هل هناك حضارات ذكية في الفضاء الخارجي؟   
الأربعاء 1436/10/12 هـ - الموافق 29/7/2015 م (آخر تحديث) الساعة 15:17 (مكة المكرمة)، 12:17 (غرينتش)

الصغير الغربي-تونس

في يوم 23 يوليو/تموز الحالي أعلنت وكالة الفضاء والطيران الأميركية (ناسا) عن اكتشاف أكثر الكواكب الخارجية شبها بالأرض أطلق عليه اسم "كبلر 452 بي", وهو كوكب صخري على الأرجح وأكبر بقليل من كوكب الأرض، ويدور في منطقة قابلة للحياة حول نجم شبيه بالشمس يبعد نحو 1400 سنة ضوئية في مدة تقارب السنة الأرضية، أي 385 يوما. وقد ساهم هذا الاكتشاف الجديد في إذكاء شغف الإنسان وفضوله لمعرفة الإجابة عن أحد أهم الأسئلة المطروحة علميا: هل هناك حضارات متطورة في الفضاء الخارجي؟

هذا السؤال تبدو الإجابة عليه أصعب من الإجابة التي لم تحسم بعد عن سؤال آخر هو: هل هناك مكان ما في الكون ظهر فيه شكل من أشكال الحياة؟

ورغم استعصاء الإجابة عن السؤالين، لم يكف الإنسان عن طرحهما منذ مئات أو ربما آلاف السنين.

فهذا عالم الفلك الإيطالي برونو جوردانو يضع فرضية في القرن السادس عشر تفيد بأن كل النجوم التي نراها في الفضاء هي مجموعات شمسية حولها كواكب تعيش على سطحها كائنات ذكية. وقد كلفته هذه الفكرة حياته بعد اتهام الكنيسة له بالهرطقة.

في عام 1877 قام الفلكي الإيطالي جيوفاني شيباريلي برصد المريخ أثناء اقترابه من الأرض فأكد أنه رأى قنوات مستقيمة, مما يوحي باحتمال بنائها من قبل سكان المريخ. وقد أيده فيما بعد علماء فلك آخرون منهم الأميركي بارسفال لويل الذي أصدر كتابا عام 1895 ضمنه حججا على وجود حياة ذكية على كوكب المريخ, وهو ما لم يصمد طويلا أمام عمليات الرصد التي أظهرت عدم وجود أي أثر لنشاط ذكي على الكوكب.

وقد ألهمت هذه النتائج بعض الأدباء -أبرزهم الإنجليزي هربرت جورج ويلز- لكتابة قصص خيالية حول سكان المريخ الأذكياء والذين يوصفون بالرجال الخضر.

الحياة في الفضاء
غير أن البحث عن الحياة في الفضاء الخارجي لم يتوقف من خلال المراصد التي تم إنشاؤها لالتقاط جميع الإشارات التي يمكن أن تصدر عن حضارة ذكية في الفضاء الخارجي.

وطريق الألف ميل يبدأ دائما بخطوة أولى, وهذه الخطوة هي البحث عن كواكب حول النجوم البعيدة يمكن أن تحتوي على شكل من أشكال الحياة, وهذا ما يقوم به اليوم مسبار كبلر وقمر كورو -على سبيل المثال- اللذان يمسحان على مدار الساعة أجزاء من الفضاء البعيد لاكتشاف كواكب شبيهة بالأرض في الفضاء الخارجي، وقد توصلا حتى اليوم إلى اكتشاف ما يزيد عن ألف كوكب, وقد يحتوي بعضها على محيطات أو مواد عضوية أو أحماض آمينية وربما على الحياة. وقد تكون هذه الحياة قد تطورت لتظهر حضارات ذكية ومتقدمة.

الاحتمالات الرياضية تعطي عددا مهولا من الحضارات الكونية التي يحتمل أن تكون موجودة في كل أرجاء الكون, مما حدا بعالم الفيزياء أنريكو فرمي إلى التساؤل: أين هم؟ ولماذا لا نراهم؟

فعدد النجوم في الكون يتراوح بين 10 آلاف مليار مليار نجم (واحد بجانبه 22 صفرا) ومليون مليار مليار نجم (واحد بجانبه 24 صفرا) ولا تقل فيها نسبة النجوم الشبيهة بالشمس عن 5%. ومن بين كل النجوم الشبيهة بالشمس هناك ما لا يقل عن 22% منها حولها كواكب، وهو ما يجعل عدد الكواكب لا تقل عن 100 مليار مليار. وهذه الكواكب لا تنشأ حياة إلا على 1% منها ولا تنشأ كائنات ذكية إلا على 1% من الكواكب التي ظهرت على سطحها حياة، وهو ما يجعل عدد الحضارات في أرجاء الكون لا يقل عن 10 ملايين مليار حضارة، منها 100 ألف في مجرتنا وحدها.

والبحث عن هذه الحضارات أو الكائنات الفضائية الذكية لن يكون بشكل بسيط كالبحث عن رجال خضر قصار القامة كما يقول عالم الفيزياء النظرية ميشيو كاكو، بل سيكون عن طريق البحث عن الطاقة واستهلاكها في أرجاء الكون، فنحن نبحث عن حضارة من النوع الأول والنوع الثاني والنوع الثالث منها, والنوع الأول منها هي التي لديها القدرة على التحكم في الطاقة المتوفرة على كوكبها بشكل كامل, ويمكنها التحكم في الطقس ويعرفون كل كبيرة وصغيرة في محيطاتهم والسيطرة على البراكين والزلازل.

أما الحضارة من النوع الثاني فهي التي تستطيع التحكم في النجوم، وهي حضارة خالدة لا يعرف علميا شيئا يمكن أن يدمر هذا النوع من الحضارة, فهم يتحكمون في العصور الجليدية ويسيطرون على المذنبات، حتى موت نجمهم أو شمسهم ليس مشكلة، فسيمكنهم نقل كوكبهم أو إعادة إشعال نجمهم، أو ببساطة يمكنهم إيجاد نجم جديد لهم في الفضاء. والمثال النموذجي لهذه الحضارات يأتي من الخيال العلمي كما في سلسلة "ستار تراك".

حضارات مجرية
أما النوع الثالث فهي حضارات مجرية تتحكم في كامل المجرة وبإمكانها التحكم في كامل الطاقة الصادرة عن نجم في الفضاء، وتملك القدرة على التحكم في الطاقة المظلمة التي تمثل 73% من الكون، وربما ستكون قد عثرت على أبعاد جديدة للكون.

وماذا عن الحضارة البشرية فمن أي نوع هي؟ إنها من النوع الصفر -حسب مؤلف كتاب "فيزياء المستقبل"- فهي لم تبلغ بعد حد التحكم في كوكب الأرض ومصادر طاقته كالبراكين والزلازل، ونحن نحصل على طاقتنا من نباتات ومواد عضوية ميتة في صورة نفط وغاز وفحم.

لكن ما هو الوقت اللازم لتصبح حضارتنا من النوع الأول؟ الإجابة حسب كاكو هي 100 سنة، أي بحلول القرن القادم، ونحن الآن نعيش مرحلة ولادة حضارة كوكبية، فالإنترنت وسيلة اتصال من النوع الأول، والاتحاد الأوروبي بداية اقتصاد من النوع الأول، وكرة القدم رياضة من النوع الأول، والإنجليزية لغة من النوع الأول.

لكن البحث عن حضارات متقدمة عنا بآلاف أو ملايين السنين من حيث التكنولوجيا وكشف وجودنا لهم قد يكون مدمرا للبشرية، وعلينا عدم إرسال إشارات ذكية إلى الفضاء حتى لا نُنبّه حضارات فضائية ذكية بوجودنا ونجعلهم يأتون إلينا، مما يجعل فرصة تدمير الأرض بغزو فضائي واردة جداً كما يؤكد عالم الفيزياء الفلكية الشهير ستيفن هوكينغ الذي يشبّه أي غزو خارجي سيتعرض له كوكبنا بما حصل حين اجتاحت الحضارة الأوروبية قارة أميركا واستحوذت على ثقافتها تماما إلى الأبد, لذلك أطلق هوكينغ برنامجا -يحمل اسمه- يقوم على "الاستماع" دون إحداث فوضى، باستخدام أقوى التلسكوبات في العالم، لمحاولة رصد أي نشاط ذكي مثل ذبذبات لاسلكية أو أشعة ليزر.

ويبقى السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: إذا كنا نحن البشر في بداية عهدنا باستكشاف الفضاء الخارجي والبحث عن حضارات متقدمة، فلماذا هم (الكائنات الذكية الأخرى) لا يتواصلون معنا؟ ولماذا لا يهبطون على الأرض؟

الإجابة قد تكون أننا لسنا مثيرين للاهتمام بالنسبة لهم, أو ربما حاولت حضارات متقدمة الاتصال بنا قبل آلاف أو عشرات الآلاف من السنين ولكن أجدادنا لم يفهموا الرسالة, وقد تكون احتمالات وجود حضارات متقدمة في الكون بحاجة إلى مراجعة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة