ميتران ميراث ينوء اشتراكيو فرنسا بحمله   
الاثنين 1426/12/17 هـ - الموافق 16/1/2006 م (آخر تحديث) الساعة 1:36 (مكة المكرمة)، 22:36 (غرينتش)

فرانسوا ميتران ظل يعتبر نفسه آخر كبار رؤساء فرنسا (الفرنسية)

مرت على الفرنسيين قبل أيام الذكرى العاشرة لرحيل الرئيس فرانسوا ميتران الذي يعتبرونه أحد كبار رؤساء البلاد في العهد الحديث، والذي ظل يرى نفسه آخر رئيس كبير لفرنسا على شاكلة الجنرال شارل ديغول.
 
وبعد مرور عشر سنوات على رحيله فإن نسبة كبيرة من الفرنسيين مازالت مقتنعة بأن ميتران حجز مكانه في تاريخ فرنسا، لأن اسمه ارتبط بوصول اليسار لأول مرة إلى رئاسة الجمهورية عام 1981 والبقاء فيها طويلا، وبالاستقرار السياسي والرفاه الاجتماعي الذي ميز تلك الحقبة، إضافة إلى إسهامه في الدفع بالبناء الأوروبي إلى الأمام.
 
الحنين إلى ميتران (1916-1996) تغذيه التناقضات القوية التي طبعت حياته الحافلة بالنجاحات والإخفاقات، وبالظلال والأضواء. وإضافة إلى التناقض فقد اتسمت شخصية ميتران بالعمق والكثافة والغموض، وهي من صفات رجالات الدولة، إضافة إلى ما يتمتع به من قوة إغواء تصعب مقاومتها على حد تعبير الكاتبة والصحفية الفرنسية الراحلة فرانسواز جيرو.
 
وإضافة إلى مساره السياسي الطويل والغني فإن لميتران الذي سيظل مرادفا للحزب الاشتراكي الفرنسي جوانب خفية في حياته تجعل منه شخصية روائية تثير العواطف والفضول.
 

مازارين جزء من حياة ميتران المليئة بالظلال (الفرنسية)

جوانب خفية

هذه الجوانب طفت على السطح عندما تبين عام 1994 أن له بنتا تدعى مازارين أنجبت من علاقة غير شرعية عام 1974, إضافة إلى اتهامات بأنه تعاون مع نظام فيشي العميل للنازية، وقصة صراعه مع مرض السرطان، وتعامله مع الثورة الجزائرية لما كان وزيرا للداخلية في الخمسينيات.
 
وكان خصومه وخاصة في الحزب الاشتراكي ينعتونه بالملك، لكن مستشاره الخاص والأمين على سره طوال نحو عقدين، جاك أتالي ينفي عنه تلك الصفة وينعته بالرجل ذي القناعات اليسارية والأوروبية والذي يتسم بالبرغماتية لتحقيق تلك القناعات. لكن منتقديه ظلوا يقولون بنوع من السخرية إنه كان يفتقد الرؤية الاقتصادية.
 
أتالي يقول إن ميتران، الذي عرف بولعه الشديد بالأدب، دخل التاريخ ليس من باب منصبه رئيسا للجمهورية، ولكن من خلال مسار سياسي طويل مسنود بقناعات يسارية راسخة وبرغبة حقيقية في حفر بصمته في صيرورة فرنسا.
 
ويرى أتالي أن تركة ميتران تتمثل في تحقيق التناوب على السلطة بتكسير هيمنة اليمين على تسيير شؤون البلاد وإرساء الديمقراطية وإدخال الإصلاحات الاجتماعية، وتسريع البناء الأوروبي وإلغاء عقوبة الإعدام وإنعاش حرية وسائل الإعلام.
 

سيغولين رويال (يمين) تزيد من البلبلة في صفوف الاشتراكيين بفرنسا (الفرنسية)

بين إسرائيل وفلسطين

وبخصوص السياسة الشرق أوسطية لفرنسا في عهد ميتران فيمكن وضعه تحت عنوان الصداقة القوية التي ظلت تربطه باليهود وبإسرائيل، إذ عند فوزه بالرئاسة احتفل الإسرائيليون بدخول "صديق إسرائيل" إلى الإليزيه. والمقربون منه يقولون إن سر تلك العلاقة هو إعجابه الشديد بالثقافة اليهودية، إلى درجة أن أتالي وهو يهودي قال إن ميتران أكثر يهودية من اليهود.
 
وقد زار ميتران إسرائيل في مارس/آذار 1982 أي قبل أن يحتفل بالذكرى الأولى لوصوله للرئاسة، ليكون بذلك أول رئيس فرنسي يزور إسرائيل بشكل رسمي.
 
كما كان ميتران أول رئيس فرنسي يستقبل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في الإليزيه، وكان ذلك في مايو/أيار 1989 في عز الانتفاضة الأولى، وقبل ذلك ساهمت فرنسا مرتين في إنقاذ حياته.
 
خلال تلك الزيارة ألقى ميتران خطابا في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) لمح فيه إلى ضرورة قيام دولة فلسطينية، وهو ما لم يرق لرئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك مناحيم بيغين.
 
لكن هدف ميتران -الذي كان واعيا بأن الولايات المتحدة هي من يمسك خيوط اللعبة في المنطقة- من علاقاته المتميزة مع عرفات كان هو وقف العمليات الفدائية ضد الاحتلال والاعتراف بإسرائيل.
 
وقبل أقل من سنتين من دخول فرنسا في انتخابات رئاسية يبدو أن الاشتراكيين ينوؤون بحمل تركة ميتران، حيث يكثر المتطلعون للترشح لذلك الاقتراع إلى درجة أن أول من ينافس الأمين العام للحزب الاشتراكي فرانسوا هولاند في الطريق للإليزيه، هي زوجته سيغولين رويال.
 
وأمام هذا الوضع فإن السؤال الذي يطرح هو هل سيكون ميتران آخر رئيس يساري في الجمهورية الخامسة بفرنسا، خاصة أنه ظل يعتبر النجاح الحقيقي بالنسبة له هو أن يتولى زعيم اشتراكي آخر رئاسة الجمهورية؟.
_______________
الجزيرة نت
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة