ما دلالات إنشاء مدرسة دولية أميركية بالجزائر؟   
الأحد 1437/3/23 هـ - الموافق 3/1/2016 م (آخر تحديث) الساعة 18:38 (مكة المكرمة)، 15:38 (غرينتش)

ياسين بودهان-الجزائر

يرى مراقبون أن إنشاء مدرسة دولية أميركية تعد الأولى من نوعها بالجزائر، لا يعكس وجود توجه رسمي جزائري لدعم اللغة الإنجليزية على حساب الفرنسية، لكنها خطوة تفرضها الحاجة وتعكس رغبة أميركية في مرافقة توسعها الثقافي والاقتصادي بهذا البلد.

وكانت كل من الجزائر وواشنطن وقعتا الثلاثاء الماضي بمقر السفارة الجزائرية بالعاصمة واشنطن عقدا يتم بموجبه فتح مدرسة دولية أميركية تعد الأولى من نوعها بالجزائر، تجسيدا لفكرة تم التوافق عليها خلال الدورة الثانية للحوار الإستراتيجي الجزائري الأميركي المنعقد في أبريل/نيسان 2014.

وفي الواقع، فإن هذه المدرسة لا تعد الخطوة الأولى من طرف الحكومة الأميركية لدعم وتعزيز انتشار اللغة الإنجليزية بالجزائر، بل سبقتها جهود أخرى على غرار إطلاق برنامج "الأمل" لتعليم الإنجليزية، كما وقعت وزارة التعليم العالي الجزائرية في 2012 مذكرة تفاهم مع المؤسسة الأميركية "وورلد لورنينغ" من أجل تطوير تعليم الإنجليزية بالجزائر.

من جانبها بادرت السفارة البريطانية بإطلاق برامج مماثلة من خلال فتح أربعة مراكز جديدة لتعليم اللغة الإنجليزية في كل من محافظات "وهران وعنابة والأغواط والعاصمة الجزائر" بالتنسيق مع المجلس الثقافي البريطاني والغرفة الجزائرية للتجارة والصناعة.

وفي مارس/آذار الماضي أعلن المركز الثقافي البريطاني عن الافتتاح الرسمي لمركز تعليم اللغة الانجليزية، وهو المركز الذي ظل مغلقا لسنوات بسبب الأزمة الأمنية التي شهدتها الجزائر خلال فترة التسعينيات.

بعض طلبة مدرسة بابل لتعليم اللغات في بجاية (الجزيرة)

سطوة الفرنسية
وفي ظل هذه الجهود، يتساءل البعض عن مدى نجاح هذه المبادرات الرسمية من الجانبين الأميركي والبريطاني في دعم انتشار الإنجليزية في بلد يصنف من أكبر الدول الفرنكفونية في العالم ويضم 57 مؤسسة تعليمية عضوة في الوكالة الجامعية للفرانكفونية، حسب تقديرات المركز الثقافي الفرنسي.

وأشارت دراسة ميدانية أجرتها صحيفة ليبراسيون الفرنسية سابقا إلى أن ثلث الجزائريين ممن يعرفون القراءة والكتابة والذين يرون في الفرنسية غنيمة حرب يستعملون هذه اللغة في حياتهم اليومية، وأن هذه اللغة لا تزال حاضرة بقوة رغم منافسة لغات أخرى أهمها الإنجليزية والصينية.

وتحظى الفرنسية بالجزائر بدعم رسمي، ورغم مطالبات تعريب المؤسسات الرسمية والحكومية كون اللغة العربية هي اللغة الرسمية بحكم الدستور، فإن الإدارات والمؤسسات الرسمية لا تزال تعتمد على الفرنسية، كما أن المسؤولين الحكوميين يتحدثون بالفرنسية في كل اجتماعاتهم.

وبسبب سطوة لغة موليير، بادر نشطاء في مارس/آذار الماضي إلى إطلاق عريضة على موقع أفاز المتخصص في الاستفتاءات لجمع 500 ألف توقيع، للمطالبة بإلغاء التدريس الإجباري للفرنسية كلغة ثانية بعد العربية في المناهج الدراسية.

إقبال شعبي
ويعتقد مراقبون أن الإعلان عن إنشاء المدرسة الأميركية بتوافق رسمي أميركي جزائري لا يعكس وجود إرادة سياسية جزائرية لتمكين اللغة الإنجليزية على حساب الفرنسية.

وبرأي الكاتب والإعلامي احميدة لعياشي فإن الإنجليزية بالجزائر تحولت إلى حاجة بالنسبة للجيل الجديد كون هذه اللغة تضمن لهم سهولة التواصل عالميا، والاستفادة من الامتيازات التي تمنحها في فرص العمل والبحث العلمي.

وأوضح أن "الإقبال الكبير على اللغة الإنجليزية هو على المستوى الشعبي وليس الرسمي"، لأن السلطات -حسب حديثه للجزيرة نت- تراهن على الفرنسية لاعتبارات مصلحية.

ويجزم بأن "الإقبال الكبير على اللغة الإنجليزية حاليا بالجزائر يهدد هيبة اللغة الفرنسية على الأقل معنويا"، وعلى المدى المتوسط والبعيد يتوقع أن "يكون تعلم الإنجليزية على حساب الفرنسية هو الاتجاه الغالب في المجتمع الجزائري".
 

مدير مدرسة بابل لتعليم اللغات بولاية بجاية نور الدين بسعدي (الجزيرة)

في المقابل، يشدد مدير مدرسة بابل لتعليم اللغات بولاية بجاية نور الدين بسعدي على أن فتح المدرسة الأميركية يعبر عن رغبة السلطات الأميركية في مرافقة حضورها الاقتصادي في الجزائر، وهو حضور يقول إنه يتطور عاما بعد آخر مع حضور ثقافي وتربوي متميز، ولا يجسد برأيه توجها رسميا جزائريا لدعم هذه اللغة على حساب الفرنسية.

كلام ديماغوجي
واعتبر فتح المدرسة الأميركية "نقلة نوعية تندمج في إطار الدبلوماسية الثقافية التي تراهن عليها الولايات المتحدة الأميركية في كثير من بلدان العالم، وذلك من خلال تنظيم تظاهرات ثقافية، وتمويل مشاريع لمنظمات غير حكومية، وتوفير منح دراسية في الولايات المتحدة الأميركية للطلاب والباحثين".

وأقر في حديثه للجزيرة نت بوجود اهتمام أكبر باللغة الإنجليزية خاصة من طرف الشباب، والسبب في ذلك مكانة هذه اللغة في سياق العولمة وتطور تكنولوجيات الاتصال والإعلام، ولأنها تفتح آفاقا أوسع على صعيد فرص العمل والترقية الأكاديمية.

واعتبر بسعدي -وهو يشغل أيضا منصب استشاري تربية وحقوق الانسان- أن الحديث عن منافسة اللغة الفرنسية "كلام مليء بالديماغوجية، لا يزال يعيد نفسه من طرف التعريبيين الذين يستندون على خطاب أكل منه الدهر وشرب".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة