الاختيار   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 23:22 (مكة المكرمة)، 20:22 (غرينتش)

الاختيار
السيطرة على العالم أم قيادة العالم
إبراهيم غرايبة
تأليف: زبيغنيو بريجنسكي
ترجمة: عمر الأيوبي
بيروت: دار الكتاب العربي، 2004
256 صفحة 
يذكر بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأسبق في الولايات المتحدة الأمريكية في كتاب الاختيار الأمريكيين بوجوب عدم الخلط بين قوتهم والقوة غير المحدودة، فرفاهية الولايات المتحدة الأمريكية متشابكة مع رفاهية العالم، والانشغال الناجم عن الخوف بالأمن الأمريكي المنعزل، والتركيز الضيق على الإرهاب، وعدم المبالاة بشواغل الإنسانية القلقة سياسيا لا يعزز الأمن الأمريكي، ولا يتوافق مع حاجة العالم الحقيقية للقيادة الأمريكية، وما لم توفق الولايات المتحدة الأمريكية بين قوتها الطاغية وجاذبيتها الاجتماعية، المغوية والمضطربة في آن معا، فقد تجد نفسها وحيدة وعرضة للهجوم فيما تشتد الفوضى العالمية.

الخرطية الاستراتيجية الجديدة
يعتقد بريجنسكي أن القوة الأمريكية أصبحت الضامن الأساسي للاستقرار العالمي، لكن المجتمع الأمريكي يحفز الميول الاجتماعية العالمية التي تضعف السيادة الوطنية التقليدية، وتستطيع القوة الأمريكية والقوى المحركة الاجتماعية الأمريكية معا الحض على الظهور التدريجي لمجتمع عالمي ذي مصلحة مشتركة، وإذا ما اصطدمتا أو أسيء استخدامهما  فقد يجران العالم نحو الفوضى، وإلى حصار الولايات المتحدة الأمريكية.
لقد تفردت الولايات المتحدة بقوة عسكرية واقتصادية وتقنية وجاذبية عالمية ثقافية، ووفرت هذه العناصر لها أهمية سياسية عالمية لا نظير لها، وأصبحت في كافة الأحوال ضابط الإيقاع العالمي، وما من منافس لها على المدى المنظور.
ربما تكون أوروبا منافسا اقتصاديا، ولكن سيمر وقت قبل أن تحقق أوروبا قدرا من الوحدة التي تمكنها من المنافسة السياسية، وخرجت كل من الصين وروسيا من المنافسة، ولا يتوقع أن القوة الاقتصادية المتنامية للصين سوف تمكنها من المنافسة قبل انقضاء جيلين على الأقل.
وهكذا لا يوجد بديل واقعي للهيمنة الأمريكية السائدة ودورها باعتبارها العنصر الذي لا غنى عنه للأمن العالمي، وفي الوقت نفسه تمهد الديمقراطية الأمريكية الطريق لتغيرات اقتصادية وثقافية وتكنولوجية تعزز الاتصالات البينية داخل الحدود القومية وخارجها، وهذه التغييرات يمكن أن تزعزع الاستقرار الذي تسعى القوة الأمريكية إلى ضمانه، بل أن تولد العداء لكل ما هو أمريكي.
ومن المفارقات المهمة في دراسة القوة الأمريكية أنها تواجه تهديدات من قوى أضعف منها بكثير، كما أن حالة العداء الشديد المحيطة بالولايات المتحدة الأمريكية يمكن أن تشجع المنافسين التقليديين على التحريض على ضربها، وإن كانوا هم (المنافسون التقليديون) شديدي الحذر في المجازفة بالتصادم المباشر مع أمريكا.
تحتاج الولايات المتحدة الأمريكية لتحقيق توازن دقيق بين التعاون العالمي المتعدد الأطراف وممارسة السلطة العليا التي تبعدها عن الخمول الاستراتيجي والعزلة الذاتية ورهاب الارتياب القومي والكراهية العالمية.
إن الولايات المتحدة الأمريكية القلقة المهووسة بأمنها الخاص يمكن أن تجد نفسها منعزلة في عالم عدائي، وإذا ما أفلت سعيها وراء الأمن الأحادي من عقاله، فقد يحولها إلى حصن عسكري متشرب لذهنية الحصار.
وقد تزامنت نهاية الحرب الباردة مع انتشار واسع للمعرفة التقنية والقدرة اللازمة لصنع أسلحة الدمار الشامل بين البلدان وربما مجموعات سياسية ذات دوافع إرهابية.
يشعر الجمهور الأمريكي بقلق يفوق حالة الرعب من المواجهة المدمرة مع الاتحاد السوفياتي والتي كانت تشبه حالة العقربين في الزجاجة بسبب العنف المتسرب والعمليات الإرهابية وانتشار أسلحة الدمار الشامل، وفي هذا الجو من عدم الوضوح السياسي والملتبس من الناحية الأخلاقية أحيانا، والمربك لجهة عدم إمكانية التكهن السياسي غالبا.
وخلافا للقوة المسيطرة السابقة تعمل الولايات المتحدة الأمريكية في عالم يشتد فيه الجوار، وتقوى أواصر الألفة، فالقوى الامبراطورية السابقة، مثل بريطانيا العظمى في القرن التاسع عشر، أو الصين في مراحل مختلفة من تاريخها الممتد آلافا من السنين، أو روما خلال خمسمائة عام لم تكن تتأثر نسبيا بالتهديدات الخارجية، فقد كان العالم الذي تسيطر عليه مقسما إلى أجزاء منفصلة لا يتفاعل بعضها مع بعض، وكانت المسافة والزمن يوفران متنفسا ويعززان أمن الوطن، وبالمقابل ربما تكون الولايات المتحدة الأمريكية فريدة في قوتها في المنظور العالمي، ولكن أمنها الداخلي مهدد على نحو فريد أيضا، وقد يكون اضطرارها إلى العيش في مثل هذا الجو من انعدام الأمن حالة مزمنة على الأرجح.
وهكذا نجد أن السؤال الأساسي يدور حول ما إذا كان في وسع الولايات المتحدة الأمريكية أن تتبع سياسة خارجية حكيمة ومسؤولة وفعالة، وتتجنب مخاطر ذهنية الحصار، وتتماشى في الوقت نفسه مع المكانة التاريخية الفريدة لها بوصفها القوة الأعظم في العالم.

البيئة المحيطة بالاستراتيجية القادمة
يجب أن يبدأ السعي وراء سياسة خارجية حكيمة تدرك أن "العولمة" تعنى في جوهرها التكافل العالمي، ومثل هذا التكافل لا يضمن المساواة ي المكانة ولا حتى المساواة في الأمن بين جميع الدول، لكنه يعني أنه ما من دولة تتمتع بالمناعة الكاملة من عواقب الثورة التكنولوجية التي زادت بدرجة كبيرة من قدرة الإنسان على ارتكاب أعمال العنف، ومع ذلك عززت أواصر الصلة التي تجمع على نحو متزايد بين البشر.
إن مسألة السياسة المركزية التي تواجه الولايات المتحدة الأمريكية هي: "ما هو غرض الهيمنة؟" يكمن الرهان على ما إذا كانت الأمة ستسعى لصياغة نظام عالم جديد يقوم على مصالح مشتركة، أم ستستخدم قوتها المطلقة في الدرجة الأولى لتحصين أمنها الخاص في الدرجة الأولى.
وهنا يمكن تقديم مجموعة من الأسئلة التي تبحث عن إجابة، مثل:
ما هي التهديدات الرئيسة التي تواجه الولايات المتحدة الأمريكية؟
هل يحق للولايات المتحدة الأمريكية الحصول على أمن أكثر من الأمم الأخرى بالنظر إلى مكانتها المهيمنة؟
كيف ينبغي أن تواجه الولايات المتحدة التهديدات المهلكة المحتملة التي تصدر على نحو متزايد عن أعداء ضعفاء لا منافسين أقوياء؟
هل تستطيع الولايات المتحدة أن تدير إدارة بناءة علاقاتها على المدى البعيد بالعالم الإسلامي الذي ينظر العديد من أبنائه والبالغ عددهم 1.2 مليار نسمة إلى الولايات المتحدة الأمريكية على أنها العدو اللدود؟
هل تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية العمل بحسم على حل الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، بالنظر إلى مطالب الطرفين المتداخلة في أن معا بالأرض ذاتها؟
ماذا يلزم لإيجاد الاستقرار السياسي في "بلاد البلقان العالمية" الجديدة المتقلبة والواقعة في الحافة الجنوبية لأوراسيا الوسطى؟
هل تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية تأسيس شراكة حقيقية مع أوروبا، بالنظر إلى تقدم أوروبا البطيء نحو الوحدة السياسية وتزايد قوتها الاقتصادية؟
هل يمكن ضم روسيا، التي لم تعد منافسة للولايات المتحدة الأمريكية إلى إطار أطلسي بقيادتها؟
ما الدور الذي يمكن أن تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرق الأقصى، بالنظر إلى استمرار اعتماد اليابان وإن بتردد على الولايات المتحدة فضلا عن تنامي قوتها العسكرية بهدوء، وبالنظر أيضا إلى تنامي القوة الصينية؟
ما مدى احتمال أن تؤدي العولمة إلى ولادة مذهب معاكس أو تحالف معارض متماسك يواجه الولايات المتحدة الأمريكية؟
هل ستكون الديموغرافيا والهجرة تهديدين جديدين للاستقرار العالمي؟
هل تتوافق الثقافة الأمريكية مع المسؤولية الامبريالية بالضرورة؟
كيف ينبغي أن تستجيب الولايات المتحدة الأمريكية لبروز عدم المساواة في القضايا الإنسانية، وهي مسألة تعجل الثورة العلمية الحالية في ظهورها وتزيد العولمة من حدتها؟
هل تتوافق الديمقراطية الأمريكية مع دور الهيمنة السياسية مهما كان الحرص على تمويه تلك الهيمنة؟ وكيف ستؤثر الضرورات الأمنية لذلك الدور الخاص على الحقوق المدنية التقليدية؟

السيطرة أم القيادة؟
سيؤول كل شيء إلى الزوال، والهيمنة ما هي إلا مرحلة تاريخي عابرة، ولاحقا، إن لم يكن قريبا جدا سوف تتلاشىالسيطرة العالمية للولايات المتحدة الأمريكية، ولذلك فليس مبكرا على الأمريكيين السعي إلى تحديد شكل الميراث النهائي لهيمنتهم.
تتعلق الخيارات الحقيقية بالكيفية التي يجب على الولايات المتحدة الأمريكية أن تمارس هيمنتها وفقها، وكيف يمكن تقاسم هذه الهيمنة ومع من؟ وإلى أي أهداف نهائية ينبغي تكريسها؟ ما هو الغرض المحوري للقيادة العالمية غير المسبوقة للولايات المتحدة الأمريكية؟
يتعين أن يكون أمن الشعب الأمريكي الهدف الأول للسياسة الأمريكية العالمية، لكن الأمن القومي المنفرد وهم خرافي، فيتعين أن يتضمن السعي وراء الأمن جهودا تبذل من أجل جمع دعم عالمي واسع، وبخلاف ذلك يمكن أن يتحول الاستياء إلى تهديد متعاظم لأمن الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي غضون السنتين اللتين تلتا أحداث 11 أيلول/ سبتمبر بدأ التضامن العالمي الابتدائي مع الولايات المتحدة الأمريكية بالتحول على نحو متزايد إلى عزلة أمريكية، في حين تراجع التعاطف العالمي أمام الشكوك الواسعة الانتشار بالدوافع الحقيقية لاستخدام القوة الأمريكية.
لقد أوجد احتلال العراق تناقضا مربكا: فلم يسبق أن كانت القدرات العسكرية الأمريكية العالمية بهذا القدر من المصداقية، لكن المصداقية السياسية العالمية لم تكن بهذا القدر من التدني، واتضح أن تبرير شن الحرب على العراق لم يكن صحيحا، وهذا ما ألحق الضرر بالموقف الأمريكي العالمي، لا أمام اليسار الأمريكي المعادي للولايات المتحدة باستمرار، بل أمام اليمين أيضا، وبما أن الشرعية الدولية تنبع بدرجة كبيرة من الثقة، فلا ينبغي أن ينظر إلى الأضرار اليت لحقت بالموقف العالمي للولايات المتحدة الأمريكية علىأنها تافهة.
إن التركيز الأساسي على الإرهاب جذاب سياسيا على المدى القصير، فهو يتميز بالبساطة، وبتضخيم عدو مجهول، واستغلال المخاوف الغامضة يمكن من حشد الدعم الشعبي، لكن الاعتماد على ذلك كاستراتيجية بعيدة المدى يفتقر إلى القوة المستمرة، ويمكن أن يكون باعثا على التقسيم على الصعيد الدولي، ويمكنه أن يولد جوا من عدم التسامح مع الآخرين، ويطلق العنان للعواطف العصبية، ويمكنه أن يخدم كنقطة لوصف الولايات المتحدة الأمريكي الاعتباطي للدول الأخرى بالخارجة على القانون، ونتيجة لذلك فإنه يشكل خطرا من أن تصبح صورة الولايات المتحدة الأمريكية في الخارج منهمكة في شؤونها الخاصة، وتكسب الأيدولوجيات المعادية للولايات المتحدة الأمريكية مصداقية دولية بتسمية أمريكا بأنها شرطي بلدي عين نفسه بنفسه.
أدى الجمع بين الاستنتاجات الاستراتيجية الثلاثة المستخلصة من تعريف الإرهاب بأنه التهديد المركزي للأمن الأمريكي، أي كل من ليس معنا فهو ضدنا، وأن الاستباق والتدخل العسكري مبرران، وأنه يمكن أن تحل مكان التحالفات الدائمة تحالفات خاصة إلى إثارة قلق واسع في الخارج، فالأول ينظر إليه على أنه استقطاب خطر، والثاني ينظر إليه على أنه لا يمكن التنبؤ به من الناحية الاستراتيجية، والثالث مثير للاضطرابات من الناحية السياسية، وباجتماعها معا تسهم في تقديم صورة عن الولايات المتحدة الأمريكية بأنها قوة عظمى تتزايد اعتباطية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة