هل عادت القبلية إلى تونس؟   
الخميس 25/5/1432 هـ - الموافق 28/4/2011 م (آخر تحديث) الساعة 17:45 (مكة المكرمة)، 14:45 (غرينتش)

تونس كانت تؤكد على أنها مثال ناجح للحداثة (الجزيرة نت)

إيمان مهذب-تونس

ظهر في تونس بعد ثورة 14 يناير/كانون الثاني عدد من الخلافات في مناطق مختلفة من البلاد أثارت -رغم أنها تبدو بسيطة في ظاهرها- العديد من التساؤلات بشأن أسبابها التي قد تكون ناجمة عن ضعف مؤسسات الدولة أو عن العودة إلى نزعة الانتماءات القبلية أو العروشية التي قد تكون عادت من جديد لتمارس دورها في حماية منتسبيها ومصالحهم.

ولئن استنكر العديدون حدوث مثل هذه الخلافات التي أسفرت عن سقوط عدد من القتلى والجرحى فضلا عن تسببها في خلق حالة من الانفلات الأمني، فإن آراءهم اختلفت في أسبابها خاصة وأن الإقرار بعودة النزعة العروشية يعتبر دليلا على فشل مشروع المواطنة والحداثة الذي يروج له منذ خمسين عاما.

إحياء المكبوت
ويرى المؤرخ المختص في تاريخ تونس المعاصر الهادي التيمومي أن ظهور مثل هذه الخلافات مرتبط بالأزمات الحادة التي تقع في التاريخ الإنساني، مشيرا إلى أن ما تعيشه تونس اليوم بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي يظهر المكبوت ويضخّم ما هو ثانوي.

وأضاف التيمومي للجزيرة نت أن "الأزمة تعني أن هناك أطرافا متقابلة لها مصالح متناقضة، ولحسم الصراعات بينها تلجأ إلى كل الوسائل بما فيها إحياء المكبوت وتضخيم ما هو ثانوي ونشر الإشاعات وغيرها".

واعتبر أن ما يحدث في تونس بشأن عودة القبلية مبالغ فيه جدا وأن هناك أطرافا معادية لحركة 14 يناير/كانون الثاني من مصلحتها إثارة مشاكل معيّنة ونسبتها إلى القبيلة والعرش.

إلا أن أستاذ التعليم العالي في اللغة والأدب العربي والناشط النقابي والسياسي المستقل محمد عبد العظيم يعتبر أن ما يحدث في تونس بعد الثورة هو "عودة للقبلية لكن دون مبالغة".

وبيّن عبد العظيم أن الحديث عن العروشية في تونس يقتضي عودة سريعة لتركيبة المجتمع التونسي الذي كان يقوم أساسا على العروش والقبائل، معتبرا أن مسألة الانتماء في الثقافة العربية الإسلامية متأصلة بشكل كبير وأن هذا التأصل يجعلها تظهر كلما جاءت الفرصة واقتضت الظروف الاجتماعية ذلك وإن بدت غير ظاهرة وغير فاعلة.

التيمومي: هناك أطراف معادية للثورة تثير مشاكل معيّنة وتنسبها للقبيلة (الجزيرة نت)
ما بعد الثورة
ويرجع المتحدث ذاته ما يحدث في تونس إلى ضعف السلطة وتفكك بنية الدولة، وبحسب رأيه فإن الحكومات المؤقتة ضعيفة في مقابلة المطالب الشعبية القوية الملحة والمحرجة، لذلك ظهرت تكتلات اجتماعية كان الكل يعتقد أنه تم تجاوزها، واتخذت حركات الاحتجاج في مستوياتها الانتماء إلى الجهة ثم إلى المدينة والعرش.

وفي هذا السياق، قال رئيس قسم الفلسفة بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس صالح مصباح إن العودة إلى النزعات القبلية في تونس هي الشكل التونسي للمطالبة بحق الاختلاف والاعتراف بالفروقات بين الجهات والمجموعات التي تكون الجزء الأهم من السكان.

واعتبر صالح أن الخلافات التي ظهرت في تونس اليوم هي في سياق متصل بما سبق، ففشل نموذج التنمية الذي ساد في الستينيات واشتداد النموذج الليبرالي الجديد في التسعينيات بدأ في الواقع في ترتيب الفروقات القبلية التي تجسدت بطريقة متخفية ومقنّعة أصلها التجمع الدستوري الديمقراطي، بشكل أصبحت فيه تركيبة القبلية مقنّعة بتركيبة تجمعية وجهوية تخضع لمصالح جهة معينة.

ويختلف رأي التيمومي مع الآراء السابقة حيث أنه يعتبر أن الأطراف المعادية للثورة تستغل الشعور بالحرمان لدى الناس لتحويل وجهة نظرهم عن الحلول الحقيقية وإغراقهم في مستنقع القبلية أو الإرهاب الديني، التي هي غريبة عن المجتمع التونسي.

وأوضح أن وسائل الإعلام التونسية سقطت أيضا في هذه اللعبة التي تروج لعودة نزعة القبلية والعروشية في تونس.

عبد العظيم: ما يحدث في تونس بعد الثورة هو عودة للقبلية لكن دون مبالغة (الجزيرة نت)
الدولة الحديثة
وكان الرئيس السابق الحبيب بورقيبة حاول استئصال ما بقي من القبيلة في تونس، وخلال العقود الماضية كانت الدولة تؤكد على أنها مثال ناجح للحداثة.

وأكد التيمومي على أن بورقيبة استأصل بقايا القبلية في تونس، وكان يحذر بصفة متواترة في خطبه من "عودة الشيطان البربري" الذي هو القبلية، التي يرى أنها عائق أمام بناء الدولة.

وفي المقابل يقول مصباح إن "الحقبة البورقيبية روجت لصورة المجتمع العصري والحديث، إلا أن الواقع مختلف عن هذه الحقيقة التي تقدم بشكل مسلم به، والحال أن"دولة ما بعد الاستعمار قد قامت بمجانسة قسرية أو عنيفة للنسيج الاجتماعي بتكوين كيان كان بورقيبة يريد خلقه هو الأمة التونسية، التي كان يريدها مطابقة للنموذج الأوروبي الغربي الذي يرفض الاختلاف والتنوع داخل البلد الواحد".

وأضاف أن القبلية لم تكن يوما موضوع صهر لتكوّن مجتمعا مندمجا وأن الحقبة البورقيبية أنتجت اندماجا اصطناعيا وليس اندماجا عضويا، وأن هذا الاندماج ظل فاعلا بحكم مشروع التحديث والتنمية ومع بدء فشل مشروع التحديث بدأ الاندماج الاصطناعي ذاته في التفكك وكان يكفي أن يسقط نظام بن علي حتى عاد المكبوت القبلي لأغلب الجهات.

لكن عبد العظيم أكد على أن السياسة البورقيبية التي حاولت القضاء على القبلية، عوضتها بالجهوية وخصت الساحل التونسي بحظوة مميزة، مشيرا إلى أن المجتمع التونسي كان يشكو من الجهوية في عهدي بورقيبة وبن علي.

وأوضح أن الخلافات التي حدثت كشفت أن المجتمع التونسي بحاجة إلى بناء النظرة الوطنية الشاملة بطريقة فعلية لا كتلك التي كانت سائدة فقط بالشعارات والممارسة المناقضة لذلك.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة