إدلب درع الثورة وتفتناز تدشن سقوط المطارات   
الثلاثاء 1434/3/18 هـ - الموافق 29/1/2013 م (آخر تحديث) الساعة 23:30 (مكة المكرمة)، 20:30 (غرينتش)
عائلات سورية تسكن بالمدافن ومدارس بريف إدلب (الجزيرة-أرشيف)

أحمد موفق زيدان

حين خرجت من حلب متجها إلى إدلب الخضراء -"درع الثورة" كما أُطلق عليها‫- بلد إبراهيم هنانو أحد مفجري الثورة السورية ضد الفرنسيين، لأصل إلى بلدتي تفتناز -"بلد الحرير" باللغة الرومانية- المدينة التي غُيبت عنها ثلاثين عاما.

نزور الأموات قبل أن نزور الأحياء.. يشير إلي ابن أخي قائلا "هذا قبر والدك ووالدتك وبجانبهم عماك وآخرون‫.."، كلهم قضوا أثناء غيبتي القسرية.

حمم وقنابل
القرية تحولت إلى أكوام من الخراب والدمار بسبب الوجبات اليومية من القصف التي يرسل حممها مطار المدينة، الذي غدا نقمة عليها بعد أن كان في بدايته نعمة، لأنه وغيره من المنشآت الحكومية كان ينعش اقتصاد المدن والبلدات المجاورة.

نتجول في سوق البلدة... يلتفت إلي أحد المرافقين قائلا "من محل الفلافل هذا كان ضباط المطار وجنوده يأكلون.. ومن محل الخضراوات هذا كانوا يتبضعون.. ومن محل الحلويات هذا كانوا يحرصون على شراء ما يحلو لهم".

لقد احتضنت المدينة المطار وأصحابه على مدى عقود، وخدمهم أهلوها وأسكنوهم في بيوتهم، لكنهم قابلوا ذلك بالبراميل المتفجرة والقنابل الفراغية، ولم يتأخر القدر فأعجلهم باستيلاء الثوار على المطار.. فكان باكورة إسقاط مطارات النظام التي تلقي حممها ولهيبها على المدنيين.

مقبرة آل الغزال
قبل أن تغادر تفتناز لا بد لك من زيارة مقبرتها التي احتضنت أكثر من سبعين شابا غالبيتهم من آل غزال الذين قتلتهم القوات النظامية وأحرقت بعض جثثهم.

نتجه شرقا إلى الطريق بين حلب ودمشق.. نسلكه فلا نجد إلا حواجز الجيش الحر.. نتعمق أكثر صوب دمشق.. على يميننا سراقب، حيث معركة معمل الزيت التي خاضها ثوار الجيش الحر فسيطروا على المعمل الذي كان يتحكم بالطريق الرئيسي.

صورة من محيط مطار تفتناز الذي سيطر عليه الثوار (الجزيرة نت-أرشيف)

نواصل سفرنا فنصل إلى معرة النعمان.. أول ما يستقبلك فيها ضريح شاعرها أبي العلاء المعري.. ماذا لو انتفض من قبره ورأى ما حل به من آثار القصف والدمار والخراب؟ ربما كان سيردد ما قاله ولكن بتعديلات تناسب المكان والزمان. خفف الوطء ما أظن أديم الأرض.. إلا من أجساد هذه الثوار.

سماء معرة النعمان مليئة بدخان أسود.. وقصف النظام متواصل عليها منذ سيطر عليها الثوار، فانتقمت منها ثكنات وادي الضيف الرابضة قربها.. تماما كما فعل مطار تفتناز بالمدينة.. فكل مدينة سورية تجاورها قاعدة عسكرية.. فبلد مثل سوريا لا تتعدى مساحته 185 ألف كيلومتر مربع يحتوي على 21 مطارا عسكريا.. كلها اليوم مسخرة لدك المدن والقرى والسعي لإخضاع الثائرين.

مدن تختفي
سوريا اليوم هي كذلك.. المشهد واحد في حلب وإدلب والجزيرة والساحل وحماة وحمص ودمشق وريفها ودرعا وكل سوريا.. مدن تختفي أمام سمع العالم وبصره، وليس كما كتب إيتالو كالفينو" مدن غير مرئية" وتحديدا عن البندقية التي تختفي سنويا سنتيمترات بالمياه.

يلتفت إلي أحد أئمة مساجد معرة النعمان ويقول إن سقوط النظام السوري كغيره من الأنظمة بدأ بارتفاع هيبته من القلوب‫، مضيفا "هكذا قال الإمام ابن تيمية -رحمه الله- إذا أراد الله إسقاط حاكم أسقط هيبته من القلوب أولا".

ما يقلق السوريين اليوم صمت أصدقائهم على مدى العامين، وهو وضع يلخصه أحد مثقفي إدلب بما قاله من قبل مارتن لوثر "أثناء المصائب والمشاكل التي تمر بك تنسى تهديدات الأعداء وتتذكر صمت الأصدقاء"، لكن أم محمد التي كانت تستمع لمثقفنا تقول له بطريقتها القروية البسيطة‫ "الصديق عند الضيق يا بني".

الشعوب باقية والأنظمة راحلة.. وشخصية الشعوب من شخصية بلدانها مستقرة باستقرار ألفاظها وشعاراتها وثباتها.. وشعار الشعب في سوريا اليوم "الشعب يريد إسقاط النظام"، لم يتغير ولم يتبدل على مدى 21 شهرا.

يكرر مثقفو بنش وأدباؤها في إدلب أثناء جلسة جمعتنا وإياهم في نهاية رحلتنا الممتعة التي اكتشفت فيها بلدي من جديد، يكررون ما قاله مظفر النواب من قبل "وطني علمني أن حروف التاريخ مزورة حين تكون بدون دماء".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة