الناقد عبد المطلب والوصايا في عشق النساء   
الثلاثاء 1424/7/20 هـ - الموافق 16/9/2003 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

دكتور/محمد عبد المطلب

يسير أحمد الشهاوى على نهج أسلافه الأوائل في الحرص على الوصايا وبثها في جماعة المتلقين، لكن الجماعة المقصودة هنا هي جماعة النساء جوهر الوصايا في العشق وكأن العشق كنز المرأة الذي يحتاج إلى الحماية والرعاية، ومن ثم كانت الوصايا عهده إليها، أو ربما استهدف الشهاوى أن يقيم الأنثى أمينة على مجموع وصاياه، وخيانة الأمانة لا عقوبة لها إلا الخروج من جنة العشق.

إن الذي يحفظه المعجم لمفرده (الوصية) توابعها من (الإيعاز والتعريض) كما يحفظ لها دلالة (الغرض) اللازم، لكن الشهاوى يستلب (الوصية) من أطرها المعجمية ليحولها إلى (سلطة) تشريعية وتنفيذية على صعيد واحد، وهو سلطان هذه السلطة التي يلاحق بها الأنثى حتى لا تستطيع منها خلاصاً.

ولأن السلطة الدنيوية تسمح بقدر من التجاوز والخروج، فإن الشهاوى خصب سلطته بقدر من السلطة الدينية حتى يحول بين المرأة وإمكانية هذا الخروج، حيث قدم لمجموع وصاياه بحديث للرسول صلى الله عليه وسلم ينفى فيه الحرج والإثم عن الحب، ثم أوغل في استحضار السلطة الدينية بامتصاص الخطاب القرآني على نحو مباشر حينا، وغير مباشر في أغلب الأحيان، ثم مد هذا الامتصاص للخطاب النبوي، وكأن الشرع كان السند الأول لمجموع الوصايا، ويزكى هذا السند عالم العشاق بتجاربهم وأحوالهم ومواقفهم ومقاماتهم، ومن ثم اتكأت الوصايا على كم وفير من الخطاب الشعري المصبوغ برحيق العشق.

وبرغم أن مسار الوصايا يتجه من الموصى إلى المرأة، فإن الموصى قد بدأ بنفسه لأنه غارق في بحر العشق، ومن ثم طلب العون من الله ألا يحمله ما لا طاقة له به من العشق، وألا يؤاخذه عليه، لأنه قدر ليس له فيه اختيار، وأن ييسر له طريق العشق بالشفعاء.

الشاعر أحمد الشهاوي (الجزيرة)

وتأكيدا للسعي إلى استحواذ سلطة دينية منحت هذه الأدعيات ركائزها من الحديث النبوي وبهذا الامتصاص يسلب النص الأنثى قدرة الخلاص من قدر هذا العاشق.

وبالرغم أيضا من أن مجموع الوصايا كانت سلطة على النساء جميعا، فإن الموصى جعل بوابة عبور الوصايا إلى النساء عن طريق (المتلقية الأولى) التي حضرت في المفتتح حضوراً غيابياً تحت قناع (الكناية) هذه المتلقية التي كانت مصدره وإرادته التي سكنته عفو الخاطر، وقادته إلى مسالك الحزن والفرح، والقبض والبسط، والخوف والرجاء، وحولت مجموع الوصايا إلى إشارة مدفونة في العبارة على حد قول أبى حيان.

ومن ثم حجبت نواتجها حجبا شفافا، وبين الحجب والشفافية صعدت الوصايا إلى آفاق الشعرية، حتى إن المتلقي تأخذه الحيرة، هل هو في رحاب الشعر، أم في دهاليز النثر، أم هو فيهما معا؟.

لقد حرص الموصى على الاستتار خلف وصاياه رغبه في تأكيد صدورها من سلطة علوية قهرية لا يمكن مغالبتها، أو الخلاص منها، لكنه –تلقائيا– قد كشف عن ذاته صياغيا، بوصفه محتل هذه السلطة على الأرض، وتجلى هذا الانكشاف في مجموعة ضمائره التي تنتمي له وحده (أنا): (أوصيك) (نصيحتي) (أول كلامي) (أذكّر) (سيدي) (قريتنا).

لكن الضمير قد استحال إلى سام ظاهر مباشر بصفة محددة (أحمد العاشق)، على معنى أنه العاشق الأول الذي يتوجه إلى معشوقته الأولى والأخيرة، ومنها تتوزع الوصايا على جنس النساء.

إن حضور الذات الموصية على هذا النحو المحدود كان بهدف إفساح المجال الصياغي للسلطة التوجيهية بكل هوامشها المقدسة التي استمدتها من امتصاص الخطاب القرآني على نحو منتظم، ثم وثقت هذا الاستمداد بامتصاص الخطاب النبوي على نحو مواز لامتصاص الخطاب القرآني.

ولم تكتف الوصايا بكل هذا الامتصاص لتأكيد سلطتها القهرية، بل إنها أكدت هذه السلطة بالتحرك بين صيغتين مركزيتين هما: (الأمر والنهي) (افعلي – لا تفعلي)، وإحاطة الصيغتين بكم وفير من أدوات التقرير والتوكيد والتعليل، بحيث تنعدم كل إمكانية للخلاص من منتجات الوصايا الدلالية.

والأصل الذي استخلص منه الموصي وصاياه هو (قانون العشق)، وهذا القانون يجعل مسار الحب الرئيسي يتحرك من الرجل للمرأة، فالمرأة هي المعشوقة أبدا، لأن أنوثتها قديمة محاطة بالجمال والجلال، والعشق ميراث الأنثى الأوحد، والحب وصفتها المقدسة، وبحق كل ذلك صارت الأنثى قطب الرجل وعلة وجوده.

وما دام الأمر على هذا النحو من التلازم الباطني والخارجي، فلا فرار من الحب، ولا خلاص منه، والحذار الحذار من الفراق والهجران، فقانون العشق الأول هو (الوصال) الذي يستغرق الروح والجسد، فإذا كانت الروح تهوى الصعود إلى السماء، فإن الجسد هو فردوسها الأرضي.

وقانون العشق في مجموع الوصايا كان وليد تاريخ الأنوثة الأزلية، وناتج تجاربها في العشق على مسار التاريخ. وقد زكاه سيرة العشاق من عائلة الموصى، وهم (الشعراء العشاق) الذين حضرت زفراتهم ساخنة تلهب الوصايا بحرارة الأحوال، وشهادة المواقف، حتى صارت الوصايا بلا بداية ولا نهاية، فكل نهاية هي بداية لوصية جديدة، وكل بداية هي نهاية لوصية سابقة.

إن متلقي هذه الوصايا لابد أن يصعد بها إلى آفاقها الأثيرة، آفاق الشعرية عندما تغوص في النثرية، وآفاق النثرية عندما تحلق في الشعرية، فلا يدرس المتلقي هل هو في حالة اقتناع ورضا، أم حالة نشوة وسكر.
____________

أستاذ النقد الأدبي ومؤلف موسوعة البلاغيين العرب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة