أمانة بغداد تستعد لإعادة شارع الرشيد لمكانته التاريخية   
الأربعاء 1422/9/27 هـ - الموافق 12/12/2001 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

أعلنت أمانة العاصمة العراقية بغداد عن استعدادها لإطلاق حملة تطوير وتنظيم لشارع الرشيد, الذي يعد أقدم شوارع العاصمة والذي كانت المقاهي المنتشرة على جانبيه مراكز لتجمع المثقفين العراقيين حتى السبعينيات. كما غنت المطربة أم كلثوم في اثنين من ثلاثة فنادق تقع في أوله عام 1936.

وأعلنت أمانة بغداد التي تعاني من نقص كبير في المعدات بسبب الحظر المفروض على العراق منذ أكثر من 11 عاما, أنها تستعد لتنفيذ حملة من أجل تطوير وتنظيم الشارع الذي يخترق العاصمة العراقية على امتداد ثلاثة كيلومترات.

وذكر أمين بغداد عدنان حمد الدوري للصحف العراقية اليوم أن هذه الحملة تهدف إلى جعل شارع الرشيد مركزا للحركة الاجتماعية والتجارية والسياسية كما كان في الماضي, كما أنها تندرج في إطار خطة واسعة لتطوير بغداد وتنظيمها. ورغم أن الدوري لم يذكر تفاصيل عن هذه الخطة أو عن حملة تجديد الشارع الأثري, فإنه أوضح أن تطوير العاصمة العراقية يهدف إلى تنظيمها "بالشكل الذي يليق بأمجادها وتاريخها الذي يعود إلى أكثر من ألف عام".

وقد افتتح شارع الرشيد في الثالث والعشرين من يوليو/ تموز عام 1916 وكان يحمل اسم خليل باشا, أو (خليل جاده سي) أحد الولاة العثمانيين الذين حكموا بغداد. وبعد دخول البريطانيين إلى العراق في الحرب العالمية الأولى, قاموا بتغيير اسمه ليصبح (الجادة العامة) قبل أن يطلق عليه العراقيون بعد الاستقلال في 1921 اسم (الرشيد) تخليدا لذكرى الخليفة العباسي هارون الرشيد (786-809).

ويروي المعمرون في بغداد ذكريات عديدة عن هذا الشارع الذي كان يضم جوامع ومساجد وأسواقا تجارية ومقاهي وملاهي ودورا للعرض ومسارح، كما شهد الكثير من الحوادث التاريخية المهمة. ويرى هؤلاء المعمرون أن الشارع "أصبح حزينا ولم يعد فيه سوى بقايا من الماضي وآثار الأمس ولم تعد له هوية ولا شيء يميزه عن الشوارع الجديدة سوى لوحات عند مداخله كتب عليها (شارع الرشيد)".


كان (المقهى البرازيلي) في بغداد كغيره من مقاه عديدة في مدن الشرق الأوسط, أحد أهم مراكز تجمع المثقفين العراقيين طوال عقود انتهت في السبعينات. وشهد ذلك المقهى تجمع العديد من رجال الأدب والسياسة الذين كانوا يشربون القهوة ويتبادلون الآراء ويتناقشون في أمور الحياة الثقافية والسياسية".
وقال أحد البائعين القدامى في هذا الشارع إن "الأيام أتت على معظم معالم هذا الشارع العتيق من مقاه وخانات وأماكن كان لها مع التاريخ وقفة". ومن هذه المقاهي ذكر هذا الرجل المسن (المقهى البرازيلي) الذي قال إنه "انقلب رأسا على عقب". وكان هذا المقهى, كغيره من مقاه عديدة في مدن الشرق الأوسط, أحد أهم مراكز تجمع المثقفين العراقيين طوال عقود انتهت في السبعينيات. وأوضح أن رجال الأدب والسياسة "كانوا يتجمعون فيه ويشربون القهوة ويتبادلون الآراء ويتناقشون في أمور الحياة الثقافية والسياسية".

وقال معمر عراقي كان يرتاد مقهى آخر هو مقهى عزاوي الذي كان مقرا لغناء المقامات العراقية إن أم كلثوم غنت في فندقي "الهلال" و"الجواهري" اللذين يقعان في أوله عام 1936. وفي هذين الفندقين أيضا صورت أفلام مثل فيها المصريان يوسف وهبي ونجيب الريحاني.

أما أصحاب المحلات التجارية, فيعانون من تراجع حركة البيع والشراء خلافا للازدهار الذي كان يشهده الشارع في منتصف الخمسينيات, موضحين أنهم يضطرون لإغلاق أبواب محلاتهم بعيد حلول الظلام بسبب انعدام الحركة فيه, كما قال أحدهم بحزن.

ويتميز شارع الرشيد الذي يربط بين ساحة التحرير في وسط بغداد وساحة الباب المعظم, بكثرة الأعمدة التي تعلوها أجزاء من العمارات المشيدة على جانبيه, وهذا ما يجعل ممرات المشاة والمحلات في منأى عن أشعة الشمس الحارقة خلال الصيف حيث تبلغ درجة الحرارة أكثر من خمسين درجة مئوية. وتحدث خبير عراقي في شؤون الإسكان والعمران عن "معاناة" الشارع من "حركة مرور السيارات التي تفوق قدرته على الاستيعاب لأنه مصمم لعدد قليل منها", مؤكدا أنه يتميز عن غيره من شوارع بغداد "بطرازه المعماري التراثي".

وتقع على أطراف الشارع جوامع ومساجد شهيرة من بينها جامع السيد سلطان علي الذي أمر الرئيس صدام حسين العام الماضي بتطويره وجوامع الأزبك والمرادية ومرجان والأحمدية والوزير والآصفي وجامع الحيدرخانه إلى جانب عدد من الكنائس المهمة منها كنيسة مريم العذراء وكنيسة أم الأحزان.

مشهد من سوق الصفافير الأثري في شارع الرشيد
وفي وسط هذا الشارع الذي شهد ولادة أول دار لعرض الأفلام السينمائية وهي (سينما العراق) تقع الأسواق العريقة ومن بينها سوق الشورجة أكبر الأسواق التجارية والسوق العربي وسوق الصفافير.

وكان هذا الشارع في منتصف الخمسينيات مركزا لانطلاق التظاهرات الوطنية ضد الهيمنة البريطانية والحكومات الموالية للغرب. ومن أبرز الحوادث التاريخية التي شهدها محاولة الاغتيال التي قامت بها مجموعة من البعثيين بقيادة الرئيس الحالي صدام حسين في هجوم على موكب رئيس الوزراء العراقي عبد الكريم قاسم (1958-1963) في نهاية عام 1959.

ويتوسط شارع الرشيد تمثالان أحدهما للشاعر العراقي معروف الرصافي, أما الثاني فهو لعبد الوهاب الغريري الذي كان ضمن المجموعة التي هاجمت موكب عبد الكريم قاسم وقتل في هذا الحادث. وشهد هذا الشارع أيضا مرور موكب الملك فيصل الثاني الذي أطاحت به الثورة على النظام الملكي عام 1958, وهو جالس في عربته الملكية التي تجرها الخيول في طريق عودته إلى القصر الملكي في الحارثية بعد تتويجه ملكا على العراق في مايو/ أيار 1953.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة