فن البورتريه إنعكاس لنظرة الأوروبيين لمجتمعاتهم   
الاثنين 1/8/1426 هـ - الموافق 5/9/2005 م (آخر تحديث) الساعة 15:17 (مكة المكرمة)، 12:17 (غرينتش)

نظرة الرأي العام الأوروبي للشريحة التي تمثل النخبة تغيرت عن ذي قبل (الجزيرة نت)

تامر أبو العينين-سويسرا

كشف معرض المكتبة الوطنية السويسرية لصور "البورتريه" عن اختلاف كبير في اختيار المجموعة التي ينظر إليها المجتمع على أنها "النخبة" التي تمثله خلال مراحل مختلفة من قرن كامل، وهو ما ينطبق على أغلب المجتمعات على اختلاف ثقافاتها واهتماماتها.

ومن الواضح من خلال صور هذا المعرض أن البورتريه اعتمد في بدايته على تسجيل الشخصيات ذات الأهمية السياسية والعسكرية والدينية، على اعتبار أنها تمثل هيبة الدولة في الداخل والخارج، وإن كان ذلك لا يفسر اختفاء الابتسامة من على وجوه تلك الشخصيات.

ثم كانت الحقبة التالية في الربع الأول من القرن الماضي، والتي أضافت الاهتمام بنبلاء المجتمع، لاسيما الذين يقدمون أعمالا خيرية أو من داعمي المساعدات الإنسانية وقت الكوارث والحروب، إلى جانب مشاهير العلماء والمفكرين والأدباء والفنانين، ليدخل فيها العنصر النسائي للمرة الأولى، مع غياب الاهتمام تدريجيا برجال الدين.

ويلاحظ أيضا تغيير كبير في مثول الشخصيات التاريخية أمام عدسة الكاميرا، فقادة الجيش مثلا كانوا في مرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولى والثانية يتمتعون بصرامة في تقاطيع الوجه تعكس الاهتمام والقلق الذي كان يسود في تلك الحقبة.

ثم تبدلت تلك الملامح أثناء الحربين الأولى والثانية لتكتسي بنظرات التحدي والثقة، وظهرت الابتسامة للمرة الأولى في صور قادة الجيش في فترة الحرب الباردة وما بعدها، مما يدل على نوع من الاطمئنان وعدم الشعور بالخطر.

انعكاس للمجتمع
"
الأدباء والمفكرون والموسيقيون تغيرت ملامحهم من الهدوء والتأمل في الربع الأول من القرن الماضي إلى الشك وعدم الثقة في أعقاب الحرب العالمية الثانية
"
أما الأدباء والمفكرون والموسيقيون فكانت ملامحهم في الربع الأول من القرن الماضي توحي بالهدوء والتأمل، بينما تغيرت ملامح الجيل الذي ظهر في أعقاب الحرب العالمية الثانية، فبدا المفكرون بنظرات توحي بالشك وعدم الثقة.

وهذا الأمر يعكس نوعية المذاهب الفكرية التي ظهرت في تلك الحقبة، والتي تأثر بها الأدباء أيضا وانعكست على مظهرهم الخارجي، فأغلبهم لم يهتم بتصفيف شعره أو بالظهور بالملابس الرسمية أمام عدسات المصورين، كأنهم يريدون الظهور بشكل أقرب إلى الواقعية أو كدعوة للتمرد على التقاليد الاجتماعية السائدة في تلك الفترة.

كما بدا الاهتمام كبيرا بنجوم الموسيقى، فبدا نجوم الجاز أكثر أناقة من موسيقيي البوب والروك الذين لا يظهرون إلا بملابسهم المهلهلة مع عدم اهتمامهم بالمظهر العام.

شرائح مختلفة
في المقابل ظهر الاهتمام بشريحة جديدة تمثلت في الاهتمام بحرف ومهن مختلفة، مثل صورة "أشهر طباخ" و"أهم مصفف شعر" و"مصممة أزياء" أو أبرز صانع عطور أو أحذية، كما برز التركيز على صور لنجوم الرياضة، في حين تضاءل الاهتمام بالساسة واختفت صور رجال الدين تماما، مع بداية التركيز على كبار رجال الاقتصاد.

وينتهي المطاف في القرن الحادي والعشرين، ليركز البورتريه اهتمامه على عارضات الأزياء وملكات الجمال واهتمام متزايد بأكثر الرجال ثراء أو أوفر السيدات مالا، أو بمن ينادون بما هو غير مألوف عن العرف السائد، ويقدمهم فن البورتريه في صورة غير مألوفة.

وعندما ينتهي الزائر من جولته في هذا المعرض الذي يتنقل بين عقود قرن مضى ويدخل إلى القرن الجديد، يكتشف أن نظرة الرأي العام الأوروبي تغيرت كثيرا في رؤيته للشريحة التي من المفترض أنها تمثل "النخبة" التي تعكس اهتماماته، فمن كبار الساسة وقادة الجيش ورجال الدين، أصبح


المثل الأعلى ينصب على ملكات الجمال وعارضات الأزياء وأكثر الناس ثراء، أما أهل الفكر والعلم والثقافة فلا مكان لهم إلا في الأرشيف أو على أرفف الكتب.
ــــــــــــــــ
مراسل الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة