أثر الإرباك الإلكتروني على العالم   
الثلاثاء 1432/1/2 هـ - الموافق 7/12/2010 م (آخر تحديث) الساعة 14:14 (مكة المكرمة)، 11:14 (غرينتش)

الشعوب ربما تستخدم الإنترنت والهاتف النقال بطرق شتى إيجابية وسلبية (رويترز-أرشيف)

كتب كل من الرئيس والمدير التنفيذي لغوغل إريك شميت، وعضو مجلس الرئاسة الاستشاري للشؤون العلمية والتكنولوجية ورئيس مؤسسة أميركا الجديدة وجاريد كوهين -وهو أيضا مدير الأفكار في غوغل، وعضو مساعد في مجلس العلاقات الخارجية، ومؤلف كتابيْ "أطفال الجهاد" و"مائة يوم من الصمت: أميركا والإبادة الجماعية في رواندا"، مقالا مطولا بشأن الإرباك الإلكتروني في العالم، جاء فيه:

إن وجود وقوة تكنولوجيا الاتصال -وهي وسائل تزويد الناس بكميات كبيرة من المعلومات ووصلهم مع بعضهم البعض- ستجعل من القرن الحادي والعشرين قرنا مليئا بالمفاجآت، وسيسقط في أيدي الحكومات أو ستفقد السيطرة والرقابة حينما تكون الهواتف النقالة هي كل ما يملكه العديد من مواطنيها ولا شيء سواها, وتلعب دورا في الثورات الخفيفة التي تتحدى سلطتها, أما بالنسبة لوسائل الإعلام فإن إرسال التقارير سيصبح معتمدا بطريقة متزايدة على المزج بين مؤسسات الأخبار التقليدية والعدد المتزايد بشكل سريع من مواطنيها الصحفيين, وستجد شركات التكنولوجيا نفسها متخلفة في مجال المنافسة معهم وسوف تفاجأ بزبائن نفد صبرهم وضعف ولاؤهم.

اليوم هناك أكثر من 50% من سكان العالم ممن يجمعون بين الهواتف النقالة (خمسة مليارات مستخدم) والإنترنت (مليارا مستخدم)، وهؤلاء يتصلون من داخل وخارج الحدود، مما يشكل مجتمعات تزداد قوة على حساب الحكومات, فوسائل الاتصال الحديثة جعلت من الممكن جمع وإرسال المعلومات عبر الحدود القديمة، وقللت من موانع الدخول, وفي الوقت الذي تكنى فيه الصحافة التقليدية بالطبقة الرابعة, فإن هذا المجال يمكن أن يطلق عليه "طبقة الاتصال المترابطة"، حيث يمكن في هذا السياق لأي شخص الدخول إلى الإنترنت بغض النظر عن مستوى المعيشة أو القومية، مما يمنحه الصوت والقوة لإحداث التغيير.

وبالنسبة لدول العالم الأكثر قوة, فإن ظهور قوة الاتصال المتقدم يمكن أن يخلق فرصا للنمو والتنمية تماما، كما قد يخلق تحديات هائلة لوسائل الحكم القائمة, وستخلق تقنيات الاتصال أجواء للديمقراطية وكذلك للاستبداد، وستعزز من قوة الأفراد نحو الأفضل أو الأسوأ سواء بسواء، وستحاول الدول السيطرة على تأثير التقنيات على سلطاتها السياسية والاقتصادية.

وأما بعض الدول ذات مستوى الاتصالات المتقدم مثل الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي والقوى الآسيوية الاقتصادية الكبيرة (بزعامة الصين وكذلك الهند بشكل أقل) فستنجح في تنظيم قوة الاتصالات المتقدمة ضمن حدودها بطرق تعزز من قيمها ومبادئها الخاصة بها, ولكن لن تكون كل الدول قادرة على السيطرة أو تقبل قوة الأفراد وسلطتهم, فتقنيات الاتصال ستضيف مزيدا من الضغوط على المجتمعات الأقل تطورا، مما يجبرها على أن تكون أكثر انفتاحا وعرضة للمساءلة، في نفس الوقت الذي يمكنها فيه تزويد الحكومات بوسائل جديدة لقمع وكبت المعارضة لتكون أكثر انغلاقا وقمعا, وسيكون هناك صراع مستمر بين أولئك الذين يحاولون بكل ما أوتوا من قوة الترويج لما أسمته وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون "حرية الاتصال"، وأولئك الذين يرون في الحرية خطرا معاديا لبقائهم سياسيا.

"
الدول الديمقراطية عليها أن تدرك أن استخدام مواطنيها للتقنية يمكن أن يكون وسيلة ناجعة للترويج لقيم الحرية والمساواة وحقوق الإنسان, أكثر من المبادرات التي تشرف عليها الحكومات
"
تحديات خاصة
سيؤدي التعامل مع هذا المأزق إلى بروز تحديات خاصة بالنسبة للدول الديمقراطية التي تتشارك في المبادئ الرئيسية من الانفتاح والحرية, وسوف تصطدم مبادئها ومفاهيمها مع الهواجس الراسخة حول الأمن القومي, ومن أجل تجنب إعطاء الفوائد إلى دول مثل الصين التي تحاول توسيع نشر مبادئها الخاصة بالسيطرة والرقابة, فإن على دول مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أن تقف بحزم للدفاع عن الحرية والانفتاح.

ومن شبه المرجح أن تحاول حكومات ديمقراطية أن تنحاز أكثر نحو مصالحها القومية عبر الربط بين الدفاع والدبلوماسية والتنمية بنفس الطريقة، كما اعتادت الاعتماد عليها خلال حقبة الحرب الباردة والعقود التي تلتها, لكن تلك الوسائل التقليدية لن تكون كافية بالرغم من أنه يبقى من غير المؤكد تماما كيف سيؤدي انتشار التقنية إلى تغيير نمط الحكم.

ومن الواضح أن الحلول القديمة لن تكون ناجحة في هذه الحقبة الجديدة, وعلى الحكومات إقامة تحالفات جديدة تعكس صعود قوة المواطن والطبيعة المتغيرة للدولة, ويجب أن تذهب تلك التحالفات لما هو أبعد من الاتصالات الحكومية/الحكومية لتشمل المجتمع المدني والمنظمات غير الربحية والقطاع الخاص, وعلى الدول الديمقراطية أن تدرك أن استخدام مواطنيها للتقنية يمكن أن يكون وسيلة ناجعة للترويج لقيم الحرية والمساواة وحقوق الإنسان, أكثر من المبادرات التي تشرف عليها الحكومات, فمنتجات الشركات الخاصة من أجهزة التقنية الحديثة في الأسواق الحرة, أثبتت أنها أكثر فائدة للمواطنين في الخارج من المساعدات التي تقدمها الحكومات أو الدبلوماسية.

وبالرغم من صحة ما يقال عن استمرار الحكومات والقطاع الخاص في الاحتفاظ بأكبر قدر من السلطة, فإن أي محاولات للتعامل مع التحديات السياسية والاقتصادية الناجمة عن تقنيات الاتصالات، ستفشل بدون المشاركة الجادة والعميقة للقوى الصاعدة الأخرى في هذا المجال وبالتحديد الناشطون والمنظمات غير الحكومية, حيث ستمكن مشاهدة الفعل الحقيقي في قوة الاتصال المتقدمة في المكاتب المكتظة بالقاهرة, وغرف المعيشة في المنازل الخاصة بمختلف أنحاء أميركا اللاتينية وفي شوارع طهران, ومن هذه المواقع وغيرها فإن الناشطين ووسائل التقنية يقومون بالحشد السياسي لما يعرف "باندفاع الرعاع" الذين يهزون أركان الحكومات القمعية، وإقامة وسائل جديدة للتغلب على الرقابة وجدران النار ويرسلون التقارير عبر صحافة الإنترنت وكتابة تقارير وكشوف بحقوق الإنسان لعهد الإنترنت, ويمكن أن يؤدي النظر إلى تلك الجهود -في حالة النظر إليها بشكل مجزأ وبمعزل عن بعضها البعض- إلى اعتبارها غير عملية وقليلة الأهمية، ولكن إذا ما نظر إليها بشكل متكامل كوحدة واحدة, فإنها تشكل تغيرا مهما في العملية الديمقراطية .

"
فكرة كون التكنولوجيا قد تدفع المواطنين إما نحو الأفضل أو الأسوأ ظاهرة ليست جديدة ولا تفتقر إلى سوابق لكيفية التعامل مع هذه الظاهرة
"
الثورة ماضية
إن فكرة كون التكنولوجيا قد تدفع المواطنين إما نحو الأفضل أو الأسوأ ظاهرة ليست جديدة ولا تفتقر إلى سوابق من تعامل الحكومات مع كيفية التعامل مع هذه الظاهرة, فعند ظهور عصر الصحافة المطبوعة في القرن الخامس عشر شكل ذلك حالة مهمة في هذا السياق, وبالرغم من أن اختراع جوهانز غوتنبرغ كان ثورة بحق, فإن وعده بزيادة الدخول إلى المعلومات كان محصورا وحكرا على أولئك الذين ملكوا المطابع وقرروا ما الذي يريدون نشره والأماكن التي يتم التوزيع فيها, فالحكومات القمعية أو المؤسسات الأخرى كانت لديها القوة لاستخدام المطابع الصحفية كوسيلة للسيطرة والتحكم (عن طريق الدعاية) أو القمع عن طريق تجريم الكتابة ضد الحكومة أو الكنيسة.

وفي القرن العشرين ومع ظهور الراديو والتلفزيون فإن الدول والأثرياء ومن لديهم القوة الكافية للوصول إلى أمواج الأثير، كان بمقدورهم السيطرة وحتى فرض معظم ما كان يسمع أو يشاهد، وأثبت كل من الراديو والتلفزيون أنهما كانا وسيلتيْ دعاية فعالة للدول التي عرفت كيف تستغلهما.

ففي كوريا الشمالية حيث لا يستطيع الناس مشاهدة سوى القنوات التلفزيونية الحكومية, يشكل ذلك نسخة حديثة مما كان شائعا في أوروبا الشرقية قبل سقوط جدار برلين, وحتى حينما ظهرت إذاعة غير مرخصة في النصف الأول من الحرب الباردة وبدأ التلفزيون البث عبر القمر الصناعي خلال النصف الثاني من الحرب الباردة, لم يكن الناس -سوى قلة منهم- يملكون الأجهزة والمعرفة والخبرة لتطوير برامجهم الخاصة بهم، ناهيك عن تأمين أستوديوهات الإذاعة أو البث التلفزيوني.

وبرغم تلك القيود, فقد اختار العديد من الناس المشاهدة والاستماع إلى المعلومات التي تبثها المصادر المستقلة التي لم تكن موجودة في السابق بهذه الكثرة, وكان من بين المستمعين والمشاهدين العديد ممن عملوا في الحكومة، وكثيرا ما كانوا يعرضون أنفسهم لمخاطر جمة في حالة القبض عليهم متلبسين، حيث كانوا يفقدون مصادر رزقهم أو أسوأ من ذلك, وهناك ظاهرة مشابهة تحدث حاليا في أماكن مثل إيران وسوريا، حيث يسعى المسؤولون الحكوميون إلى الحصول على أخبار العالم البسيطة خارج حدودهم باستخدام ما يعرف بالتقنيات المراوغة عن طريق فيسبوك والبريد الإلكتروني التي تغلقها حكوماتهم بانتظام.

وتوضح الثورة الإيرانية عام 1979 الانتقال من وسائل الإعلام المبثوثة إلى مجموعة أخرى من الوسائل, ومن المؤكد أنه كانت هناك قوى اجتماعية ضخمة تعمل في إيران منذ السبعينيات بمن فيهم من لا يشعرون بالرضا عن عهد الشاه القمعي والفاسد، علاوة على الضغط من قبل المجتمع الدولي, لكن العديد من المؤرخين يعتقدون أن أحد مفاتيح الثورة كانت قدرة آية الله الخميني على نشر رسائله باستخدام جهاز بسيط وهو مسجل الأشرطة، ونجح الخميني في توزيع أشرطة خطاباته المسجلة على أكثر من 9000 مسجد، مستخدما شبكة تعمل بشكل مكثف، كما كتبت مجلة تايم: "كان الرجل ابن الثامنة والسبعين يقيم في إحدى ضواحي باريس ومنها يوجه الثورة على بعد 2600 ميل، شأنه شأن قائد كتيبة يهاجم تلة".

وشعرت الحكومة الأميركية بالقلق من قوة أشرطة التسجيل في إيران لسببين، أولهما صعوبة السيطرة على تلك الأشرطة، والثاني كون أعين الولايات المتحدة آنذاك كانت مركزة على المعسكر السوفياتي واحتمال استخدام أشرطة التسجيل لنشر الدعاية السوفياتية, وبسبب عدم استغلال الولايات المتحدة لهذه التقنية, فقد ضيعت الولايات المتحدة فرصة قوية من أجل الترويج لقيمها وسياساتها وتعزيز الزعماء الديمقراطيين المغمورين, وفي أواسط السبعينيات دخلت شركات تصنيع الأشرطة إلى الأسواق الصاعدة، وفجأة أصبح ما كان يعتبر جهاز تسلية, وسيلة اتصال ناجعة.

وفي العقد الذي جاء بعد ذلك, ساعدت التكنولوجيا في تحقيق خطوة مهمة أخرى في تقليل قوة الوسائل الوسيطة والأنظمة القهرية التي تقوم بإسكات أصوات المعارضة, فقام الناشطون والمدافعون عن حقوق الإنسان في الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية باستخدام الناسخات وأجهزة الفاكس لنشر رسائلهم وإثارة القلاقل، في حين أن تكنولوجيا اليوم واعدة بشكل أكبر، فاستخدام الفاكس بالمقارنة مع أجهزة اليوم اليدوية السريعة هو أشبه بمقارنة بوصلة سفينة بقوة أنظمة وأجهزة تحديد المواقع على مستوى العالم.

إعلام وسيط
يعاني الناس حاليا من وفرة المعلومات وتصنيفها أكثر من الشكوى من عدم وجودها على الإطلاق, وربما كان الوجه الأكثر ثورية في هذا السياق يكمن في غزارة المنابر التي تسمح للأفراد بإنشاء وتوزيع النصوص الخاصة بهم بدون سيطرة حكومية, وهذا طبعا لا يعني أن وسائل الإعلام الوسيطة باتت غير ذات صلة, فالشركات التي توفر الدخول إلى الإنترنت أو البرامج الإلكترونية تعتبر حيوية لتبادل المعلومات، بينما تقوم الحكومات والشركات المملوكة للدولة بالاحتفاظ بحق منع الدخول، ولكن تلك القوة في طريقها للتلاشي لأنه حتى الحكومات لا يمكنها وقف أو التحكم أو التجسس على كافة مصادر المعلومات في كافة الأوقات, في حين أن مشاركة مجتمعات الشتات أو المهاجرين في إحداث التغيير في بلدانهم الأصلية تتزايد بشكل سريع، وتخلق مصادر جديدة من الدعم المالي والضغط الدولي، كما أن الصناعة المنزلية أو الريفية قد ظهرت ووضعت لنفسها هدفا في إيجاد وخلق ثغرات في جدران النار غير المحكمة.

"
الناس حاليا يعانون من وفرة المعلومات وتصنيفها أكثر من الشكوى من عدم وجودها على الإطلاق, وربما كان الوجه الأكثر ثورية في هذا السياق يكمن في غزارة المنابر التي تسمح للأفراد بإنشاء وتوزيع النصوص الخاصة بهم بدون سيطرة حكومية
"
إن الربط بين تلك التقنيات الجديدة والرغبة في الحصول على حرية أكبر يقومان بتغيير السياسات في بلدان من العالم كان من غير المرجح حصول ذلك فيها, ففي كولومبيا قام مهندس عاطل عن العمل في عام 2008 يدعى أوسكار موراليس باستخدام فيسبوك وخدمة إنترنت هاتف مجاني تدعى سكايب لتنظيم مظاهرات عارمة ضد القوات المسلحة الثورية الكولومبية، وتمكن من حشد احتجاجات ضد منظمة "إرهابية" هي الأشد في التاريخ، وتوجيه ضربة قوية إلى المسلحين لم يتمكن أي رئيس كولومبي من تحقيقها خلال الأربعين سنة الماضية, وفي مولدوفيا وخلال عام 2009 تجمع الشباب -الذين كانوا يستشيطون غضبا ويشعرون بالإحباط من انهيار اقتصادهم والخصومات داخل مجتمعهم- في شوارع كيسيناو بعد انتخابات مزورة، واستخدموا الرسائل عبر تويتر لتحويل مظاهرة قوامها 15 ألف شخص إلى حدث عالمي، واستمر الضغط الدولي والداخلي في التصاعد مما ألغى الانتخابات المزورة، وتسببت انتخابات جديدة في تسلم أول حكومة غير شيوعية للسلطة في مولدوفيا خلال مدة تزيد على خمسين عاما.

وفي إيران وخلال العام الماضي أدت أشرطة فيديو يوتيوب وتويتر وفيسبوك إلى تمكين مجموعات من الناشطين والمواطنين من نشر معلومات تحدت بشكل مباشر نتائج الانتخابات الرئاسية المزورة.

لكن -بالرغم من كل القصص الملهمة ولحظات الأمل التي تم الحصول عليها بسبب استخدام تقنيات التواصل- يجب عدم الاستهانة بإمكانية التلاعب والتحكم في تلك التقنيات أو استخدامها بطريقة خطيرة, فأشد الأنظمة العالمية قمعا وأكثر المجموعات العنيفة المتنوعة القوميات -بدءا من القاعدة وعصابات تهريب المخدرات المكسيكية، إلى المافيا وطالبان- يستخدمون تلك التقنيات للحصول على مجندين جدد وإرهاب وترويع السكان المحليين وتهديد المؤسسات الديمقراطية, فعصابات المخدرات المكسيكية -من أجل توضيح عواقب سلوك من يخالفها- تنشر أشرطة فيديو تبين فيها كيف يتم قطع رؤوس من يتعاونون مع أجهزة تطبيق القانون, وأما القاعدة والمتضامنون معها فنشروا أشرطة فيديو تظهر مقتل الرهائن الأجانب الذين احتجزوا في العراق.

كما أن المنشقين يستخدمون نفس التقنيات المشفرة لإخفاء اتصالاتهم الخصوصية وإخفاء معلوماتهم الشخصية عن الحكومة, وهي تستخدم من قبل "الإرهابيين" والمجرمين المحتملين، ومع استمرار انتشار تقنيات التشفير الرخيصة نسبيا في الأسواق التجارية, فما من شك أن المستبدين وقراصنة برامج الكومبيوتر سيستخدمونها كذلك، وسيكون من الصعب جدا إيجاد توازن بين حماية المنشقين وتمكين المجرمين من تحقيق أهدافهم.

توفر شبكات الاتصالات الأفغانية مادة مفيدة لمعرفة كيف أن تقنيات الاتصال يمكن أن تساعد وتضر دولة ما, فمنذ أن شنت الولايات المتحدة وقوات الناتو أول عملياتها العسكرية في أفغانستان في عام 2001 تزايد عدد حاملي أجهزة الهواتف الجوالة من صفر إلى 30%، وكان لهذا النمو أثره الإيجابي من حيث إيجاد برامج تعتمد على الهواتف النقالة التي مكنت النساء من الاتصال بالمراكز من خلال هواتفهن النقالة، وتوفير التشخيص الطبي عن بعد وتزويد المزارعين بمعلومات حديثة عن أسعار سلعهم، وكذلك فإن الـ97% من الأفغان الذين لا يملكون حسابات مصرفية أصبح بمقدورهم إيداع وسحب الأموال بواسطة هواتفهم النقالة، من خلال التحويلات المالية عبر الهاتف النقال، حيث يتم تحويل رواتب 2500 من ضباط الشرطة الأفغانية القومية في ولاية وارداك بواسطة هذه التقنية، التي تمكنهم من تحويل الأموال بعد ذلك إلى عائلاتهم عن طريق استخدام الرسائل النصية.

وفي نفس الوقت, باتت طالبان تعرف بشكل متزايد كيفية استخدام تقنيات الهاتف النقال بطريقة ماكرة وقاتلة، فقد استخدم مسلحو طالبان الهواتف النقالة لتنسيق هجماتهم، وتهديد السكان المحليين والاحتفاظ برهائن من أصحاب الأعمال المحليين، إما عن طريق نسف أبراج الهواتف الجوالة، أو عن طريق إجبارهم على التوقف عن العمل بين الساعتين السادسة مساء والثامنة صباحا في الفترة التي ينفذ فيها مسلحو طالبان هجماتهم المسائية, ففي فبراير/شباط 2009 قام نزلاء سجن بوليكاركي من مسلحي طالبان باستخدام الهواتف الجوالة، لترتيب عدد من الهجمات المنسقة على وزارات حكومية أفغانية, وفي أفغانستان والعراق ليس من الغريب أن يستخدم المتمردون الهواتف الجوالة لتفجير العبوات الناسفة على جوانب الطرق عن بُعد.

"
الواقعيون يصفون العلاقات الدولية بأنها فوضوية ومحكومة بمصالح الدول, ورغم وجود شك قليل حول الدور المهيمن الذي ستلعبه الدول المهيمنة أو يجب عليها أن تلعبه في العالم, فإن هناك قدرا كبيرا من الجدل حول استمرار هيمنتها
"
قطط وفئران
يصف الواقعيون العلاقات الدولية بأنها فوضوية محكومة بمصالح الدول, ورغم وجود شك قليل حول الدور المهيمن الذي ستلعبه الدول المهيمنة ويجب عليها أن تلعبه في العالم, فإن هناك قدرا كبيرا من الجدل حول استمرار هيمنتها, وكان رئيس مجلس العلاقات الخارجية ريتشارد هاس قد وصف في عام 2008 "العالم بدون أقطاب" بأنه عالم لا تسيطر عليه دولة أو اثنتان أو حتى عدة دول، ولكنه مسيطر عليه من قبل عشرات اللاعبين ممن يملكون ويمارسون أنواعا مختلفة من القوة بدلا عن ذلك, وفي حالة الاتصالات المتقدمة المترابطة فإن القوانين القومية المختلفة -وليس الحدود القومية- هي التي تقيد عملها، ولا يوجد بديل مساو لمعاهدة ويستفاليا التي وقعت سنة 1648 وأنهت سنوات حرب الثلاثين سنة وأسست النظام الحديث للدول القومية.

بدلا من ذلك فإن الأفراد والحكومات والمنظمات غير الحكومية والشركات الخاصة سوف توازن بين مصالح بعضها البعض, ولن تكون كافة الحكومات قادرة على السيطرة على أعمال التمرد الناجمة عن تدهور وتراجع سلطة الدولة بنفس الطريقة, وبالطبع فإن الكثير يشوبه الشك وعدم اليقين, ولكن يبدو من الواضح أن الأسواق الحرة والحكومات الديمقراطية هي الأفضل للتعامل مع هذه الاضطرابات, وأشد الأخطار على الإنترنت في هذه الدول -ربما وجد أفضل تعريف له في أعضاء منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية- سيكون بالمزيد من التشريعات الخاصة بقطاع التقنية التي انتعشت كثيرا بالاستثمار من قبل المقاولين وشبكات الأعمال المفتوحة.

ربما لم تكن هناك دولة تخشى من تداعيات ومضامين السماح لمواطنيها بالدخول لتقنيات الاتصال أكثر من الصين, فأهداف النظام واضحة وهي التحكم في الدخول إلى الإنترنت، وكذلك استخدام التقنية من أجل بناء قوتها الاقتصادية والسياسية, فقد ألقت بكين القبض على ناشطين في مجال الإنترنت، واستخدمت صفحات مواقع الإنترنت المزدهرة لنشر دعايتها, وكل ذلك يندرج ضمن إستراتيجية ضمان أن تعمر الثورة التقنية بدلا من أن تخرب دولة الحزب الواحد ونظام مبادئها, وهناك دول في مختلف أنحاء العالم انتهجت النموذج الصيني في الرقابة والتحكم في الإنترنت، مثل فيتنام والبلدان الآسيوية والأفريقية التي تستثمر الصين بقوة في مصادرها الطبيعية, كما أن الصين تحركت لتجاري المؤسسات الدولية مثل اتحاد الاتصالات الدولية من أجل كسب مصداقية عالمية، وحشد الحلفاء خلف جهودها للسيطرة على اتصالات مواطنيها والتحكم فيها.

لكن الفضل يعود إلى الناشطين والمنظمات غير الحكومية العاملين داخل وخارج الصين, فقد استخلصت بكين أن محاولاتها للسيطرة الكلية على الانترنت لن تنجح على الدوام, واكتشف النظام أن مراقبته قد أخفقت بسبب استخدام الهواتف الجوالة, والمدونات الإلكترونية وإرسال أشرطة الفيديو من أجل تشجيع الاحتجاجات العمالية، والتبليغ عن الحوادث في المصانع، ومشاكل البيئة وحالات الفساد. ففي شهر يوليو/تموز من 2009 استقطبت المظاهرات التي قام بها الإيغور في مقاطعة شنغيانغ اهتمام وسائل الإعلام الدولية، حتى بعد أن قطعت بكين بالكامل كافة منافذ الإنترنت في المنطقة.

واستخدم الناشطون الإيغور الشبكات الاجتماعية وما يسمى بالميكروبلوغ لنشر الأخبار بين المشاهدين المستهدفين في الخارج، ومن بينهم الإيغور الشتات في المهجر, وما من شك في أن لعبة القط والفأر هذه ستستمر، ولكن -على المدى القريب- ما من شك في أن محاولات بكين للتحكم في الوصول إلى المعلومات ستنجح بشكل كبير.

إن تقاطع تكنولوجيا الاتصالات وسلطة الدولة في حالة تراجع في دول مجموعة "بريك" -وهي البرازيل والهند وروسيا- ففي كل من هذه الدول تغلبت الرغبة في الترحيب بالتقنية الجديدة في خدمة نمو الاقتصاد على المخاوف من استخدام المجرمين أو"الإرهابيين" أو المشاكسين السياسيين للإنترنت، ولكن ليس دائما, ففي الربيع الماضي على سبيل المثال, ألقي القبض على أليكسي ديموفسكي -وهو ضابط شرطة في جنوب روسيا- بعد أن أرسل شريط فيديو عبر يوتيوب يكشف فيه عن الفساد في الشرطة الروسية.

إن شيوع أو قلة مصادر تقنية الاتصالات يمكن أن يتفاوتان داخل الحكومات الديمقراطية, ويمكن أن تكون تركيا مثلا في هذه الحالة, فقد حجب الجهاز القضائي خدمة يوتيوب، ولكن الرئيس أعلن معارضته لهذا الحظر، وكانت المحكمة استندت في حكمها على سلسلة من المدونات الإلكترونية وأشرطة الفيديو التي أساءت إلى كمال أتاتورك مؤسس الدولة التركية عن طريق تصويره كصاحب سلوك عدائي, وهذا الخلاف الداخلي في تركيا يثير أسئلة حول ما إن كانت الدول يمكنها الاستمرار في الحفاظ على روايتها للأحداث التاريخية في عصر التواصل المستمر وغير المنقطع.

وعلى المراقبين الدوليين أن يركزوا أنظارهم على مجموعة صغيرة من الدول المعروفة باسم دول الاتصال المتقدم أو السريع مثل فنلندا وإسرائيل والسويد، التي شأنها شأن غيرها لديها حكومات مركزية قوية نسبيا واقتصاديات ثابتة ومستقرة وتكنولوجيا نشطة وقطاعات ابتكار, وأثبتت تلك الدول قدرتها على استيعاب وتبني التكنولوجيا وحسن الاستثمار والبحوث بكل ما للكلمة من معنى، حيث تشكل ميزانيات التطوير والبحث نسبة كبيرة من الناتج القومي الإجمالي, وحيث إن الدول التي تستثمر في البحوث والبنية التحتية يمكنها الحصول على فوائد ومكاسب باستمرار على طول الخط.

"
الدول في العالم النامي المصنفة هناك بالدول "المتصلة جزئيا" تواجه مجموعة مختلفة من الفرص والتحديات في دمج تكنولوجيا الاتصال، وهناك مخاوف كبيرة خاصة في الدول الضعيفة أو الحكومات المركزية الفاشلة
"
ركوب تسونامي
تواجه الدول في العالم النامي المصنفة هناك بالدول "المتصلة جزئيا" مجموعة مختلفة من الفرص والتحديات في دمج تكنولوجيا الاتصال، وهناك مخاوف كبيرة في هذا الشأن، خاصة في الدول الضعيفة أو الحكومات المركزية الفاشلة، والاقتصاديات دون المتطورة، والمجتمعات الفتية بشكل غير طبيعي التي تسود فيها البطالة، والثقافات التي تربط نفسها بالمعارضة والانشقاق، وكذلك بالنسبة لأولئك الذين يناضلون ضد الضغوط من قبل مجموعات المهاجرين الكبيرة الذين يعيشون في الدول المتقدمة تكنولوجياً, فالتدفق المفاجئ لتكنولوجيا الاتصال إلى هذه المجتمعات يهدد الوضع القائم، مما يضع الحكومات الهشة في أوضاع غير مستقرة بشكل كبير.

أما من الجانب الناصع, فإن انتشار التكنولوجيا في بلدان متصلة جزئيا -مثل مصر- من شأنه أن يكسر الحواجز التقليدية للعمر والجنس والحالة الاجتماعية الاقتصادية، ويعود معظم ذلك إلى ظهور الهواتف الجوالة التي لها القدرة على خلق ثورة في القرن الحادي والعشرين، مساوية للثورة الخضراء في القرن الماضي، وهي الحركة التي استخدمت تقنيات زراعية متقدمة، وعملت على زيادة توفير الغذاء على النطاق العالمي.

ففي باكستان على سبيل المثال كان هناك 300,000 مستخدم للهواتف الجوالة فقط في عام 2000, أما في أغسطس/آب من عام 2010 فقد اقترب هذا الرقم من 100 مليون, وزيادة كبيرة كهذه في مجال الاتصالات تركت أثرها على الأرض, ففي كينيا على سبيل المثال طورت شركة تدعى سفاريكوم برنامجا لتحويل الأموال عن طريق الهواتف الجوالة، مما قلل تكاليف رسوم الحوالات، ووسع من الوصول إلى الحسابات البنكية للسكان الذين لا يتلقون خدمات كافية، وسهل العمليات المالية الصغيرة أو البسيطة.

وفي بعض الدول الموصولة جزئيا مثل ساحل العاج وغينيا وقرغيزستان وباكستان, تتغير تكنولوجيا الاتصالات -ولكن ببطء للأسف- بناء على طبيعة المجتمع المدني, وهناك عدد متزايد من الناشطين الذين يعملون دون الكشف عن هوياتهم وبدوام جزئي, وأصبحت مواقع الإنترنت تحل محل المكاتب العادية بدلا من الموظفين الذين يتقاضون أجورهم, بينما تستخدم المنظمات المحلية مصادر مجانية ومفتوحة بدلا من الاعتماد على المانحين الأجانب, وفي نفس الوقت تقوم الشركات المحلية النشأة بردم الفجوات التي سببتها الحكومات، وتعرض خدمات تعليم اللغة والتدريب على المهن ذات المهارة والخدمات المالية والرعاية الصحية وتسعير السلع. ونشطاء اليوم محليون ولكنهم بمستوى عالمي عال من الأداء، فهم يستوردون المعدات من الخارج من أجل أهدافهم الخاصة بينما يصدرون أفكارهم الخاصة بهم.

ومع استمرار انتشار التكنولوجيا ترى العديد من الحكومات المتصلة جزئيا بالتكنولوجيا أن ضرها أكثر من نفعها, وهذا صحيح بشكل خاص بالنسبة لمن يناضلون من أجل الحفاظ على شرعيتهم السياسية, فأي شيء يتحدى الوضع القائم أو سلطة الحزب أو الاستقرار الزائف يشكل خطرا, وبالنسبة لمثل تلك الحكومات -بمن فيها الاستبدادية والفاسدة وغير المستقرة- فإنها تشعر بالقلق من سرعة قيام تمرد صغير, وفي كثير من الحالات فإن افتقار المعارضة إلى التنظيم ووسائل الاتصال هو ما يجعلها متخلفة، وهي الأمور التي تهدد تقنيات الاتصال بتوفيرها على نطاق واسع ورخيص.

وخلال السنوات العديدة الأخيرة, فإن الأنظمة التي نفذت عمليات قمع بيد من حديد أصبحت أكثر دراية وتقدما، ويشكل ما قامت به الحكومة الإيرانية فيما يتعلق بانتخابات 2009 مثالا لذلك, ففي الأسابيع التي سبقت الاقتراع, أقدمت طهران على إغلاق بعض مواقع الإنترنت بشكل متقطع، ومنعت إرسال رسائل نصية وخفضت سرعة اتصال الإنترنت, أما في يوم الانتخابات فقد أقفل النظام كافة أشكال الاتصال الإلكتروني لأيام وحتى لأسابيع (بالرغم من أن عددا من الناشطين تمكنوا عن طريق التقنية الالتفافية من التغلب على ذلك)، حيث قام أفراد من الحرس الثوري بتمثيل دور الناشطين وحاولوا القبض على المعارضين متلبسين، ولعل ما ينذر بما هو أسوا هو قيام مسؤولي الاتصالات الإيرانية بتوظيف مهندسين مجهولين لتأسيس مواقع تشجع الناس على إرسال صور للمظاهرات، وكان القصد من وراء ذلك هو معرفة هوية وملاحقة المتظاهرين واعتقالهم في بعض الحالات.

إن كانت الدولة المتصلة جزئيا بالإنترنت ستحذو حذو النموذج الإيراني أو لا, فذلك يعتمد على التوازن بين الاستقرار السياسي الداخلي والنمو الاقتصادي, فالدول التي واجهت مهمة إعادة الانطلاق أو الحفاظ على الهدوء، أو ذات الاقتصاديات البطيئة النمو، هي الأكثر ميلا للسماح لمواطنيها ورجال الأعمال فيها بتبني تقنيات جديدة، والحفاظ على حرية انسياب المعلومات الضرورية والحيوية للاستثمار الأجنبي.

"
هناك دول حديثة العهد بالاتصالات، حيث لا تنتشر تقنيات الاتصال فيها بشكل كاف بعدُ لتشكل فرصا رئيسية أو تحديات
"
التقنية على المحك
هناك مجموعة ثانية وبنفس الحجم من الدول النامية تعرف بـ"الدول الحديثة العهد بالاتصالات"، وهي الأماكن التي ما زال تطور التكنولوجيا فيها حديث العهد، حيث يقوم كل من الأفراد والحكومات باختبار الوسائل والمعدات وتأثيراتها الكبيرة, في تلك الدول لا تنتشر تقنيات الاتصال بشكل كاف بعدُ لتشكل فرصا رئيسية أو تحديات, وبالرغم من أن تلك الدول سترقى قدما إلى مصاف الدول المرتبطة جزئيا بالتقنية الإلكترونية, فإنه من السابق لأوانه تقرير ما ذا سيعني ذلك بالنسبة للعلاقات بين المواطنين وحكوماتهم والدول المجاورة.

بعض تلك الدول مثل كوبا وميانمار واليمن حاولت منع الدخول إلى تقنيات معينة بالكامل, وعلى سبيل المثال حصرت استخدام الهواتف الجوالة على النخبة، وهو ما أدى إلى انتشار سوق الاتصالات السوداء التي كثيرا ما تستخدم في الاتصالات اليومية، ولكنها تزيد من احتمالات تصاعد المعارضة. فنشطاء تلك الدول في الداخل وفي المهجر -مثل أولئك العاملين على طول حدود ميانمار في تايلند- يحاولون كسر الحظر على المعلومات بشكل يومي, وستقوم تلك الأنظمة التي تحكم تلك الدول -على المدى القريب- بعمل أقصى ما يمكنها عمله لاحتكار معدات الاتصالات وأساليب عملها.

هناك مجموعة أكبر من تلك الدول الحديثة العهد بالاتصالات يمكن تسميتها بـ"المنفتحة بسبب التخلف"، وهي الدول التي هي مفتوحة للاستيراد بشكل رئيسي، وتستخدم تقنيات الاتصال، وتقوم حكوماتها بين الحين والآخر بإدخال ضوابط وقيود للتحكم، سواء كان الدافع وراء ذلك جنون الريبة لدى النخبة، أو الفساد البيروقراطي، أو التهديدات الأمنية التي تلوح في الأفق أو المحسوسة، أو لأي عوامل أخرى، وهذه الدول التي توجد بشكل كبير في أفريقيا وأميركا اللاتينية أو أميركا الوسطى وجنوب شرق آسيا، هي مصدرة للمنتجات الزراعية، ولديها بعض الصناعات الخفيفة, وبالنسبة للحكومات التي تحكم تلك الدول فإن المرء يمكن أن يتخيل أن الدافع لإيجاد اقتصاديات متنوعة وأكثر انفتاحا وقابلية للاستمرار، يجب أن تكون له الأولوية والسبق على المخاوف من أن يقوم المعارضون المسلحون بالهواتف الجوالة بتهديد استمرار النظام.

وأخيرا هناك مجموعة عالمية صغيرة مهمة تسمى "الدول الفاشلة"، التي تتسم بعدم الاستقرار، وعدم القدرة على العمل باستمرار وثبات، حتى في أكثر القضايا أهمية، وهذه الدول تعتبر معاقل طبيعية للمجرمين وشبكات "الإرهابيين" التي ربما لديها تظلمات محلية ولكنها تخفي وتؤوي طموحات إقليمية وعالمية, وتعتبر دولة الصومال من الأمثلة البارزة على تلك الحالة، وبالرغم من أن نشاطات الثوار والمتمردين موجهة ضمن حدود الصومال, فإن بعضها يتبع "شبكات إرهاب دولية" وتجار سلاح، وفيها مناطق مستقرة لأباطرة المخدرات، من أجل تجنيد الأتباع أو نشر عقيدتهم, ورغم أن تقنيات الاتصال يمكن أن تكون مصادر خلاقة لإبداع وابتكار المواطنين هناك, فإنها توفر فرصة لتصدير "الإرهاب" والسلوك الإجرامي كذلك.

"
الابتكار المستمر والعدد المتزايد من السكان المتصلين من الفئة ذات الاتصال الرفيع المستوى، يشكلان تحديات جديدة صعبة بالنسبة للسكان والحكومات في مختلف أنحاء العالم، والمؤهلون بشكل أفضل ومعظم المستخدمين الناشطين للتكنولوجيا سيجدون أنفسهم عالقين وسط مجموعة مشوشة من الأجهزة والخدمات
"
حطموا الجدار
يمكن لمساعي الحكومات الديمقراطية لتعزيز الحرية والرخاء أن تكون أقوى بكثير في حال إدراك تلك الدول للدور الحيوي الذي يمكن للتكنولوجيا أن تلعبه في تمكين مواطنيها للترويج لتلك القيم، وأن يتم توفير تلك التكنولوجيا عن طريق القطاع الخاص, فالشركات التي تدور منتجاتها أو خدماتها حول تقنية المعلومات -مثل منتجي الهواتف الجوالة المركبة والمتعددة الاستعمال، وصناع الموجهات التي تشكل لبنات بناء أسوار النار، ومزودي برامج الإنترنت- تتعامل مع سلعة سياسية في الأصل, وفي العالم التفاعلي للإنترنت تعتبر المهمة الرئيسية لقطاع التكنولوجيا الأسرع نموا هي توفير وسائل اتصال عبر الحدود, والقليلون يستغربون نظرة الحرس القديم المهيمن على الأنظمة القمعية إلى تلك الشركات على أنها ليست بأكثر من تجار سلاح في عصر المعلومات, بمعنى أنه رغم أن الولايات المتحدة وغيرها من الدول يمكنها تحذير المسؤولين الصينيين علنا بضرورة التقيد باتفاقيات حقوق الإنسان الدولية، فإنه في عالم الاتصال المتقدم ويب2.0 يمكن للشركات في الواقع أن تقوم بالإعلان عن كيفية قيام حكومات من مختلف أنحاء العالم بالرقابة على مضمون اتصالاتهم، أو قطع اتصالات مواطنيها مع العالم, وفي هذا السياق تلعب شركات الهواتف الجوالة دورا مهما بشكل خاص, لأنه في العديد من أجزاء العالم فإن الهواتف الجوالة تعتبر من المصادر القليلة التي يمكن فيها للسكان المحليين مواجهة الانتهاكات وإساءة المعاملة.

هناك فرص جديدة أمام القطاع غير الربحي والأفراد الناشطين من مختلف أنحاء العالم, ففي الحالة المترابطة أو المتقدمة من الاتصالات يمكنهم الاستمرار في تشكيل سلوك الحكومات والشركات التجارية عن طريق المطالبة بحرية التعبير، عن طريق حماية المواطنين من تهديد الحكومات, ولكن عندما يحاولون تعديل أساليبهم لتعكس البيئة الجديدة التي يعملون فيها, فهذا يعني -من بين أشياء أخرى- أنه يجب ضمان ألا تؤدي الأخطاء إلى تقوية ميل الحكومات لإثارة الحمية القومية, وعليهم العمل من خلف الكواليس إن كان ذلك يسفر عن ثمار أفضل ونتائج أسرع، واستخدام التكنولوجيا التي يوفرها القطاع الخاص لخدمة مصالحهم وأهدافهم, فعلى سبيل المثال هناك موقع إلكتروني يدعى هيرديكت يجمع المعلومات حول المواقع المغلقة في حينه، مشكّلا عقبة كبيرة أو مانعا أمام اعتراض التدفق الحر للمعلومات، وخلق مستوى غير مسبوق من الشفافية بخصوص مستخدمي وسائل الاتصال.

أما بالنسبة للشركات والقطاع غير الربحي كليهما، فإن حالة الاتصال الرفيعة المستوى توفر مكانا يمكنهم فيه الانضمام إلى تحالفات جديدة من أجل مضاعفة تأثيرهم، ومثال ذلك مبادرة الشبكة العالمية، وهي منظمة تجمع شركات تقنية المعلومات مع بعضها، وكذلك منظمات حقوق الإنسان والمستثمرين المسؤولين الاجتماعيين والأكاديميين، في مسعى للترويج لحرية التعبير وحماية الخصوصية (غوغل أحد الأعضاء المؤسسين لها)، ووضعت مبادرة الشبكة العالمية خطوطا عريضة، أو موجهات للشركات والمنظمات الأخرى التي أجبرت على مقارعة الحكومات التي تراقب مضمون الاتصالات، أو التي تطلب مزيدا من المعلومات عن المستخدمين, وفي ظل هذه الترتيبات توافق الشركات على السماح للمستشارين أو المخمنين الخارجيين لتقرير مدى التزامهم بالخطوط العريضة، ويتم اتفاق كافة الأعضاء على الأهداف المشتركة.

ائتلاف المتصلين
يشكل الابتكار المستمر والعدد المتزايد من السكان المتصلين من الفئة ذات الاتصال الرفيع المستوى تحديات جديدة صعبة بالنسبة للسكان والحكومات في مختلف أنحاء العالم، حتى إنه قد يجد المؤهلون بشكل أفضل ومعظم المستخدمين الناشطين للتكنولوجيا أنفسهم عالقين وسط مجموعة مشوشة من الأجهزة والخدمات, وفي حقبة تزداد فيها قوة الأفراد والمنظمات بشكل يومي, فإن الحكومات التي ركبت موج التكنولوجيا ستكون في أفضل وضع لتأكيد نفوذها وجلب الآخرين ليدوروا في فلكها, أما تلك التي لا تريد ذلك فستجد نفسها في خلاف مع مواطنيها.

وتستطيع الدول الديمقراطية التي قامت بدمج قواتها العسكرية أن تقوم بنفس الشيء مع تقنيات الاتصال. وهذا ليس معناه القول بأن تقنيات الاتصال ستغير العالم بمفردها, ولكنها تقدم طريقة جديدة للقيام بمهمة حماية المواطنين في مختلف أنحاء العالم الذين تنتهك حقوقهم على أيدي حكوماتهم أو الذين يحرمون من التعبير عن آرائهم.


وعلى الحكومات الديمقراطية -وهي تواجه هذه الفرص- واجب الاتحاد مع بعضها في الوقت الذي تحترم فيه قوة وسلطة القطاعات الخاصة وغير الربحية من أجل إحداث التغيير، وعليهم الإصغاء لمن هم على الخطوط الأمامية، وإدراك أن استخدام مواطنيها للتكنولوجيا يمكن أن يكون وسيلة مؤثرة من أجل الترويج للحرية والمساواة وحقوق الإنسان على مستوى العالم, ولا يمكن لأي أحد بمفرده أن يحقق التقدم منفردا في عصر تقاسم السلطات.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة