رحلة في الكون الفسيح.. الجزء الأول   
الأربعاء 1433/11/4 هـ - الموافق 19/9/2012 م (آخر تحديث) الساعة 17:12 (مكة المكرمة)، 14:12 (غرينتش)
صورة من ناسا توضح توزيع المادة القاتمة والغاز الساخن في قلب مجرة تبعد عنا 2.5 مليار سنة ضوئية (الأوروبية)

فداء ياسر الجندي

وما أدراك ما الكون، يمتد في السعة والكبر إلى ما لا تدركه عقولنا، وفي الصغر والدقة إلى ما لا تستوعبه أذهاننا، وسنذهب بقارئنا العزيز في رحلة خاطفة عبر الكون الفسيح، لتكون تمهيدا لرحلة لاحقة في الكون الدقيق، ونعني بهذا الأخير عالم الذرة.

يجلس أحدنا في مقعده ساكنا هادئا، ولا يدري أنه في مجلسه يتحرك بسرعة خارقة، يصعب على عقله تصورها، وليس ذلك خيالا ولا تهويلاً، بل هي حركات متراكبة لا حركة مفردة، أولها حركتنا مع دوران الأرض حول نفسها، بسرعة تبلغ 1650 كيلومترا في الساعة، فدورة الأرض مسافتها أربعون ألف كيلومتر، تقطعها في 24 ساعة.

ونحن أيضا، نتحرك مع الأرض حول الشمس، والمسافة التي تقطعها الأرض حول الشمس في السنة تقدر بحوالي 950 مليون كيلومتر، وبذلك تكون سرعة حركتنا مع الشمس هي 108 آلاف كيلومتر في الساعة (فقط)!؟

وشمسنا، تدور مع كل كواكبها حول مركز المجرة التي تنتمي إليها، مجرة درب التبانة، بسرعة مقدارها 872 ألف كيلومتر في الساعة، وبهذه السرعة الخارقة، تحتاج الشمس إلى 250 مليون سنة (فقط) لتكمل دورة واحدة حول مركز المجرة، فتخيلوا معي حجم المجرة!.

ومجرتنا ليست ساكنة، بل هي أيضا تسبح في الكون بسرعة يقدرها العلماء بأنها تزيد عن مليوني كيلومتر في الساعة!! يا للهول. 

أبعاد الكون
ما إذن أبعاد الكون الذي تسبح فيه الأجرام بهذه السرعات المذهلة؟

لتقريب الإحابة من الخيال البشري، دعونا نتخيل أننا ركبنا طائرة سرعتها ألف كيلومتر في الساعة، فإنها ستطير بنا من مكة المكرمة إلى دمشق خلال ساعتين، ولكنها تحتاج ستة عشر يوما لتصل إلى القمر، و164 سنة لتصل إلى الشمس، و4.5 ملايين سنة (فقط!) لتصل إلى أقرب نجم للشمس، وتحتاج إلى 16 مليار سنة (فقط!) للوصول إلى طرف مجرتنا درب التبانة، وضعفي تلك المدة للوصول إلى مركزها، ونحتاج إلى 2700 مليار سنة، لتصل إلى أقرب مجرة من درب التبانة، أمدنا الله وإياكم بطول العمر وحسن العمل.

صورة من ناسا لمجرة ngc 1483 التي تبعد عنا 62 مليون سنة ضوئية (الأوروبية)

كل هذه الأرقام المذهلة الهائلة، وما زلنا نتكلم عن مجرتنا وجارتها، أما عدد المجرات المعروفة في الكون، فقد تمكنت المراصد البشرية من رصد أربعمائة مليار مجرة (فقط)، كل منها فيها وسطيا ما يقرب من خمسمائة مليار نجم (فقط). وشمسنا ليست إلا نجما صغيرا في مجرة متوسطة الحجم قياسا لغيرها.

وكان الظن السائد حتى أمد قريب أن الكون  فراغ سحيق تشغل المجرات حيزا بسيطا منه، ولكن تقدم العلم كشف أمرا مذهلا عجيبا، فعندما قام العلماء بدراسة حركة الأجرام السماوية، وجدوا أن المجرات على شكل مجموعات متجاورة متماسكة، تسمى عناقيد المجرات، وقد كان ظنهم أن قوى الجاذبية هي سبب هذا التماسك.

ولكن عندما درسوا قوى الجاذبية الموجودة بين النجوم ودرسوا حركتها ومداراتها وسلوكها وكتلها، والأشعة المنبعثة منها، تيقنوا بالدليل القاطع أن الجاذبية لا تكفي لأن تبقى المجارات متماسكة ضمن عناقيدها، وأنه لا بد من وجود مادة تملأ الفراغ بين المجرات، وتؤدي إلى جاذبية إضافية غير التي يعرفونها، فتعمل وكأنها ملاط أو غراء يمنع تناثر المجرات والنجوم في الكون.

وأنهم لما حسبوا كتلة هذه المادة بناء على الجاذبية التي تنتج عنها، وجدوا أنها خمسة أضعاف كتلة المادة المرئية التي تشكل المجرات وما فيها من نجوم وكواكب وغازات، ولكن هذه المادة العجيبة، التي تيقنوا من وجودها، لأنهم تحققوا من آثارها، لا يعرفون شيئا عن كنهها وطبيعتها وبنيتها، لأنهم لم يتمكنوا من رصدها بأي وسيلة معروفة لديهم، لذلك سموها" المادة القاتمة".

من يفكر في المادة القاتمة، لا بد أن يخطر له قول الله تعالى "أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج"، ليتساءل: هل هذه إشارة إلى وجود تلك المادة التي تسد فراغ الكون، أي فروج السماء، وقوله تعالى "الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها"، هل العمد التي لا نراها والتي ترفع السماء هي إشارة لتلك المادة القاتمة؟ لا أجرؤ على تفسير كلام الله وأحيل هذه التساؤلات إلى العلماء المختصين بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم، ولا يسعنا إلا أن نقول:  سبحان من "أحسن كل شيء خَلَقَه"

تلك كانت رحلتنا السريعة في كون الأفلاك الفسيح، ولنا لقاء قادم بعون الله مع الكون الذري الدقيق.

________________
* كاتب وباحث ومترجم سوري في تقنية المعلومات

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة