الرجل الواقعيّ المؤسطَر، ويصبح الانتظار عادة عامة، تتشارك فيها قمر والسلطات، وكلّ واحد ينتظر على طريقته ولغاية في نفسه.

يعتمد الكاتب في حواراته على اللهجة المغرقة في محلّيّتها، ومع حرصه على إيجاد صيغة تجمع بين العامية والفصيحة فإن هناك مقاطعَ قد تغترب عن القارئ البعيد عن اللهجة السودانية

أشياء وأسباب
جميع فصول الرواية (15 فصلاً) تبدأ بـ "ما" من قبيل "ما لا يمكن إخفاؤه أو حكايته همساً. ما يجب كشفه الآن أو اعتماده وعداً. ما يتمنّاه زيدان أو ما تراه قمر لاحقاً..". وهي تشير إلى الشيئيّة والسببيّة في آن، وتعتمد التخيير أو تثبت التعدد واختلاف التأويل.

فكثيراً ما تشير إلى أسرار تتكتّم عنها المنطقة أو الشخصيات، وتراها تشير إلى ألغاز تنطوي عليها، وما تلبث أن تنفتح على تبريرات أو شروح تالية، وهي إن كانت ترمز إلى غير العاقل لغويا، فإنها تسعى من خلال الإشارة تلك إلى استنهاض أدوار العاقلين الذين يتم تهميشهم واقعيا، وإظهار أسباب ذلك وموجباته وأكلافه.

يستعين الروائي بفن القصّة القصيرة جدا، يسرب ستين قصّة في فصلين متعاقبين، ومع أنه يتّخذ ذلك وسيلة لتسليط الأضواء على محطّات متفرّقة من حياة الزقازقة، إلا أنه وقع في جانب من الإثقال على فن الرواية، وذلك بعيدا عن توصيف الرواية بالفن "الفضفاض" الذي يحتمل الاحتواء ويصهر الأجناس الأدبيّة، لا سيّما وأن الكاتب لا يكتفي بالقصة القصيرة جدا، بل يلجأ إلى التقرير الصحفي والتحقيق الاستقصائي، وفصول مقدّمة على طريقة المقالة الصحافيّة.

يعتمد الكاتب في حواراته على اللهجة المغرقة في محلّيّتها، ومع حرصه على إيجاد صيغة تجمع بين العامية والفصيحة فإن هناك مقاطعَ قد تغترب عن القارئ البعيد عن اللهجة السودانيّة.

ولعلّه في حرصه على الحوار بالعامية يسعى إلى التشبث بالمحليّة التي تكون منطلقا نحو الآخر لتشدّ انتباهه وتحرضه على البحث عن المفردة وتاريخها، عسى أن يكون ذلك مدخلاً إلى البحث عن الناطقين بها، وإظهار مواقعهم على الخرائط التي حرموا من الوجود فيها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة