مدينة فاس.. متحف عمراني حي   
الاثنين 29/4/1434 هـ - الموافق 11/3/2013 م (آخر تحديث) الساعة 13:19 (مكة المكرمة)، 10:19 (غرينتش)
لقطة عامة لمدينة فاس ويظهر جامع القرويين كأحد أبرز معالمها التراثية والحضارية (الجزيرة)
نزار الفراوي-فاس
 
تحتل مدينة فاس مكانة خاصة في الرصيد التاريخي والتراثي والثقافي للمغرب بوصفها شاهدا عمرانيا حيا على ذاكرة حافلة تؤرخ للتطور السياسي والثقافي للدولة والمجتمع في المغرب الأقصى.
 
وعلى خلاف جل الفضاءات التاريخية المشابهة التي تحولت إلى شواهد معزولة عن الحركة السكانية في مختلف أنحاء العالم، تكاد تنفرد فاس بصفتها المدينة العتيقة التي ما زالت تنبض بالحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في أحياء وبيوت ومعامل تقليدية صمدت في وجه مختلف عوارض الزمن الطبيعية والعمرانية والتحولات الكاسحة.
 
في منعرجات الأزقة الضيقة، وفي محلات الحرفيين البسطاء وأمام الأبواب التاريخية والأسوار الحصينة وفي حضن مدارسها القرآنية القديمة وباحة جامعة القرويين -أقدم جامعات العالم- تتحقق استمرارية مسلسل تاريخي ضارب في القدم، وإن اصطدمت اليوم بتحديات جمة تطرح أكثر من علامة استفهام وقلق بشأن مستقبل هذا المتحف العمراني الحي.
 
جانب من فعاليات مهرجان الموسيقى العريقة الذي ينظم سنويا بمدينة بفاس (الجزيرة)
عاصمة روحية وعلمية
والواقع أن العاصمة الروحية للمغرب التي احتفلت قبل سنوات بقصة حضارية عمرها 12 قرنا من خلال احتفالات مكثفة كونها تؤرخ لتأسيس الدولة الإدريسية في القرن الثاني الهجري، ظلت محتفظة بموقع القلب النابض للحياة السياسية والثقافية للمغرب.

وتكشف التفاعلات السكانية والحضارية التي صاحبت بناءها عام 789 م سر هذا العمق الحضاري المتواصل، فقد استقبلت المدينة في بدايتها هجرتين من نوع خاص: هجرة العائلات الأندلسية الفارة من حملات التفتيش والقمع الإيبيري، ثم العائلات العربية الوافدة من القيروان، إضافة إلى تجمع يهودي هام. هذا التفاعل السكاني كان مبعث روافد حضارية وثقافية طبعت خصوصيتها التاريخية وأغنت رصيدها التراثي.

لم يتفق المغاربة على وسم المدينة بعاصمتهم الروحية والعلمية عبثا، ففاس العتيقة تزخر بعشرات المساجد والمدارس العتيقة التي جعلتها مركزا علميا مزدهرا تطورت في حضنه مختلف العلوم الفقهية والفكرية والطبيعية وغيرها.

وفي مقدمة هذه المعالم جامعة القرويين التي شيدتها عام 859 م السيدة فاطمة بنت محمد الفهري القيرواني، وتواصل إشعاعها الى منتصف القرن العشرين، قبل أن ينحسر الاهتمام بنظام التعليم العتيق بتشييد المؤسسات التعليمية الحديثة منذ دخول الاستعمار الفرنسي.

وقد ضمت قائمة الأسماء التي عبرت ذاكرة هذه المؤسسة الدينية والتعليمية التي تعتبر أقدم جامعة في العالم، فلاسفة وعلماء كبارا من حجم ابن زهر وابن البناء وابن ميمون وابن باجة وابن خلدون وابن عربي ولسان الدين ابن الخطيب الذي ما زال البيت الذي أقام فيه شاهدا على العصر الذهبي للحاضرة.

وفضلا عن العرب والمسلمين، تخرج من جامعة القرويين البابا سيلفستر الثاني (غربيرت دورياك الذي شغل منصب البابا من عام 999 إلى 1003م وينسب إليه فضل إدخال الأرقام العربية إلى أوروبا).

لطالما افتخر المغاربة بالخصوصية الفريدة لفاس المتمثلة في كونها متحفا نابضا بحياة مستمرة عبر القرون، غير أن التحديات الديمغرافية والتهديدات المناخية والتحولات الاقتصادية تفرض على المعنيين صيانة هذا الإرث الثقافي

تحديات الصمود
وحول القرويين، زخرت المدينة العتيقة، خصوصا في عهد المرينيين (القرن الرابع عشر)، بعدد من المدارس التقليدية التي تعكس اليوم العبقرية العمرانية لحرفيي المدينة. ومن أهمها المدرسة المصباحية (أبو الحسن المريني) والمدرسة البوعنانية (أبو عنان) وقبلهما مدرسة الصفارين التي يعود تأسيسها إلى عهد أبو يوسف المريني عام 1280 م. وكانت هذه المدارس بمثابة مؤسسات تأهيلية تسمح للطالب بالانتقال إلى دراسات عليا بجامعة القرويين.

وإن كان تصنيف المدينة من طرف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونيسكو) عام 1981 تراثا مشتركا للإنسانية قد فجر آمالا عريضة بإنقاذ هذه المعلمة التاريخية، إلا أن المكاسب التي تحققت في هذا الإطار ظلت محدودة.

فالنزيف السكاني والعمراني تواصل بانحسار الحركة الاقتصادية داخل المدينة العتيقة بفعل تراجع القدرة التنافسية للحرف التقليدية التي صنعت مجد المدينة وفخر سكانها وانتقال مراكز الانتعاش الاقتصادي والخدمات إلى المناطق العصرية بالمدينة وتواصل مآسي انهيار البيوت القديمة على رؤوس ساكنيها في مواسم المطر.

ويعترف المسؤولون والشركاء في مشاريع إنقاذ المدينة العتيقة بصعوبة عمليات الترميم وتثمين التراث الضخم بالنظر إلى تقاطع مشاكل فنية واجتماعية واقتصادية، تكمن أساسا في كون النسيج العتيق ليس مجموعة مواقع أثرية معزولة بل فضاء حضريا حيا بساكنته وحركته الاقتصادية ومسالكه الحيوية، مما يجعل التدخلات الفنية عملية بالغة الصعوبة.

لطالما افتخر المغاربة بالخصوصية الفريدة لفاس، المتمثلة في كونها متحفا نابضا بحياة مستمرة عبر القرون لا مجرد مواقع باردة مهجورة، غير أن التحديات الديمغرافية والتهديدات المناخية والتحولات الاقتصادية تفرض على المعنيين بصيانة هذا الإرث الثقافي إعادة تمحيص هذه المقاربة، في اتجاه حماية تراث عمراني كوني، وفي نفس الوقت وقف نزيف الانهيارات التي تجعل ساكنة الحاضرة العتيقة تعيش أيام رعب مزمن.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة