الأخطل الصغير والفيتوري.. وعلى الأرض السلام   
الخميس 1426/5/16 هـ - الموافق 23/6/2005 م (آخر تحديث) الساعة 23:04 (مكة المكرمة)، 20:04 (غرينتش)
بشارة الخوري شاعر الهوى والشباب
لم يكن الشاعر العربي الكبير محمد الفيتوري مبالغا في ما كتبه للشاعر الأخطل الصغير وهو يجر ذيوله إلى العزلة الأبدية راثيا له, بل على العكس من ذلك كان الفيتوري العظيم عظيما في وصفه ودقة نصله واستئصاله كما هو عظيم دائما في عذوبة عروبته وملوحة أفريقيته يقول:
 
أنت في لبنان..
والشعر له في ربى لبنان عرش ومقام
شاده الأخطل قصرا عاليا
يزلق الضوء عليه والغمام
وتبيت الشمس في ذروته
 كلما داعب عينيها المنام
أنت في لبنان..
والخلد هنا
والرجال العبقريون أقاموا
حملوا الكون على أكتافهم
ورعوا غربته وهو غلام
غرسوا الحب فلما أثمر الحب
 أهدوه إلى الناس وهاموا
غرباء ومغنين
وأحلى أغانيهم على الأرض السلام.
 
وحق للفيتوري ذلك, فالشاعر بشارة الخوري هو صناجة لبنان وأخطله الذي اتقدت نار شعره وشرارة إبداعه مع أول ضوء لنار الحرية ومع أول فجر لشمس الفضاء الرحيب, الأخطل الذي أذهلت منمنمات معانيه وجمالية بناء ألفاظه وفسيفساء قصائده أبناء جيله فغنوا وراءه لليأس من منطلق البحث عن أمل, كما تغني الذئاب السائبة لليل باحثة عن الصباح وراء عتمته, الأخطل هو الذي ابتسم ساخرا من القهر والظلم الذي انتعل جسده وجسد لبنان, سخرية معرية تساوي العدم بالوجود والظلام بالضياء والليل بالنهار قائلا:

طلت يا ليلي أو لم تطل    مثلك الفجر الذي سوف يلي
ما يفيد النور في إشراقه  إن يكن أطفئ نور الأمل...
 
مشوار
ولد شاعرنا في بيروت عام 1890 وسرعان ما بدأ يتردد على الصحافة, لينشر فيها بعضا من قصائده ومقالاته.. إلى أن استفاد من إعلان الدستور العثماني فرخص لجريدته "البرق" التي ضمت كبار الأدباء والمفكرين ممن ناصروا حركات التحرر ومحاربة الاستبداد لينخرط بعد ذلك في العمل السياسي بعد تردي الأوضاع إثر سياسة تكميم الأفواه وتعطيل كل مظاهر الحرية والرقابة المشددة على الصحف حتى تعرض لمحاولة اغتيال كادت تودي بحياته عام 1910 تبعها إغلاق جريدته ثم تشرده متخفيا من النظام التركي، يقول الشاعر في ذلك:
 
ضحك المجد لنا لما رآنا   بدم الأبطال مصبوغا لوانا
عرس الأحرار أن تسقي العدا كأسا حمرا وانغاما حزانا.
 
إلا أن هذه الحالة الظلامية وحياة الدهاليز لم تدم طويلا فعاد الشاعر إلى الكتابة في أغلب الجرائد اللبنانية ولكن باسم مستعار لشاعر عربي من العصر الأموي وهو الأخطل الذي وجد فيه شاعرنا مثلا له من الناحية السياسية، لتعود صحيفته "البرق" إلى الصدور عام 1918 ويستمر في الحياة السياسية بأنفة وكبر حتى يودع الحياة في يوليو/تموز 1968 قائلا:
 
ضجت الصحراء تشكو عريها فكسوناها زئيرا ودخانا
شرف للموت أن نطعمه أنفسا جبارة تأبى الهوانا.

حزن وحب
إن شعر الأخطل الصغير تكسوه مسحة شبابية تشوبها مسحات أخرى من الحزن العميق وحب للحياة بكل مفرداتها. فقد جمع شعره بين الرقة والحب، وصدر عن عاطفة متدفقة كأنه يرى أفقا خياليا لا نراه نحن ولا نسمعه ولا نفهمه إلا حينما يسقينا جماليته بغيوم فلسفية يقلب فيها كل معايير الجمال وينسف فيها كل مؤشرات الذوق بصورة ساحرة مبهرة للقارئ لا يماثلها سوى جمال لبنان وغناء الريح على سفوح تلاله ومرابع هضابه وصوت فيروز تغني له:
يا عاقد الحاجبين    على الجبين اللجين
إن كنت تقصد قتلي  قتلتني مرتين
 
ويتجلى ذلك الإبداع الصوري في قوله:
 
نفض الحسن عرشه فسألنا
من تراها له فدل عليك
اسكبي روحك الحنون عليه
كانسكاب السماء في عينيك
 
ولا شك أن مسيرة شاعر بهذا الحجم، وهذه التجربة الطويلة المليئة بالدم والتيه، لا تتوقف عند الوصف وفلسفة الجمال، بل نجده يوظف كل ذلك لقضيته وهموم أرضه ووطنه, فعلى الرغم من أنه كان إنسانيا في نظرته وكينونيا في إحساسه وعربيا في انتمائه ولبنانيا في نضاله وشعره، فإنه لم يلتزم خطا سياسيا معينا ولم يؤمن بأفكار نمطية بل انطلق في مسار أوسع وبمضامين فكرية عصرية وإن صيغت بشكل شعري قديم.


 
عشق بيروت
عشق الأخطل الصغير بيروت كما كل اللبنانيين وتغنى بها في كل قصائده وجاذبها الهوى, بل تقمصته وتقمصها ترابا وحبرا ولونا أزرق:
 
فدت المنابر كلها منارة هي في فم الدنيا هدى وتبسم
ما جئتها إلا هداك معلم  فوق المنابر أو شجاك متيم
بيروت هل ذرفت عيونك دمعة إلا ترشفها فؤادي المغرم
أنا من ثراك فهل أضن بأدمعي في حالتيك ومن سمائك ألهم..
 
لكن الملاحظ في قصائده دون غيره أن رؤيته الشعرية لم تكن آنية أو متقوقعة في مطحنة الحاضر العصيب -أنذاك- بل تعدتها بنظرة ثاقبة إلى الآن وما يعيشه لبنان وكأنه قدر يمر به كل جيل أرضعته بيروت العاشقة المشؤومة على عشاقها, يقول الأخطل مخاطبا بيروت بهذين البيتين اللذين يحملان كل شوارع بيروت الصامتة وكل ظلامها الدامس الذي بدأنا نراه يصرع كل حب ويطمس الحقيقة الإنسانية:
 
لهفي عليك أكل يوم مصرع للحق فيك وكل عيد مأتم
والأمر أمرك لو رجعت إلى الهدى الحب يبني والتباغض يهدم
 
وليس هناك ما يفوق جمال شعر الأخطل سوى تصوير الفيتوري لرحيل أي شاعر ومبدع وعبقري عندما ينسحب بهدوء دون أن يشوش الذاكرة العربية المملوؤة دوما بالنسيان لملهميها ومن ضمنهم بشارة الخوري أو الأخطل الصغير:
 
غرسوا الحب فلما أثمر الحب
 أهدوه إلى الناس وهاموا
غرباء ومغنين
وأحلى أغانيهم على الأرض السلام.
______________
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة