القهوة التركية صامدة في وجه الحداثة   
الاثنين 15/3/1436 هـ - الموافق 5/1/2015 م (آخر تحديث) الساعة 11:02 (مكة المكرمة)، 8:02 (غرينتش)

خليل مبروك-إسطنبول

في منطقة السوق المسقوف المعروف باسم "السوق المصري" بمدينة إسطنبول، تشق رائحة القهوة التركية طريقها بثقة لتسود على ما سواها من روائح العطارين ومحلات البهار، التي يزدحم بها المكان.

فدكان القهوة الجافة "المطحونة" أحيا حركة التجارة في الجوار، وانتشرت إلى جانبه محال بيع القهوة الجاهزة للشرب، ودكاكين صغيرة تعرض مستلزمات القهوة من أكواب وأباريق وأوانٍ نحاسية مزركشة وغلايات يطلق عليها الأتراك اسم "الجزوة".

ويقول جابر يوكاشين -أحد المشرفين على محل القهوة الشهير بإسطنبول- إن تاريخه يرجع لعام 1871، حين قام محمد أفندي بتحميص حب القهوة قبل بيعها لزبائنه، الذين اعتادوا شراءها حبوبا طازجة ثم يقومون بتحميصها وإعدادها في بيوتهم قبل ذلك الوقت.

ماكنات طحن القهوة في المحال الشهيرة ببيع القهوة التركية (الجزيرة)

والي اليمن
وذكر يوكاشين أن الأتراك عرفوا القهوة في عام 1543 على يد الوالي العثماني على اليمن، الذي اعتاد شربها هناك وأتى بها إلى إسطنبول عند انتهاء ولايته، حيث ذاع صيتها في تركيا، وانتقلت منها إلى أوروبا.

ووفقا ليوكاشين، فإن القهوة التركية التي تباع في الأسواق اليوم ذات منشأ برازيلي، وهي ذات القهوة التي تباع في الأسواق العربية، لكن الاختلاف في الطعم بين الصنفين يرجع إلى طريقة الإعداد وفترة التحميص التي يستغرقها كل منهما.

وتعرف القهوة التركية برغوتها الغنية، ورائحتها الجذابة، ومذاقها "الثقيل" الذي لا يخلو من نكهة الحموضة العائد إلى تخمير حبوبها، وتمتاز عن بقية أنواع القهوة بطول فترة التحميص وعملية الطحن التي تنتج مسحوقا بنيا بالغ النعومة.

ويشير يوكاشين إلى أن القهوة في تركيا أكثر من مجرد مشروب منبه، فهي تقدم لإكرام الضيف، وتشرب في مناسبات الفرح والحزن وفي المواسم المختلفة والأعياد، والأتراك يتجنبون شربها قبل تناول وجبة الإفطار.

الباعة في محل "قهوجي محمد" متعدد الطوابق أحد أشهر المقاهي في إسطنبول (الجزيرة)

الذواقة
وبات محل "القهوجي محمد أفندي" متعدد الطوابق في إسطنبول مقصد الذواقة من عشاق القهوة المقيمين والسياح على السواء، وكأنه يقول إن الـ"تُركِش قهوسي" تحاول الحفاظ على عرشها في عقر دارها أمام غزو أنواعٍ مختلفة من القهوة الأجنبية.

وتنتشر في مختلف مناطق إسطنبول هذه الأيام مئات المحال والأكشاك الصغيرة التي تبيع أنواع القهوة الغربية الحديثة، التي تلقى إقبالا من قبل الشباب، لكنها على ما يبدو لا تهدد المقاهي القديمة التي تتسق مع هوية المدينة.

ويؤكد جان دووان -الذي يعمل في بيع القهوة التركية منذ أكثر من 18 عاما- أن زبائنه يزدادون يوما بعد يوم، وأن الإقبال على شرب القهوة التركية لم يتراجع أمام زحف المقاهي الغربية.

ويعزو دووان الأمر إلى تعدد أذوقة الزبائن من وقت لآخر، قائلاً "لا يمكن تقسيم الناس إلى شاربي قهوة تركية وآخرين يشربون القهوة الغربية، لأن ذات الشخص يمكن أن يشرب قهوته من النوعين في اليوم الواحد".

أما معظم رضوان، فيعد القهوة على الفحم قرب الجامع الأزرق الشهير بإسطنبول، ويقول إن زبائنه يفضلون تناول القهوة التركية المعدة بهذه الطريقة "لمذاقها المميز، خاصة في الأجواء الماطرة وفي أيام البرد الشديد".

ويبدو رضوان مطمئنا على مستقبل صناعته، حيث يقول "لا قلق على مستقبل القهوة التركية في عقر دارها مهما زاحمتها أنواع القهوة الأخرى، فالكثير من زوار إسطنبول يضعون شرب هذه القهوة على أجندة زياراتهم".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة