"الحكيم".. نحو طب أعمق تفهما لثقافة المجتمع   
الاثنين 1435/3/20 هـ - الموافق 20/1/2014 م (آخر تحديث) الساعة 10:38 (مكة المكرمة)، 7:38 (غرينتش)
"الحكيم" دشن يوم السبت بدار اتحاد الكتاب السودانيين وسط حضور نوعي من العلماء والمهتمين (الجزيرة)
عثمان شنقر-الخرطوم
 
يبدو أن المقولة الاستعمارية المفرطة الثقة "ينبغي -لأسبابٍ إنسانية- فرض الطب الغربي على المجتمعات الأخرى" كانت حافزا مبكرا للبروفيسور السوداني أحمد الصافي، ليعكف على تأليف كتابه الموسوم بـ"الحكيم" طوال مدة أربعين عاما، عاصرا فيه خلاصة تجربته في البحث والتقصي للخروج بملامح طب سوداني محلي، طامحا لتأسيس كتابة عن طب أعمق تفهما لثقافة المجتمع.

و"الحكيم" هو كتاب تأصيلي للتراث الطبي في السودان، وقد دشنه مؤلفه يوم السبت الماضي بدار اتحاد الكتاب السودانيين وسط حضور نوعي من العلماء والمهتمين. وتربو عدد صفحاته على الخمسمائة صفحة من القطع الكبير، ويحتوى على تسعة فصول ومقدمة وملاحق وصور تراثية متنوعة تمثل أبرز ملامح الطب السوداني في الزمان القديم.

وأوضح البروفيسور أحمد الصافي أن تأليفه لهذا الكتاب محاولة لخلق طب سوداني من واقع وبيئة المجتمع السوداني بحسب الخبرات المحلية القديمة في العلاج قبل أن ظهور الطب الغربي في المجتمع.

وأشار الصافي في حديث للجزيرة نت إلى أن أهم ما فعله في كتابه هو كتابته باللغة العربية خصوصا وأن أغلب إصداراته السابقة كتبها باللغة الإنجليزية.

البروفيسور الصافي: الكتاب محاولة لخلق طب سوداني من واقع وبيئة المجتمع السوداني (الجزيرة)

خلفية ثقافية واسعة
وقد حاول المؤلف -بحسب المتحدثين في ندوة تدشين الكتاب- أن يدرس أساليب الطب الشعبي القديمة التي خبرها إنسان المنطقة قبل دخول المستعمر.

ويرى البروفيسور عبد الرحيم الخبير أن الخلفية الثقافية الواسعة للبروفيسور الصافي هي التي حدت به لإنجاز سِفره، مبرزا فيه اهتمامه الجاد بدراسة التاريخ والاجتماع والبيئة كما تومئ إلى ذلك أبحاثه العديدة التي حفل بها الكتاب.

وأجمل الخبير أهمية الكتاب في مسألة نقل الطبيب من الحرفية الضيِّقة إلى رحاب المعرفة، بجانب أسلوب تداخل المناهج الذي اتّبعه مؤلف الكتاب في وضع أفكاره وصياغتها بأسلوب سلس، مشيرا إلى أن استخدام مفردة "الحكيم" في السودان يشير إلى الطبيب، وما زال استخدام المفردة ساريا إلى وقتٍ قريب.

وأوضح الخبير أن المؤلف اختطَّ منهجا فيه جهد واضح، وهو المنهج التكاملي، أو ما يسميه الباحثون بـ" تداخل المساقات"، وهو منهج يتواءم مع روح العصر الراهن، معتبرا الكتاب إضافة نوعية جديدة للمكتبة الطبية والدراسات الإنسانية خاصةً أنه "أمدنا بمنهجٍ غير مسبوق مما يعطي دفعة جديدة للبحث العلمي"، مضيفا أن الكتاب سيكون للمشتغلين بالبحث العلمي مصدرا للمعلومات لسنواتٍ عديدة آتية.

في حين يرى الأنثربولوجي عبد الغفار محمد أحمد أن الكتاب سرد تطور مفهوم صحة الفرد والمجتمع من أزمان قديمة، مستعينا بكتابات قديمة في التراث السوداني مثل كتاب الطبقات لود ضيف الله، بجانب مساهمات فكرية حديثة في الطب.

الدكتور عمرو عباس:
خلال العشر سنوات الماضية ظهر مفهوم المحددات الاجتماعية للصحة، التي تشمل ما هو سياسي واجتماعي واقتصادي وبيئي تشكل كلها مجتمعة محددات عامة لصحة الإنسان

الخبرة المتراكمة
وأضاف الأنثربولوجي أن المؤلف وصف الخبرة المتراكمة لدى إنسان السودان عبر القرون بصورة سلسة وجذابة، وحدد أهمية الإلمام بالخبرة الشعبية. كما نبه الكتاب لأهمية الإطار الثقافي والاجتماعي للمريض حتى تسهل معالجته.

وفي تأكيد صارم، قال محمد أحمد إن الطبيب الحديث لا غنى له عن الإلمام بالطب الشعبي، مشيرا إلى أن كتاب "الحكيم" يبذل جهدا مقدرا لفهم مجتمعه وربط علوم الطب ببعضها بعضا قديما وحديثاً.

من جهته حاول الدكتور عمرو عباس، الطبيب بهيئة الصحة العالمية، في مداخلته وضع مساهمة كتاب الحكيم في السياق العالمي، مشيرا إلى أنه في العشر سنوات الماضية ظهر مفهوم المحددات الاجتماعية للصحة، التي تشمل ما هو سياسي واجتماعي واقتصادي وبيئي تشكل كلها مجتمعة محددات عامة لصحة الإنسان.

ويرى عباس أنه من خلال هذه المحددات الحديثة لمفهوم الصحة، فإن كتاب "الحكيم" يعد واحدا من المساهمات المهمة في الحقل الطبي. كما لفت عباس إلى فقر المكتبة الطبية من مثل هذا الكتاب، مشيرا إلى صدور كتاب شبيه قبل 40 عاما للدكتور فهمي عباس، قائلا "إن قدرنا أن نصبر 40 سنة أخرى حتى يصدر مثل هذا الكتاب".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة