حلب تختبر قدرة روسيا على فرض حلها للأزمة   
الثلاثاء 1437/7/27 هـ - الموافق 3/5/2016 م (آخر تحديث) الساعة 16:12 (مكة المكرمة)، 13:12 (غرينتش)

يبدو القصف الذي يتعرض له الجزء الذي تسيطر عليه المعارضة من حلب تتمّة لخطة استكمال حصارها، والتي توقف العمل عليها في فبراير/شباط الماضي، بسبب اتفاق الهدنة الذي مهّد السبيل لإطلاق الجولة الثانية من مفاوضات "جنيف-3". كما يمثّل محاولة لتهجير ما تبقى من السكان، والضغط على المعارضة المسلحة السورية في حلب لكي تفكك تحالف جيش الفتح وترضخ لشروط التفاوض الروسية.

وخلص تقدير موقف صادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة إلى أن القصف الوحشي الذي تتعرض له حلب ما هو إلا محاولة روسية جديدة لفرض الحل السياسي الذي تفضله، مستفيدة من عدم ممانعة أميركية في ممارسة ضغوط على المعارضة لقبول أي حل يسمح بتركيز الجهد على مواجهة تنظيم الدولة، ويدفع روسيا إلى التعاون وتحمل عبء أكبر في هذا الشأن.

ووفق تقدير المركز العربي فإن الاحتمال قائم في أن تنجح روسيا في التعاون مع المليشيات الكردية وقوات من النظام والمليشيات المتحالفة معه في قطع طريق الكاستيلو (وهو طريق الإمداد الوحيد الذي يصل مناطق المعارضة بمعبر باب الهوى على الحدود مع تركيا) وفرض حصار كامل على مناطق حلب التي تسيطر عليها المعارضة.

لكنّ هذا لن يؤدي قطعًا إلى سقوط المدينة، ولن يساعد في اجتياحها، لأنّ عملية الاجتياح سوف تحتاج إلى عشرات آلاف العناصر للقتال في مناطق سكنية وبين كتل إسمنتية، وهي موارد بشرية لا تتوافر للنظام حتى لو توقف القتال على كل الجبهات الأخرى، وحشد الأسد كل قواته في اتجاه حلب، وفق تقدير الموقف.

فضلا عن أنّ عملية كهذه سوف تكبّد النظام خسائر بشرية فادحة لن يكون بمقدوره تحملها ولا تعويضها. ويكفي التذكير بأنّ النظام عجز عن استعادة السيطرة على أحياء سكنية صغيرة في محيط العاصمة دمشق مثل جوبر وبرزة، على الرغم من القصف الكثيف الذي تعرضت له هذه الأحياء، والدعم الذي تلقاه النظام من حلفائه الروس والإيرانيين.

الطيران الروسي واصل قصفه لحلب رغم اتفاق الهدنة (الأوروبية)

قصف وحشي
وهذا يعني أنّ الوحشية التي تُقصف بها حلب وأدت إلى مقتل 250 شخصا ونحو 1500 جريح، فضلا عن التسبب في دمار هائل هجر الآلاف، لا يعدو كونها محاولة أخرى لمساومة المعارضة على قبول الحل الذي يرغب به الروس، وربما الأميركيون أيضا، في تمريره، ولو كان الثمن تدمير المدينة فوق رؤوس ساكنيها.

وكان الروس -خلال الفترة التي أعقبت التوصل إلى قرار مجلس الأمن رقم 2254 في ديسمبر/كانون الأول الماضي- قادوا حملة عسكرية واسعة لتحسين مواقع النظام التفاوضية قبل استئناف محادثات التسوية بجنيف. وبناء عليه، حققت قوات النظام، المدعومة بقوات إيرانية ومليشيات عراقية ولبنانية وغيرها، بعض الاختراقات في ريف حلب الشمالي، مستفيدةً من حالة تسليم أميركي بالسياسة الروسية في سوريا.

ووضعت موسكو حصار فصائل المعارضة في حلب، وقطع خطوط الإمداد التي تصلها بتركيا، على رأس قائمة الأهداف الميدانية التي سعت إلى تحقيقها. وفي سبيل تحقيق هذا الهدف، أمّنت روسيا غطاء جويًّا لعملية عسكرية واسعة في ريف حلب الشمالي، بدأت أواخر يناير/ كانون الثاني الماضي.

في الوقت نفسه، باشرت قوات سوريا الديمقراطية التي تشكّل وحدات الحماية الكردية عمودها الفقري، تحت غطاء ناري كثيف من الطائرات الروسية، التقدّم من عفرين في اتجاه الشرق، مشددةً الخناق على طريق حلب أعزاز، على حساب قوى المعارضة السورية التي تواجه تنظيم الدولة الإسلامية.

ثم تمكنت هذه القوات لاحقا من السيطرة على مطار منغ الإستراتيجي الواقع في ريف حلب الشمالي، على طريق حلب أعزاز، واستمرت في التقدم شمالًا وشرقًا على حساب المعارضة في اتجاه الحدود مع تركيا، فسيطرت على مدينة تل رفعت، أحد أهم معاقل المعارضة السورية شمال حلب، قبل أن توقف المدفعية التركية تقدمها في اتجاه مدينة أعزاز.

لكنّ الهدنة التي جرى التوصل إليها بين الرئيسين الأميركي والروسي، يوم 22 فبراير/ شباط، أوقفت مؤقتًا خطط استكمال حصار حلب.

الروس اقترحوا على الأميركيين الإبقاء على الأسد مقابل تعديل الدستور السوري (الجزيرة)

الحل الروسي
وبعد أن أثبت روسيا قدراتها العسكرية، ساد اعتقاد أنها تريد الآن أن تثبت قدرتها على اجتراح حل سياسي للأزمة ولكن بطريقتها والذي ظهرت بعض ملامحه خلال الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى موسكو نهاية مارس/آذار الماضي ولقائه بوتين.

فاقترح الروس على كيري أن يتمّ الإبقاء على الأسد، وحتى السماح له بالترشح للانتخابات المزمع إجراؤها نهاية المرحلة الانتقالية، في مقابل تعديل الدستور وتحويل نظام الحكم من النظام الرئاسي إلى النظام البرلماني، على نحوٍ يصبح فيه الرئيس منتخبا من البرلمان بدلًا من الشعب ويتمتع بصلاحيات بروتوكولية، في حين تحصل الحكومة الموسعة التي سيجري تشكيلها من النظام والمعارضة ومستقلّين على السلطات الحالية التي يحظى بها رئيس الجمهورية، بما في ذلك السيطرة على الجيش والأمن.

ويبدو أنّ كيري وافق على الطرح الروسي، وعلى أن يكون التركيز خلال المرحلة المقبلة على تعديل الدستور، بدلًا من التركيز على موضوع هيئة الحكم الانتقالي كما تطالب المعارضة، وأن يتمّ الانتهاء من ذلك بحلول أغسطس/آب المقبل.

وخلال الجولة الثالثة من المفاوضات غير المباشرة في جنيف، والتي انطلقت منتصف الشهر الماضي، حاولت موسكو فرض أولوية تعديل الدستور وتشكيل حكومة موسعة على المعارضة، متبنّيةً وجهة نظر النظام السوري.

وحاولت موسكو الضغط على المعارضة لقبول هذا المقترح من خلال الضغط عسكريًا قبل المفاوضات وأثناءها، وكذلك استخدام القضايا الإنسانية التي كان يفترض أن تكون خارج إطار العملية التفاوضية، مثل إيصال المساعدات الغذائية إلى المناطق المحاصرة وإطلاق المعتقلين، التي نص عليها القرار الأممي رقم 2254.

لكنّ تمسّك الهيئة العليا للمفاوضات بموقفها الداعي إلى إنشاء هيئة حكم انتقالي لا يكون الأسد جزءًا منها، ثمّ قيامها بتعليق مشاركتها في المفاوضات استجابة لضغوط فصائل عسكرية، دفعا موسكو إلى رفع مستوى الضغوط على مستويين، ميدانيًا، من خلال استئناف قصف حلب ومحاولة إطباق الحصار عليها من خلال قطع طريق الكاستيلو.

وتقوم وحدات حماية الشعب الكردية -مدعومة بقوات من النظام وغطاء جوي روسي- بمحاولة قطع الطريق انطلاقًا من حي الشيخ مقصود ذي الغالبية الكردية، والذي يبعد عن الطريق بحدود أربعة كيلومترات.

أمّا سياسيًا، فقد عاود الروس الضغط في اتجاه تصنيف كل من حركة أحرار الشام وجيش الإسلام -الذي يرأس ممثله وفد المعارضة إلى مفاوضات جنيف- فصائلَ إرهابيةً.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة