في اليونان رصاصة "طائشة" فجرت الاحتقان   
الخميس 1429/12/14 هـ - الموافق 11/12/2008 م (آخر تحديث) الساعة 0:43 (مكة المكرمة)، 21:43 (غرينتش)
جنازة الصبي أثارت احتقانا سياسيا واقتصاديا يعود إلى سنوات طويلة (رويترز)

حسين جلعاد-الجزيرة نت
 
تسبب مقتل صبي يوناني على أيدي رجال الشرطة بوقوف اليونان على قدم واحدة واشتعال الشوارع بالمظاهرات والاحتجاجات، فما بدا احتجاجا على تغول الأجهزة الأمنية اتسع ليكون دفاعا عن الحريات المدنية.
 
ثم ما لبث الغضب أن تطور إلى احتجاجات عمت البلاد برمتها فقادت الأحزاب والنقابات وجميع هياكل المجتمع المدني إلى مواجهة ساخنة مع الحكومة ليتحول الغضب على الدم المراق إلى ثأر لكرامة الشعب اليوناني.

ويجمع سياسيون ومحللون على أن الاحتقان العام هو العنوان العريض لما يجري في بلاد الأكروبوليس، وفيما يرى البعض أن الأزمة المالية العالمية أخذت بتلابيب المجتمع اليوناني مبكرا، فإن آخرين يرون أن الأزمة بعيدة عن ذلك لكنها أشد عمقا في إفقار اليونانيين وتحويل اقتصادهم من إلفة التعاون العائلي إلى الصيغة الرأسمالية الأكثر توحشا.

ويرى مدير مكتب جريدة الأهرام المصرية في أثينا عبد الستار بركات أن ملفات الفساد أوجدت حالة من الاحتقان لدى المواطن اليوناني دفعته إلى التنفيس، لكنه يعزو تواصل الاحتجاجات وتعاظم تأثيرها يوما إثر يوم إلى الحزب الاشتراكي المعارض الذي شجع أعمال التمرد نظرا إلى وجود حالة ثأر مع خصمه حزب الديمقراطية الجديدة اليميني الحاكم الذي أقصاه عن الحكم لدورتين متتاليتين.
 
الأزمة والإصلاحات
المظاهرات تطورت إلى مطالبة
باستقالة الحكومة (الفرنسية)
ويضيف أن الأزمة المالية العالمية تقف وراء التعديلات والإصلاحات الاقتصادية التي أفقدت الحكومة ثقة الناس وساهمت بخلق حالة عامة من الاحتقان تضاعفت بسبب الضرائب وتقليص دور القطاع العام في الاقتصاد اليوناني.

أما عضو حزب الائتلاف اليساري التقدمي الجديد نورما رشماوي فتستبعد تأثير الأزمة المالية وترى أن الاحتقان في البلاد متعدد الأوجه سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وابتدأ منذ ثمانينيات القرن الماضي حين بدأ الحزب الاشتراكي سياسة الخصخصة الاقتصادية وسحب الدعم تدريجيا من القطاع العام.

وتقول السياسية اليونانية ذات الأصل الفلسطيني إن الأزمة وصلت قمتها بعد اعتماد الحكومة اليمينية الحالية تعديلات وسياسات دعمت رؤوس الأموال والبنوك وليس القوة الشرائية للمواطن الفقير.

وتوضح أن السياسات الجديدة "زادت الأغنياء غنى والفقراء فقرا" الأمر الذي يتضح في النظام الضريبي حيث أصبح ذوو الدخل المحدود هم دافعوا الضرائب الفعليون وليسوا الأغنياء "الذين يتحكمون باقتصاد البلاد". وقالت إن الأزمة المالية العالمية لم تصل اليونان بعد "لأن الاقتصاد اليوناني عائلي يعتمد على دعم العائلة وهو شرق أوسطي وليس أوروبيا رأسماليا".

وتؤكد رشماوي أن أزمة الحكومة لا تقتصر على ما يجري الآن فحسب، بل هناك تراكمات ناتجة عن "فشلها وفسادها" إلى جانب الفضائح التي طالت وزراء اضطرت الحكومة إلى إخراجهم من صفوفها بعد ثبات فسادهم وقالت "الفساد واضح أمام أعين الناس". واستشهدت بما جرى مؤخرا من قيام الحكومة ببيع ممتلكات حكومية إلى أحد الأديرة.
 
التغيير قادم
لكن النيران التي اشتعلت في شوارع اليونان لن تنطفئ بمجرد صدور بيانات تدعو إلى التهدئة والعودة إلى البيوت ذلك أن الاستحقاقات السياسية مرشحة إلى التفاقم.
 
الاحتقان العام تحول إلى عنف مباشر بسبب شعور الناس بالتهديد الاقتصادي (الفرنسية)
وترى الناشطة السياسية رشماوي أن هناك تغييرا قادما ولكن لا يعرف شكله بعد، حيث تتشكل التركيبة السياسية تاريخيا من هيمنة حزبين كبيرين يتناوبان الحكم هما الحزب الاشتراكي وحزب الديمقراطية الجديدة اليميني. وتنفي أن يكون الصراع الدائر هو بين الحزبين الكبيرين بل بين الشعب اليوناني من جهة والحزبين الكبيرين من جهة أخرى.

أما الصحفي بركات فاستبعد أن تخضع الحكومة أمام الضغوط الجارية لأن رئيس الوزراء اليوناني كوستاس كرامليس "سياسي محنك" الأمر الذي تبدى في سرعة استجابته للأحداث بإعلانه عن تعويضات كبيرة لمن تضرروا خلال موجة الاضطرابات وهو ما سيساهم في امتصاص النقمة ضد الحكومة حسب قوله.

ويستدرك بركات أن الحكومة قوية و"يمكن أن تتخطى الأزمة بسلام" مشيرا في الوقت ذاته إلى أنها واهنة برلمانيا لامتلاكها أغلبية ضعيفة "الأمر الذي سيضعها على حافة الهاوية" إذا نجحت المعارضة في طرح الاستفتاء في البرلمان.

وبخصوص التطورات المستقبلية ترى رشماوي أن ما يجري خطوة باتجاه تعبئة الناس لإسقاط الحكومة. وقالت إن الحل لا يكمن بذهاب الحزب الحاكم وتولي حزب المعارضة للحكم، بل يبدأ بنقاش عام يفضي إلى حكومة شعبية ائتلافية. وأضافت "انتهى زمن حكم الحزب الواحد، لا حل بدون حكومة ائتلافية".

ومن جهته قال بركات إن المعارضة تسعى إلى إسقاط الحكومة أو محاولة الضغط للإعلان عن انتخابات مبكرة. وأوضح أن رئيس الوزراء قد يعمد إلى إعلان حالة الطوارئ في البلاد إذا رأى أن الأحداث ستتواصل وهو أمر سيقود إلى رفع الحصانة عن الحرم الجامعي الذي يلجأ إليه مناوئوه لأن هري الشرطة لا تطال الحرم ويمنع دخولها.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة