امنحوا الحرب فرصة   
الثلاثاء 15/1/1424 هـ - الموافق 18/3/2003 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

اهتمت الصحف الأميركية اليوم بالحرب الأميركية المرتقبة على العراق في ضوء خطاب الرئيس الأميركي الأخير الذي أنذر فيه الرئيس العراقي ونجليه بمغادرة بلادهم خلال يومين وإلا وقعت الحرب على العراق. وحملت افتتاحيات ومقالات في هذه الصحف عناوين أبرزها: امنحوا الحرب فرصة، حرب على أنقاض الدبلوماسية.


كسب الحرب ضد العراق قد لا يكون عسيرا على الجيش الأميركي، لكن كسب السلم لن يكون سهلا

دويلي ماكمانوس/ لوس أنجلوس تايمز

الهزيمة يتيمة
في تحليله لخطاب الرئيس الأميركي جورج بوش بشأن الحرب على العراق الليلة الماضية، يعتقد الكاتب دويلي ماكمانوس من صحيفة لوس أنجلوس تايمز أن أحد أعضاء حكومة بوش من ذوي الألسنة السليطة كان يمزح في مجالسه الخاصة ويقول "امنحوا الحرب فرصة"، معارضا بذلك شعار المتظاهرين ضد الحرب "امنحوا المفتشين فرصة".

ويرى الكاتب أن كسب الحرب ضد العراق قد لا يكون عسيرا على الجيش الأميركي، لكن كسب السلم لن يكون سهلا. ويخلص إلى أن سهولة كسب الحروب إغراء خطير قد يدفع إلى استسهال خوضها، مع الغفلة عن أن كسب العقول والقلوب -وهو شرط في جني ثمرة الحرب- أمر عسير.

وينقل الكاتب عن مدرس الإستراتيجية في الكلية الحربية الوطنية تاري ديبل قوله "إن القوة العسكرية الأميركية لا يشك فيها أحد.. لكن الدبلوماسية التي رأيناها في الأمم المتحدة تكشف عن ضعف كبير".

ويرى الكاتب أن كل شيء يتوقف على نتيجة الحرب، فإن سارت الأمور كما يرجو الرئيس بوش ويخطط له من تحقيق نصر سريع بثمن رخيص، فسيغفر له الأميركيون أخطاءه السياسية والدبلوماسية. وإن سارت الرياح وجهة أخرى وظهرت مقاومة جدية من طرف الجيش العراقي، وخسائر كبيرة في صفوف الجيش الأميركي، فسيتبرأ الكل من جورج بوش وحربه لأن "للنصر آباء كثرا، أما الهزيمة فيتيمة" حسب تعبيره.

تحالف الراغبين
ويرى الكاتب رونالد براونشتاين من صحيفة لوس أنجلوس تايمز أيضا أن إصرار أميركا على غزو العراق ورفضها أي مرونة في التعاطي مع حلفائها الأوروبيين أو مع الأمم المتحدة في هذا المضمار، يعكس رغبتها في التخلص من قيود التحالفات والمؤسسات القديمة التي تحكمت في العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وهو يستشهد على ذلك بفقرة من مقابلة لنائب الرئيس الأميركي ديك تشيني قال فيها مؤخرا "إن المؤسسات والتحالفات التي بنيتْ للتعاطي مع صراعات القرن العشرين قد لا تكون أحسن وسيلة للتعامل مع التهديدات التي نواجهها اليوم".

ويميل بعض المقربين من الرئيس بوش -بحسب الكاتب- إلى أن الأمم المتحدة لم يعد يمكن التعويل عليها، وأن أحسن أنواع التحالفات هو "تحالف الراغبين" الذي دعا بوش إلى بنائه لغزو العراق. فمثل هذه التحالفات المؤقتة والعرضية تعين أميركا ولا تقيد ذراعها الطويلة.

تلميذ مبتدئ
وفي صحيفة نيويورك تايمز اليوم وتحت عنوان "حرب على أنقاض الدبلوماسية"، تقول الافتتاحية "إن الوطن يمر اليوم بمنعطف حاسم في تاريخه، ولا تنحصر أهمية هذه اللحظة في الموقف من الأزمة في العراق، بل هي تشمل دور أميركا في عالم ما بعد الحرب الباردة. وقد جهد بوش الأب لتحديد ذلك الدور ضمن التقليد الأميركي الحريص على المبادئ، والعمل الجماعي، والنزعة العالمية. أما في عهد جورج بوش الابن فإن واشنطن اتخذت مسارا آخر مغايرا تماما تم فيه الإغضاء من قيمة الحلفاء والإعلاء من قيمة القوة. وهذا هو المنطق الذي يقودنا اليوم إلى حرب لم تدفع إليها الضرورة ولا أقرتها الأمم المتحدة، ولا سار معنا إليها حلفاؤنا التقليديون".

ويضيف الكاتب معللا هذا المأزق "أن الرئيس بوش تلميذ مبتدئ في العلاقات الدولية، بخلاف والده الذي كان متمرسا بها". ثم يختتم افتتاحيته بالقول "في الوقت الذي تحتاج فيه أميركا إلى اقتناع كل العالم بما تفعله، فإنها لم تستطع إقناع أحد به".

أما صحيفة واشنطن بوست فقد جاءت افتتاحيتها هجوما لاذعا على فرنسا وألمانيا لموقفها المعترض على الخيار الأميركي في مجلس الأمن، لكن بوش نال نصيبه من الانتقاد في افتتاحية الصحيفة كذلك، فقد ورد فيها أن "إدارة بوش زادت من المخاطر بتعجلها وخطابها الحماسي وضعف حسها الدبلوماسي، فأبعدت كثيرين ممن كان اجتذابهم إلى تبني الموقف الأميركي ممكنا وضاعفت أعداد المتظاهرين في عواصم الدول الأخرى، كما أنها تسترت على الكلفة الإنسانية والمالية للحرب ودور الأمم المتحدة في عراق ما بعد الحرب".

لكن كاتب الافتتاحية يرى أن كل هذه المساوئ في أداء إدارة الرئيس بوش لم تعد ذات أهمية تذكر لأن "الأولوية الآن يجب أن تكون تحطيم نظام صدام حسين".

اختبار النظرية
وفي واشنطن بوست أيضا اعتبر أحد معلقيها أن الحرب على العراق تمثل "أول اختبار لنظرية الحرب الوقائية" التي صاغها جورج بوش، وأحلها محل نظرية الاحتواء التي سادت في الحرب الباردة.

ويعبر الكاتب ديفد برودو عن خشيته من آثار الحرب ضد العراق على مكانة أميركا وعلاقاتها العالمية، فيقول "إن ما نعرفه الآن هو أن الحرب الوقائية الوشيكة ضد العراق قد أضرت بعلاقات الولايات المتحدة مع أغلب دول العالم، فقد أثارت حساسيات مع شركائنا التجاريين الرئيسيين مثل فرنسا وألمانيا، ومع روسيا والصين، وحتى مع جيراننا الأقربين مثل كندا والمكسيك. أما تأثير الحرب على الشرق الأوسط وعلى العالم الإسلامي بشكل عام، فهو أمر لا يمكن التنبؤ به".


أبناء الطبقات الفقيرة في الولايات المتحدة وأبناء الأقليات هم الذين يتحملون العبء ويدفعون الثمن في أي حرب تخوضها أميركا. أما أبناء الطبقة الغنية فلا يهتمون بالخدمة في الجيش إلا قليلا بل يعتبرونها مهنة غير مناسبة ينبغي أن تتولاها الطبقات الكادحة

كريستيان ساينس مونيتور

حرب نفسية
وعلقت صحيفة كر يستيان ساينس مونيتور على خطاب جورج بوش وخصوصا الفقرة الطويلة الموجهة إلى العراقيين والتي كانت "مفاجأة الخطاب" بحسب الصحيفة.

واعتبرت الصحيفة أن تلك الفقرة ذات هدف مزدوج: فهي من جهة حرب نفسية على الجيش العراقي لجذبه إلى الاستسلام دون قتال، وهي أيضا دعاية موجهة إلى الشعوب الأخرى "تضفي على الغزو الأميركي للعراق مسحة إنسانية، من خلال إظهار أن أميركا تستهدف القيادة العراقية العليا ولا تستهدف عامة الشعب".

وفي مقال طريف عن التركيبة العرقية والدينية للجيش الأميركي يبين الكاتب في الصحيفة نفسها أن عدد السود في الجيش الأميركي يبلغ 29% وعدد المسلمين 1% وعدد الجنود من أصل أميركي لاتيني تضاعف في العقد الأخير رغم التخفيض الكبير في حجم الجيش بشكل عام.

ويخلص صاحب المقال إلى أن أبناء الطبقات الفقيرة في الولايات المتحدة وأبناء الأقليات هم الذين يتحملون العبء ويدفعون الثمن في أي حرب تخوضها أميركا. أما أبناء الطبقة الغنية فلا يهتمون بالخدمة في الجيش إلا قليلا، بل يعتبرونها مهنة غير مناسبة ينبغي أن تتولاها الطبقات الكادحة. لكن هذه الطبقات رغم إقبالها على الخدمة العسكرية، فهي ضعيفة التمثيل في سلك الضباط. ومن أمثلة ذلك أن السود الأميركيين يمثلون نسبة 8% فقط من الضباط، في حين يمثلون قرابة ثلث الجيش الأميركي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة