كروك: الخيارات التي تواجه أميركا   
الاثنين 12/11/1429 هـ - الموافق 10/11/2008 م (آخر تحديث) الساعة 17:07 (مكة المكرمة)، 14:07 (غرينتش)
هل ستفرض الأزمة المالية على أوباما تعديل خطته الاقتصادية؟ (رويترز-أرشيف)

في ظل الأزمة المالية العالمية الراهنة، ومع فوز باراك أوباما بانتخابات الرئاسة الأميركية، نشرت صحيفة فايننشال البريطانية مقالا لأحد كبار كتابها كلايف كروك يوم 9 نوفمبر/ تشرين الثاني 2008 بعنوان الخيارات التي تواجه أميركا.
 
وفيما يلي نص المقال:
لم يرد أي من المرشحين الاثنين لانتخابات الرئاسة الأميركية (أوباما وماكين) أن يسمح للأزمة المالية العالمية بأن تفرض عليه تعديلا كبيرا لصيغة خطته الاقتصادية.
 
ورغم انكماش أسواق المال وقدوم الركود الاقتصادي، صمدت وعود المرشحين، كما لو أن شيئا لم يتغير، وتم التعامل مع الأزمة كقضية منفصلة.
واستغرق باراك أوباما ثلاثة أيام -من ساعة إعلان نتيجة الانتخابات إلى وقت ظهوره بأول مؤتمر صحفي- ليعيد التفكير في خطته.
 
وفي المؤتمر المذكور، رفض الرئيس المنتخب التأكيد على أنه قد يرفع معدلات الضرائب في الوقت الراهن. فهل تراه يتساءل ما إذا كان منافسه الجمهوري جون ماكين على صواب، في كون الوقت الحالي هو المناسب لرفع الضرائب على أي فرد؟
 
"
هل التخفيضات الضريبية التي وعد بها أوباما لتشمل 95% من الأسر العاملة جزء من الحوافز المالية الجديدة؟
"
أوباما قال أيضا إن التخفيضات الضريبية التي وعد بها لتشمل "95% من الأسر العاملة" ينبغي أن ينظر إليها كجزء من الحوافز المالية الجديدة، لكنه لم يكن قد ذكر ذلك سابقا كسبب لتخفيض الضرائب.

بل على العكس من ذلك، فلقد سبق لأوباما أن أكد أن خطته كانت تتعلق بالإيرادات المحايدة، مما يعني ضمنا أن أي حافز مالي سيكون خطوة تالية.
 
وهناك سؤال بالغ التعقيد بشأن خطاباته في الحملة الانتخابية، بأي من الطريقتين فكر أوباما، لكنه الآن بحاجة إلى إجابة.
 
والسؤال هو: كيف يمكن للإدارة القادمة التوفيق بين الأهداف الطويلة الأجل للاقتصاد مع مقتضيات الأزمة الاقتصادية؟ وإنجاز ذلك بالشكل الصحيح لن يكون أمرا سهلا، بل هو مفتاح النجاح أو الفشل في رئاسة أوباما.


 
ويكمن أحد المخاطر في الفشل بالتفكير بشكل واضح بشأن الأهداف قصيرة الأجل والأهداف طويلة الأجل، ففي حال قصيرة الأجل يلزمنا تحفيزا ماليا كبيرا.
 
وأما في حال الأهداف طويلة الأجل، فإن العجز في الميزانية لا يجب تعويضه من أي طريق كان, ذلك عند الوصول لحال التحفيز المالي، لكن ينبغي تعويضه من الجهة الواقع فيها بذاتها.
 
وإذا ما تم الخلط بين هذين الصنفين من الأهداف، كما هو باد حاليا، فسيسوء الوضع بالبلاد في الحالتين: فعلى المدى القصير سيكون الحافز المالي صغيرا جدا، وعلى المدى الطويل سيكون بطيئا للغاية.
 
والمناقشات حول الحافز المالي التالي قد بدأت، لكن لا تزال الأرقام صغيرة، ويجري الحديث عن مائة مليار دولار, وهذا يشكل نسبة أقل من الحافز المالي الأول الذي سن الربيع الماضي. ويعتبر ذلك أقل بكثير من نسبة 1% من الناتج المحلي الإجمالي.
 
والبيانات الحالية بشأن حالة الاقتصاد مزعجة جدا مقابل هذه الخطوة الخجولة. والمطلوب هو مبلغ خمسمائة مليار دولار للقيام بالتحفيز المالي المطلوب، وهذا بحق يثير المخاوف بشأن التطلعات الاقتصادية بعيدة المدى.
 
ولا يكمن الحل في تقليص الحافز المالي، بل في جعله ممكنا عبر التصحيح الذاتي خلال الدورة الاقتصادية. والقيام بدفعة شاملة مرة واحدة من الاقتطاعات الضريبية قد يناسب الوضع الراهن.
 
فعلمية التحفيز المالي الأولى سبق واتخذت هذا الشكل، وكان أن عملت بشكل جيد، لكن المشكلة في ظل الظروف الحالية، فإن الكثير من الاقتطاعات الضريبة يتم توفيرها بدلا من إنفاقها.
 
وبمقارنة معدلات الضرائب المنخفضة بالاقتطاعات الضريبية، فالأولى هي الأسوأ في هذا الصدد، لأنها لا تقوم بالتصحيح الذاتي.
 
اسألوا الرئيس جورج دبليو بوش، فتخفيضاته الضريبية كانت مقررة لتنتهي عام 2010, ليس لأنه يريد لذلك الأمر أن يحدث، لكن لأنها تخفي خلفها وجه توقعات مالية متدهورة.
 
وأحد الأشياء التي اتفق أوباما وماكين بشأنها، هو أن التخفيضات الضريبية التي قررها بوش (يجب أن تشمل 95% من العائلات العاملة بأي طريقة كانت).
 
وأوباما يمكن أن يفي بوعده بتخفيض الضرائب على المستلزمات المعيشية للأسر (بما يتناسب مع  نص القانون الحالي، بالإضافة إلى مساعدة أخرى لإغاثة الفقراء العاملين).
 
وهذا مفيد للاقتصاد على المدى القصير، وهو ما يعتبره ضرورة سياسية  على أي حال، لكن ذلك سوف يقوض الموقف المالي على المدى البعيد.
 
ويجب الحرص على عدم ترك أي حافز مالي يعقد المشكلة، وعليه ينبغي على الخطة المالية المقبلة أن تضغط بقوة على الإنفاق المؤقت.
 
والمساعدات السخية للعاطلين عن العمل سجلت مستويات أعلى، وهذا بدوره يغذي عملية الاستهلاك، وهو يفعل ذلك بالفعل في الوقت المناسب. وهو ما يساعد الناس الأكثر عوزا أو المحتاجين للمساعدة.
 
وعندما تقل نسبة البطالة في وقت لاحق، ستقل معها الأعباء على  الخزينة، وبافتراض أن فترة ركود الاقتصاد ستطول، فإن الإنفاق على البنية التحتية أيضا سيسجل مستوى أعلى.


 
كما يدعم ذلك بصورة مباشرة العمالة ذات الأجور المنخفضة في قطاعات صناعة البناء والتشييد التي تضررت بشدة، طالما أن المشاريع المرغوب فيها ذات قيمة كاستثمارات عامة.
 
"
اسألوا الرئيس جورج دبليو بوش، فتخفيضاته الضريبية كانت مقررة لتنتهي عام 2010 ليس لأنه يريد لذلك الأمر أن يحدث لكن لأنها تخفي خلفها وجه توقعات مالية متدهورة
"
وبهذا نكون قد شيدنا جسرا (في مكان ما) ليس علينا أن نبقى نبنيه في كل مرة. فإغلاق الصنبور يُعد أمرا سهلا.
 
وعلى جانب الإنفاق، تشكل الاستحقاقات الكبيرة خطرا على المدى البعيد، ما لم يتم فرض الإيرادات اللازمة لدفع تكاليفها في الوقت ذاته.
 
وينبغي أن يرتفع العلم الأحمر، إذا اقترح أوباما اعتبار الإعانات المالية للرعاية الصحية من ضمن الحافز الاقتصادي الذي وعد به.
 
فبقدر ما هو مرغوب في تنفيذ تلك الإعانات، فهي تشكل عبئا ماليا متواصلا، بغض النظر عن حال الوضع الاقتصادي، فطرق توفير تلك الإعانات ينبغي أن تخطط في ذات الوقت.
 
وأما أكبر المخاطر، فهي عندما تأخذ الطريقة الصالحة للتحفيز تحت جناحها مشاريع الإنفاق التي تخلق التزاما ماليا مستمرا، ولا تشكل استثمارا على أساس منطقي، وتمثل هدرا للأموال العامة في الوقت الراهن وفي المستقبل.
 
وطريقة الخروج من المأزق التي يجري البحث عنها حاليا من جانب كبريات شركات صناعة السيارات بالولايات المتحدة في هذا الباب.
 
 فالمديرون والنقابات الذين تآمروا لسنوات لتحطيم شركات صناعة السيارات التي يملكها أميركيون ومقرها الولايات المتحدة، الآن يبحثون عن مساعدات عامة كان ينبغي أن يأخذوها على عاتقهم منذ البداية.
 
كما يبحثون عن مساعدات عامة للحفاظ على أجور ومزايا يحلم أن يتمتع بها العمال المؤهلون في شركات صناعية أخرى.
 
ولماذا يستحق العامل في مصنع سيارات تملكه الولايات المتحدة معاملة أفضل من معاملة أي عامل آخر، أفيدوني.
 
وحين نطلب من العمال الآخرين دفع المقابل لتلك الامتيازات، فكأننا نضيف إهانة جديدة إلى جرحهم. وربما الرئيس أوباما يمكنه توضيح ذلك.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة