بيغوفيتش: ماضون لعضوية الاتحاد الأوروبي   
الثلاثاء 1433/9/26 هـ - الموافق 14/8/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:24 (مكة المكرمة)، 11:24 (غرينتش)
رئيس مجلس الرؤساء البوسني باكر علي عزت بيغوفيتش (الجزيرة)
                                                                     
حوار وترجمة: كريم الماجري
قال رئيس المجلس الرئاسي بدولة البوسنة والهرسك، باكر عزت بيغوفيتش إن بلاده استطاعت خلال السنوات العشر الأخيرة توحيد قواتها العسكرية والإستخباراتية ومؤسسة حرس الحدود، مؤكدا العزم على المضي نحو عضوية حلف شمال الأطلسي (ناتو) والاتحاد الأوروبي.

وأكد في حواره مع الجزيرة نت أن سكان البوسنة متأكدون من استردادها تعافيها كما كانت دائما أرضا متعددة الألوان والأعراق والأجناس والأديان والثقافات، لافتا إلى أن الدافع الأساسي وراء ذلك هو رغبة أهلها في استعادة هدوئهم وتصالحهم فيما بينهم وانتهاء حالة الكراهية وانعدام الثقة التي سادت بين السكان بمختلف أعراقهم ودياناتهم.

واستبعد بيغوفيتش إمكانية عودة الحرب إلى هذه المنطقة، مضيفا أنه في حال وقوع ذلك فإنّ القوات البوسنية النظامية والوطنيين الشرفاء من البوسنيين والهرسكيين سيدافعون عن أرضهم, وطالب القوى الكبرى بالعمل على تهدئة الأوضاع في البوسنة.

وفي ما يلي نص الحوار:


كيف تقيمون أوضاع البوسنة وشعبها سبعة عشر عاما بعد إبرام اتفاقيات دايتون، وهل كان بالإمكان تحقيق أفضل مما كان؟

إذا حكمنا على تلك المرحلة اليوم، فلا بد إذن من استعادة صورة الوضع الذي كنا نمر به قبل 17 عاما، فلم يكن ذلك الوضع مبشرا على الإطلاق، المدن كانت مدمرة والقرى أحرقت، وتم تهجير نصف السكان من ديارهم وقتل عشر سكان البلاد أو أصيبوا بإعاقات خطيرة.

فقد قسمت اتفاقيات دايتون البلد إلى كيانين، أحدهما تقطنه أغلبية بوشناقية وكرواتية وهو نفسه مقسم إلى كانتونات عشرة. وأنهينا الحرب ولدينا ثلاثة جيوش متحاربة، وثلاثة تشكيلات من حرس الحدود وثلاث وكالات استخبارات.

أما اليوم، فإن البوسنة والهرسك بلد هادئ به تجاذبات سياسية، لكن الصراعات المبنية على المعطى الإثني توقفت منذ زمن بعيد. والأزمات السياسية والصراعات البينية خفت حدّتها بشكل ملحوظ، ويمكنني أن أشبهها بالهزات الارتدادية التي تتلو الزلزال الكبير وتعني أن الهدوء على السطح قد بات قريبا.

واستطعنا خلال السنوات العشر الأخيرة توحيد قواتنا العسكرية ووكالة استخباراتنا ومؤسسة حرس الحدود، كما أنشأنا ستين مؤسسة مشتركة على مستوى دولة البوسنة والهرسك. ونحن عاقدو العزم على المضي نحو عضوية حلف شمال الأطلسي (ناتو) والاتحاد الأوروبي.

ورغم أن تعافي الوضع الاقتصادي في البلاد قد يكون بطيئا نوعا ما، لكنه يتحسن مع كل يوم جديد، فمعدّل الرواتب ومعاشات التقاعد في العاصمة سراييفو أعلى من نظيراتها في بلغراد وصوفيا وبوخارست.

إذن الوضع ليس بالجيد جدا، لكنه أيضا لم يكن ليكون أفضل بكثير بالنظر إلى الوضع الذي كنا عليه قبل 17 عاما.


البوسنة والهرسك، بلد عرف تاريخيا تقلبات عديدة ومثيرة ودموية في أغلبها, وقد أثرت على النسيج الاجتماعي والثقافي للشعب، فهل تعتقدون أنّ أزمة البوسنة صارت من التاريخ أم أن ارتداداتها ما تزال تفرز نتائجها السلبية على الشعب البوشناقي حتى الآن؟

كان البلقان على مر العصور معبرا لكل المستعمرين والمغامرين، فعطيل وحنين قدما إلى هنا على صهوتي جواديهما من الشرق، والصليبيون أيضا مروا من هنا وتبعهم نابليون وأصحاب الإمبراطورية النمساوية المجرية من الغرب, والأتراك دخلوا هذه الأراضي في القرن الخامس عشر ومن ثم رحلوا.

لذا فالبلقان ممتلئ بالأحداث التاريخية، وخلال المائة عام الأخيرة انهارت إمبراطوريتان عملاقتان وشهدت اضمحلال ست دول كانت تضم أراضي البوسنة والهرسك، وكان يصاحب كل هذه الأحداث حروب ودماء وخراب، وكل جماعة إثنية تعرض عدد من أفرادها للقتل على أيدي أحد الجيوش المتحاربة خلال القرن الماضي.

أما الحرب الأخيرة التي شهدتها المنطقة فكانت الأسوأ وقد تمخض عنها تمييز بين سكان البلاد التي عرفت انقساما عرقيا لم تعرفه عبر تاريخها الطويل. لكن في اعتقادي الراسخ  أن الحروب على أرض أوروبا قد باتت من الماضي.

وستعود البوسنة إلى تعافيها التام كما كانت دائما أرضا متعددة الألوان والأعراق والأجناس والأديان والثقافات، فالدافع الأساسي الذي يقودنا نحو هذا الهدف قائم وبقوة، ويتمثل في استعادة أهل البلد لهدوئهم وتصالحهم فيما بينهم وانتهاء حالة الكراهية وانعدام الثقة التي سادت بين السكان بمختلف أعراقهم ودياناتهم.


لكن يبدو أن المشهد السياسي الحالي في الداخل البوسني يعيش أزمة متشعبة بين حزبكم والأحزاب الممثلة للإثنيات الأخرى من جهة, وبينكم وبين أحزاب ذات انتماء بوشناقي أو تعددي مثل الحزب الاشتراكي الذي التقيتم معه سابقا في حكومة وحدة, فهلا تفضلتم بتلخيص تلك الاشتباكات في نقاط محدّدة تسهّل على القارئ عملية فك رموزها؟

من الضروري التعمق في أحداث العقود الأخيرة التي مرت بها المنطقة لفهم الوضع الحالي. فعلينا استحضار كل ما كان من اتفاقات ومؤامرات عقدها المعتدون وأصحاب النفوذ خلال مدة قصيرة من الزمن على أرض البلقان لمحاولة الهيمنة والسيطرة على المنطقة، والرغبة الكرواتية الجامحة في تحقيق استقلالها التام.

وعلينا استحضار الهيمنة السياسية التي فرضتها دكتاتورية النظام الاشتراكي على كل مناحي الحياة لستة عقود متواصلة، وظهور البوشناق كفاعل سياسي وعسكري قوي زعزع كل مشاريع إقامة دول كبرى، لذا فإن الأحزاب السياسية التي تتقاسم المشهد السياسي اليوم في البوسنة والهرسك تستمد جذورها من تلك الأزمنة ومن تلك القوى التي أشرنا ليها.

فالحزب الديمقراطي الصربي قد تأسس على يد كرادجيتش، والحزب الديمقراطي الكرواتي أسسه فرانيو تودجمان (الرئيس الكرواتي الأسبق) الذي قضى قبل أن تبدأ محاكمته في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة.

أما حزب جبهة العمل الإسلامي فقد تأسس على يدي علي عزت بيغوفيتش (أول رئيس منتخب لدولة البوسنة والهرسك) في حين أن الحزب الاشتراكي الديمقراطي هو وريث الحزب الاشتراكي اليوغسلافي المنحل، وفي مشهد كهذا فإنه من غير السهل التوصل إلى نوع من التعاطي السياسي المتناغم بين هذه التشكيلات السياسية أو التوصل إلى توافق.

ومسألة تشكيل حكومة الائتلاف تتطلب صبرا كثيرا وتفهما للطرف الثاني والثالث فالرابع من أجل التوصل إلى توافقات وتنازلات.

فالحزب الاشتراكي الديمقراطي كان خلال العقد الماضي في المعارضة، ولم يستطع زعيمه زلاتكو لاغومدجيا, أن يحصد التجربة ولا أن يتعلم خصلة الصبر الضرورية لعقد اتفاقات والتوصل إلى تفاهمات، وحاول أن يحكم بالعقلية الاشتراكية القديمة، وبطبيعة الحال لم ينجح في مهمته تلك.

وتقدم بمقترح قانون بوقف تدريس مادة التربية الإسلامية في المدارس العمومية، واقترح مشروع قانون أراد من خلاله السيطرة سياسيا على عمل جهاز الشرطة، إلا أن حزبنا اعترض على هذين المشروعين وأجهضهما، ومن حينها بدأت حالة الاحتقان.

أما السبب الذي أدى إلى القطيعة التامة فقد حصل عندما استسلم لاغومدجيا أمام مطالب الجانب الصربي، وقبل المصادقة على مشروع الميزانية الذي قدرنا أنه غير كاف لتسيير مؤسسات الدولة بالشكل المطلوب.

فميزانية ريبوبليكا صربسكا (وهي جزء من دولة البوسنة) قد تضاعفت خلال السنوات الثلاث الأخيرة بنسبة بلغت 86% في حين تجمدت ميزانية دولة البوسنة والهرسك. كما اقترح لاغومدجيا استبعاد جبهة العمل الديمقراطي من التحالف الحاكم، وهو المقترح الذي صادق عليه الجانبان الصربي والكرواتي.

اليوم هناك معركة حقيقية تدور رحاها داخل مختلف البرلمانات (في البوسنة يوجد برلمان خاص بالفدرالية بين البوشناق والكروات، وبرلمان خاص بريبوبليكا صربسكا إلى جانب برلمان دولة البوسنة والهرسك) وعلى مختلف أصعدة مستويات الحكومة.

فقد ساندت صغرى الأحزاب جبهة العمل الديمقراطي ووقفت إلى جانبها، مما يجعل عملية التغيير التي يهدف إليها لاغومدجيا صعبة جدا، وعلى بعض المستويات مستحيلة.

رئيس الوزراء في ريبوبليكا صربسكا، ميلوراد دوديك، يُتهم بعرقلة جهود استكمال بناء الدولة البوسنية الحديثة, هل تشاطرون هذا الرأي، وما هي تداعيات إصراره على الدعوة إلى انفصال هذا الجزء من البوسنة في حال حدوثه، وهل يمكن أن يؤثّر ذلك على أمن أوروبا؟

دوديك يسعى إلى الحصول على القدر الأكبر من الاستقلالية لريبوبليكا صربسكا -التي يتمتع فيها بسلطة شبه مطلقة- وإثر الضغط الذي مارسه عليها المجتمع الدولي، فقد قبل بإدخال عدة إصلاحات قضت بتحويل الصلاحيات المعطاة إلى الأقاليم إلى مؤسسات الدولة المركزية.

وكما قلت، فقد تمكنا من بناء مؤسسة عسكرية موحدة وجهاز استخبارات موحد، وقمنا أيضا بإنشاء جهاز موحد مختص بتحصيل الضرائب غير المباشرة على الدخل.. إلخ.

ودوديك يعمل كل ما بوسعه لتعطيل مسيرة إصلاح مؤسسات دولة البوسنة والهرسك المركزية وتعزيز صلاحياتها على حساب صلاحيات حكومات الأقاليم، ولهذا فهو يحقق نجاحا انتخابيا لدى الأوساط الصربية، وبهذا فهو يبطئ من عملية انضمام البوسنة والهرسك إلى الاتحاد الأوروبي وعضويتها في حلف الناتو، ويلحق الأذى بالجميع بمن فيهم الصرب أنفسهم، ويعمل على وقف التوجه الإصلاحي الذي اعتمدناه.

كما أن مواقفه تكون أحيانا متعجرفة ومتحدية إلى حدّ كبير، حيث وصل إلى التهديد بالدعوة لإجراء استفتاء حول الانفصال. ويعلو صوت دوديك بشكل ملحوظ أكثر عندما يقبل بعرض توافقي يُدرك أنه لن يجد قبولا من طرف ناخبيه، وعندها يشن حملة عدائية واسعة وشرسة ضد البوسنة والبوشناق.

وأؤكد أن أقوال وتصريحات دوديك قوية وهي تلبّي توجهات القوى الصربية ذات التوجّه الرّاديكالي، لكنّ أفعاله -في الغالب- لا تتطابق مع تصريحاته، فهو يعلم يقينا أنه لا سبيل أمامه للانفصال عن دولة البوسنة والهرسك، وأنّ هذا التوجه فشل فيه من قبله كل من كرادجيتش وميلوسيفيتش في وقت كان فيه الصرب أكثر لحمة وأكثر قوة عسكرية وتسليحا مما هم عليه اليوم.

إن إمكانية تأسيس قوة عسكرية شبه نظامية وتأسيس دولة موازية على أراضي البوسنة والهرسك من جديد اليوم وتوجيه تلك القوة لمهاجمة الجيش النظامي سيكون عملا طائشا وفكرة عقيما ستنتهي بصاحبها إلى ما لا تحمد عقباه.

وميلوراد دوديك يعرف ذلك جيّدا, كما أنّ كل ما يُعرض يوميا على شاشات التلفزيون من وقائع جلسات محاكمة كرادجيتش وملاديتش وشيشلي تُنعش ذاكرته ولا تترك له مجالا للنسيان.


وهل تعتقدون أن البوسنة لا تزال تحظى بنفس الأهمية من الناحيتين الجيوسياسية والإستراتيجية للقوى الكبرى مثلما كانت مطلع القرن الماضي، وهل تقبل أميركا والاتحاد الأوروبي تثبيت استقرار البوسنة؟

كما قلت، فأنا لا أعتقد في إمكانية عودة شبح الحرب إلى هذه المنطقة، أما في حالة حدوث ذلك فإنّ القوات البوسنية النظامية والوطنيين الشرفاء من البوسنيين والهرسكيين سيدافعون عن أرضهم. فنحن لا خيار ولا بديل لنا عن أراضينا ووطننا الذي نعيش فيه، ومستعدّون للدّفاع عنه إلى النّهاية.

وفي حالة اندلاع صراع جديد سيعلم الجميع بأن البوسنة والهرسك دولة تهمّ القوى الدّولية بالفعل لأنّها تحتل مكانا إستراتيجيا في قلب أوروبا وفيها تتلاقى عوالم ثلاثة، حيث تلتقي فيها الديانات التوحيدية السماوية الثلاث الكبرى.

لذا فيجب على القوى الكبرى العمل على تهدئة الأوضاع في البوسنة، وهذا لا يمكن أن يكون إطلاقا على حساب أصحاب الشرعية في البوسنة والهرسك.


هل هناك من ارتباط بين المسألتين البوسنية والكوسوفية؟ وهل مصيرهما مشترك؟

بالتأكيد، هناك تشابه في الحالتين البوسنية والكوسوفية, فكلا البلدين كان ضحية للإرهاب المنظّم الذي مارسته سلطات بلغراد، لكن لن يكون بين الحالتين تشابه كما يحلم به بعض السياسيين الصرب، والذين يسعون إلى المطالبة بالاستعاضة عن انفصال كوسوفو عن صربيا بانفصال ريبوبليكا صربسكا عن البوسنة والهرسك.

إنّ المعايير الأخلاقية والمعطيات التاريخية المثبتة لا تسمح بإجراء مثل مقارنة كهذه بين وضع البوسنة ووضع كوسوفو، لأنه في كلتا الحالتين كان المعتدي واحدا وهم الصرب. ففي كوسوفو كان المغتصب المعتدي هو دولة صربيا، في حين كان المعتدي على البوسنة والهرسك القوات شبه النظامية الصربية. فالاستمرار في الحديث عن انفصال ريبوبليكا صربسكا عن البوسنة والهرسك استمرار للاعتداء عليها، وبإمكان ذلك أن يؤدّي فقط إلى عودة أسباب الصراع.


كيف ترون مستقبل البوسنة والبوشناق عام 2030؟ وهل من رسالة إلى العالمين العربي والإسلامي؟

بإذن الله وعونه فإن البوسنة والهرسك ستواصل تعافيها وسيحقق البوشناق مساواتهم مع باقي الشعوب الموجودة على أرض البلقان. وبالتأكيد ستكون هناك أزمات، لكننا حتى إذا واصلنا بهذا المستوى البطيء من الأداء مع كل العراقيل القائمة والتحديات المطروحة فإننا سنكون خلال العقد القادم جزءا من الحلف الأورو-أطانتي وسيتحسن مستوى العيش، ويبلغ ذلك المستوى الذي عليه دول أوروبا.

فالبوسنة والهرسك تمتلك مصادر طاقة ضخمة مثل الماء والثروة الغابية الشاسعة ومختلف المعادن, ومواطنونا مثقفون ثقافة عالية، ولهذا فإن مستقبلنا واعد ونملك الفرصة الكاملة لتحقيق نهضة حقيقية.

وبإمكان البوسنة أن تُصدّر طاقة كهربائية بأسعار تنافسية, وبإمكانها تصدير مختلف المواد الغذائية والخدمات السياحية الراقية والجذابة. والأهم لدينا الآن هو الحفاظ على استقرار بلادنا وتسريع عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وإعادة بناء البنية التحتية وتنمية القطاع الفلاحي.

أما عن العالمين العربي والإسلامي فنطلب منهما الاستمرار في مساعدتنا ومساندتنا كما فعلوا حتى الآن, نحن ننتظر من إخواننا العرب والمسلمين التركيز على الاستثمار في البوسنة لمساعدتنا على تحقيق النهضة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة