كمال رياحي: الأشكال الأدبية تكاد تتحول لمقدسات   
الأربعاء 27/7/1437 هـ - الموافق 4/5/2016 م (آخر تحديث) الساعة 14:19 (مكة المكرمة)، 11:19 (غرينتش)

المحفوظ فضيلي

في الحلقة الـ25 من سلسلة حوارات "الجزيرة نت تسائل المبدعين عن الربيع العربييقدم الكاتب والناقد التونسي كمال رياحي تشخيصا قاسيا لحالة الإبداع والمبدعين في العالم العربي وذلك على ضوء ما تشهده المنطقة من تحولات في الوعي والسياسة والثقافة والمجتمع.

ويقول رياحي (42 عاما) إن الإبداع العربي مأزوم لأنه مثقل بالأيديولوجيا وهو على غرار الأنظمة الحاكمة "شمولي وديكتاتوري ويرفض الاختلاف وساقط في التنميط منذ عقود، حتى إن الأشكال الفنية والأدبية تكاد تتحول إلى مقدسات وتلفظ كل محاولة للتجديد".

ويخلص رياحي الذي فاز بجائزة الكومار الذهبي لأفضل رواية تونسية لعام 2007 عن عمله "المشرط" إلى أن استبدادية الخطاب الفني والأدبي والنقدي والأكاديمي والثقافي لا تسمح بأن يكون لهذا الإبداع دور.

ودعا رياحي الإبداع العربي إلى أن أن يحاكم نفسه أولا ويقبل بالتعدد ليكون حاملا لرؤى تحررية وديمقراطية يساريا كان أم تقدميا أم يمينيا. وهاجم من سماهم مثقفي المهجر وقال إن الثورة تمثل لهم غنيمة بوجهين إن نجحت انتفعوا منها وإن فشلت اتخذوها حجة أخرى للتمسك بمكانتهم وتحولوا إلى منظرين لفشلها. 

هل كنتم تتوقعون اندلاع "الربيع العربي"؟

 لا أحد كان يتوقع اندلاع كل هذه الانتفاضات حتى عندما كنا ننظّر لها أو نهدد بها بصفتنا مثقفين ومبدعين. كنا نعلم أن الوضع وصل إلى حدود قصوى وأن التغيير قادم لكن لا أحد توقع حدوث ذلك بتلك السرعة. ربما تصورنا أننا برفضنا كنا نرج الأرض تحت الأنظمة لأجيال بعدنا كي تقلب الطاولة ولم ننتبه إلى أن تلك الأجيال موجودة في جحافل الشباب التي كنا يائسين منها ونتهمها بالسطحية.

إلى أي حد تعتقدون أن الإبداع العربي لعب دورا في ذلك الربيع؟

مجتمعات القراءة فيها ترف والمسرح فيه ترف والسينما فيها ترف والفنون عامة ترف والفلسفة جنون وصورة المبدع في الدراما صورة بائسة يروج لها كمثال للفشل حتى لا يكون قدوة لأحد، لا يمكن أن ندعي للإبداع دورا مهما في إثارة وعي العامة لتثور. على الرغم من أن المبدع كان حاضرا بنصه المناهض للنظام ولكن قبضة النظام بالتعتيم غيبت دور هذا المنشق في الوصول إلى العامة وقيامه بدوره التوعوي.

الإبداع العربي كان مقاتلا شرسا في الظلام لذلك خونته الجماهير عندما انتفضت من موضع المعرفة التي كان يقدمها النظام. الجماهير الشعبية لا تعرف مبدعيها الحقيقيين، إنما تعرف من سوّق لهم النظام على أنهم مبدعون فتشكلت صورة بشعة للمبدع في أذهان الجماهير وأقصته من مجالات وعيها وأحلامها وخونته بعد ذلك.

كيف تقرؤون موقف المبدعين العرب ومواكبتهم الربيع العربي؟

 المبدع العربي متعدد وليس فردا وليس متجانسا لذلك هناك من كان متورطا مع الأنظمة فلاذ بالصمت لوقت على الأقل وهناك من كان معارضا لها على الدوام. المشكلة في الثاني، المبدع المعارض الذي وجد نفسه في مأزق: ماذا سيقدم بعد أن سقط النظام؟

بعض المبدعين الذين يرفعون شعار المعارضة السياسية أكثر من المشروع الإبداعي سقطوا في المنبرية والتقريرية في البداية وقدموا أعمالا رديئة فنيا لأن كل ما فعلوه بعد الثورة أمام مأزق الحرية المطلقة أن زادوا في إعلاء أصواتهم شاتمين نظاما أبيد أو رحل أو ضعف. فتكشفت عورة هذا الأعمال التي تخففت من قيمتها الفنية لتتحول إلى خطابات سياسية فجة.

الآن بدأت نصوص وأعمال مسرحية وربما سينمائية تقارب مشهد ما بعد الانتفاضات بشكل أعمق وإن كانت المنبرية والأصوات العالية ما زالت حاضرة بشكل سيئ.

بعض المبدعين في المهجر واصلوا ثقافة الارتزاق والكيدية وقدموا أعمالا رديئة تحت الطلب لمتلق غربي بل إن بعضهم انقلب بعد أشهر على ما كتبه عن انتفاضات الأحرار ليؤكد بما وصلت إليه الانتفاضات أنه كان على حق عندما هاجر فالثورة عندهم غنيمة بوجهين إن نجحت انتفعوا منها وإن فشلت اتخذوها حجة أخرى للتمسك بمكانتهم وتحولوا إلى منظرين لفشلها ومحللين لأسبابه.

بعد نشوة الربيع العربي، هل بدت لكم في الأفق بوادر الانكسار؟ وكيف تقرؤون مآل ذلك الربيع حاليا؟

 تعودنا أن نحصي مواسم الفشل والهزيمة في السياسة العربية ونسميها تجاوزا نكسات ونكبات ولأننا لم نسمها إلى اليوم بتسميتها الحقيقة ونخرج من الشعرية والمجاز لا يمكننا أن نحقق شيئا.

الانتصار مشروط بثقافة الاعتراف؛ اعتراف بهزائم سابقة وما نراه اليوم ليس إلا انكسارات لأحلام الشعوب المنتفضة إما بالرجوع إلى سياسة استبدادية أو إلى أنظمة شمولية أو مهادنة مع القديم مع تطعيمه بالجديد المشبوه داخل منطق التوافق. كلها نتائج مخيبة للآمال.

على أي مدى -متوسط أو بعيد- ترون أن أهداف الربيع العربي (حرية وديمقراطية وعدالة اجتماعية) ستتحقق على أرض الواقع؟

بعض المبدعين الذين يرفعون شعار المعارضة السياسية أكثر من المشروع الإبداعي سقطوا في المنبرية والتقريرية في البداية وقدموا أعمالا رديئة فنيا

في إمكان الشعوب العربية أن تدرك ربيعها الحقيقي إن واجهت نفسها وتخلص الفرد العربي من أنانيته وسأل نفسه قبل الخروج للتظاهر ضد الأنظمة: هل تظاهر ضد نفسه قبل ذلك؟ هل غير من نفسه؟ ماذا قدم لنفسه حتى يبني كيانا فرديا قويا وراقيا؟

أزمة المجتمعات العربية هي أزمة جدلية أساسها الوعي الفردي ونتيجتها هذا الوضع الجماعي القطيعي. لا يمكن للثورات أن تحقق شيئا ما دامت الشعوب التي قامت بها شعوبا ترزح تحت وطأة الأمية والجهل والتطرف من الجهتين.

أن تدرك الحرية والعدالة والديمقراطية هو أن تدرك أولا العالم وأن تكون لك رؤية لهذا العالم منبثقة من رؤيتك لنفسك. الفرد العربي يعاني الاستلاب ولم يتعرف بعد على هويته ولم يحدد لنفسه مفهوما ولا هدفا. وهذا الوعي مشروط بثورة أخرى لم تحدث. ثورة فردية ثقافية.

هل راكم الإبداع العربي ما يكفي من الرؤى والتصورات لأن يؤدي دورا ما في تحقيق تلك الأهداف؟

الإبداع العربي هو أيضا مأزوم لأنه إبداع مثقل بالأيديولوجيا وهو أحادي النظرة وليس بانوراميا، الإبداع العربي مثله مثل الأنظمة شمولي ودكتاتوري ويرفض الاختلاف وساقط في التنميط منذ عقود، حتى إن الأشكال الفنية والأدبية تكاد تتحول إلى مقدسات وتلفظ كل محاولة للتجديد.

ومن ثم فإن استبدادية الخطاب الفني والأدبي والنقدي والأكاديمي والثقافي لا تسمح بأن يكون لهذا الإبداع دور. عليه أن يحاكم نفسه أولا ويقبل بالتعدد ليكون حاملا لرؤى تحررية وديمقراطية يساريا كان أم تقدميا أم يمينيا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة