دور الدين والثقافة في العلاقة بين أميركا وإسرائيل   
الثلاثاء 1437/1/28 هـ - الموافق 10/11/2015 م (آخر تحديث) الساعة 16:25 (مكة المكرمة)، 13:25 (غرينتش)

 عبد العظيم محمد الشيخ

اكتسبت العلاقات الأميركية الإسرائيلية على مر التاريخ الحديث أهمية كبيرة لما لها من انعكاسات على مجمل الأوضاع في العالم على وجه العموم وعلى الوطن العربي والقضية الفلسطينية على وجه الخصوص. وعلى الرغم من أن هذه العلاقة اتسمت بالقوة والتطور المستمر منذ نشوء دولة إسرائيل عام 1948 فقد تخللتها أحيانا فترات من الفتور -وإن كان مؤقتا- لكنه ما يلبث أن ينقشع نظرا لأنها قائمة على عوامل وأسس متشعبة ولا تستند على المصالح وحدها.

وجاء تطور تلك العلاقة من مجرد تعاطف من جانب الولايات المتحدة وتأييدها لقيام إسرائيل أواخر أربعينيات القرن الماضي إلى شراكة إستراتيجية غير عادية بين دويلة صغيرة لكنها قوية عسكريا تعتمد في قوتها هذه على دعم اقتصادي وعسكري من دولة عظمى تسعى لإحداث توازن للمصالح الأخرى المتصارعة في منطقة تمور بالاضطرابات والنزاعات.

ولقد ظلت إسرائيل منذ سبعينيات القرن الماضي أكبر متلقٍ للمعونة الأميركية في العالم. وباتت تتلقى اليوم ثلاثة مليارات دولار في شكل مساعدات سنوية عبر برنامج أُطلق عليه التمويل العسكري الأجنبي.

واليوم فإن الولايات المتحدة وإسرائيل هما من أقرب الأصدقاء والحلفاء إلى بعضهما البعض. وغافل من يظن أن هذه العلاقة الوثيقة أساسها المصالح الاقتصادية وحدها أو جماعات الضغط اليهودية (اللوبيات)، بل هي تستمد جذورها من قيم ثقافية ودينية مشتركة.

يظل العامل الديني أقوى العوامل المؤثرة في العلاقات الأميركية الإسرائيلية ومن ثم على سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط وقضية العرب المركزية: فلسطين

وطوال أكثر من ستة عقود من الزمان ظل الإسرائيليون يتطلعون نحو الولايات المتحدة كمصدر إلهام سياسي وداعم مالي وعسكري ودبلوماسي، فيما ينظر الأميركيون -بعضهم على الأقل- من ناحيتهم لإسرائيل بقدر من الإعجاب في سعيها لتبني التقاليد الغربية، ولنجاحها في الجانب الاقتصادي.

وإن كان لعبارة واحدة أن تبين فرادة تلك العلاقة فهي تلك التي قالها الرئيس الأميركي الأسبق ليندون جونسون كإجابة عن سؤال توجه به إليه رئيس الوزراء السوفياتي أليكسي كوسيجين مفاده لماذا تدعم أميركا الإسرائيليين الذين لا يتجاوز تعدادهم ثلاثة ملايين وتستعدي ثمانين مليون عربي؟ فقد رد جونسون ببساطة قائلا "لأنهم على حق".

البعد الديني
يظل العامل الديني أقوى العوامل المؤثرة في العلاقات الأميركية الإسرائيلية ومن ثم على سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط وقضية العرب المركزية: فلسطين. وقد كان لحركة الإصلاح الديني والمذهب البروتستانتي -الذي أسسه الراهب الألماني مارتن لوثر (1483-1546) وأصبح سائدا في الولايات المتحدة- دور تاريخي مهم في تأصيل العلاقة بين اليهودية والمسيحية.

ولعبت التعاليم المستمدة من كتاب اليهود المقدس -التوراة أو العهد القديم- دورا مركزيا في صياغة فكر وثقافة المهاجرين الأوائل لأميركا. وفي ذلك يقول الباحث يوسف العاصي الطويل في أطروحته لنيل الماجستير من جامعة الأزهر فرع غزة "أصبح هناك اعتقاد مبكر لدى الأميركيين بضرورة تحقيق كافة النبوءات الواردة في العهد القديم، وعلى رأسها إعادة اليهود إلى فلسطين كواجب ديني حيث بدأ ذلك قبل ظهور الحركة الصهيونية بثلاثة قرون".

قد يبدو الحديث عن دور الدين في الثقافة السياسية الأميركية ومن ثم في تطور علاقة الولايات المتحدة مع إسرائيل، ينطوي على سطحية وضعف استيعاب عند البعض، لكن بروزه بقوة إبان فترة رئاسة جورج بوش الابن وسيطرة المحافظين الجدد في عهده على مراكز صنع القرار أضفى على هذه الفرضية قدرا من الاعتبار والأهمية

وخلص يوسف الطويل في دراسته إلى أن للدين دورا في الحياة الأميركية قديما وحديثا، وأثره في صياغة الفكر والثقافة الأميركية "مما انعكس على المواقف الأميركية تجاه كثير من القضايا... وكيف كان المشروع الصهيوني مشروعا أميركيا بكل تفاصيله يهدف إلى تحقيق رؤى ونبوءات دينية آمن بها الشعب الأميركي بمعظم فئاته، وتعاطف معها وتبناها الزعماء السياسيون منذ تأسيس الجمهورية عام 1776..".

ولعل مما يلفت النظر أن كافة الرؤساء الأميركيين كانوا من البروتستانت باستثناء جون كينيدي، الرئيس الكاثوليكي الوحيد الذي اغتيل في 22 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1963.

زمالة تاريخية
ومما يدعو للانتباه أن النفوذ اليهودي ظهر جليا على الرؤساء أو الآباء المؤسسين للولايات المتحدة حتى أن جون آدامز -ثاني الرؤساء الأميركيين- أفصح عن رأيه في اليهود في رسالة وجهها إلى توماس جيفرسون الذي خلفه في الرئاسة، جاء فيها "إنني أُصر على أن العبرانيين قاموا بالكثير من أجل الإنسان المتمدن أكثر من أي شعب آخر".

ويعتبر البعض أن وودرو ويلسون -الذي تولى سدة الحكم في الولايات المتحدة خلال الفترة من عام 1913 وحتى 1921- أشد الرؤساء الأميركيين تأييدا لليهود. ذلك أنه قدم الكثير لهم ويكفي أنه من أعرب عن تأييده لوعد بلفور (1917) عندما أعلن في الثالث من مارس/آذار 1919 أن "الحلفاء وبتوافق تام مع حكومتنا وشعبنا اتفقوا على وضع أساس لاتحاد يهودي فدرالي في فلسطين".

وبعد، قد يبدو الحديث عن دور الدين في الثقافة السياسية الأميركية ومن ثم في تطور علاقة الولايات المتحدة مع إسرائيل، ينطوي على سطحية وضعف استيعاب عند البعض، لكن بروزه بقوة إبان فترة رئاسة جورج بوش الابن وسيطرة المحافظين الجدد في عهده على مراكز صنع القرار أضفى على هذه الفرضية قدرا من الاعتبار والأهمية.

مرة أخرى ليست المصالح وحدها ما يحكم تلك العلاقة، فللبعدين الثقافي والديني دور في رسم السياسة الأميركية في عالم اليوم.

وليس أدل على ذلك مما قاله بنيامين نتنياهو، عندما كان سفيرا لتل أبيب لدى الأمم المتحدة، في فبراير/شباط 1985 في كلمة أثناء صلاة الصبح التي أقامها المسيحيون الأميركيون لإسرائيل، فأشاد بما سماها الزمالة التاريخية بين المسيحيين المؤمنين واليهود لأنها "عملت بنجاح على تحقيق الحلم الصهيوني".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة