مناطق أفريقيا المتمردة والتدخلات العسكرية   
الجمعة 1434/3/21 هـ - الموافق 1/2/2013 م (آخر تحديث) الساعة 13:40 (مكة المكرمة)، 10:40 (غرينتش)
جنود فرنسيون عند نهر النيجر في مدينة غاو شمالي مالي (الفرنسية)

"الفرنسيون حرروا تمبكتو". عبارة تبدو وكأنها عنوان لخبر من عصر الإمبريالية. لكنها في حقيقة الأمر تعبير عن حلقة من سلسلة الصراعات والتدخلات الحديثة العهد في القارة الأفريقية.

هكذا استهل الكاتب الصحفي والباحث الأميركي مايكل جيرسون مقاله الذي كتبه في صحيفة واشنطن بوست بعنوان "مناطق أفريقيا المتمردة".

وعدَّد جيرسون التدخلات الغربية في أفريقيا، واصفاً "عملية سيرفال" الفرنسية في مالي بأنها أعاقت تنظيم القاعدة والمنتمين إليه في شمالي تلك الدولة الواقعة غربي أفريقيا.

وقال إن المقاتلات الأميركية وفرت الدعم لعملية إنقاذ الرهائن الفرنسيين التي باءت بالفشل في الصومال، مشيرا إلى أن فرنسا انتهت للتو من تدخل "ناجح" لمنع وقوع حرب أهلية في كوت ديفوار.

واشتبكت القوات الأوغندية -المدعومة لوجيستياً واستخبارياً من الولايات المتحدة- مؤخرا مع جيش الرب للمقاومة شمال بلدة جيما في جمهورية أفريقيا الوسطى. وتعتزم الأمم المتحدة اقتراح زيادة قوات حفظ السلام شرقي الكونغو بنحو 2500 جندي، بعد أن أجاز لها مجلس الأمن استخدام طائرات بدون طيار هناك.

كل تلك العمليات تأتي في سياق التحدي الإستراتيجي المتمثل في وجود ما سماه جيرسون "الفراغ السيادي". وثمة مناطق بأكملها تفتقر إلى حكومة عادلة وفاعلة، وهي مناطق اُلحِقت عَرَضاً أحيانا ضمن حدود دولة بعينها حسبما اقتضته خرائط المستعمِر.

وتستقطب تلك الأجزاء من العالم -ويعني بها جيرسون شمالي مالي والكونغو والصومال والحدود الأفغانية/الباكستانية وغيرها- عناصر "غير مرغوب فيها"، كالمسلحين وأمراء الحروب و"الإسلاميين المتطرفين".

مايكل جيرسون:
ليست كل حرب أهلية تفرز فراغا سيادياً، ومع ذلك فإن الحروب الأهلية الطويلة والقذرة قد تفعل ذلك بكل تأكيد، ولعل صوملة الأزمة في سوريا خير شاهد على ذلك

ولا تكتفي هذه العناصر في الغالب بالتسبب في كارثة إنسانية محلية فحسب، بل إنها تصبح مُصَدِّرة للمشاكل، مثل تدفقات اللاجئين والنشاط الإجرامي، وزعزعة الاستقرار الإقليمي، والمختطفين الذين يقودون الطائرات التي تصطدم بالمباني.

ومع أنه ليست كل حرب أهلية تفرز فراغا سيادياً، فإن الحروب الأهلية الطويلة والقذرة -حسب تعبير كاتب المقال- قد تفعل ذلك بكل تأكيد، ولعل صوملة الأزمة في سوريا خير شاهد على ذلك.

إن هذه المشكلة المتمثلة في فوضى محلية تنجم عنها تحديات عالمية، وينتج عنها أيضا "انفصام جيوسياسي"، على حد وصف المقال. فمن السهل انتقاد التدخل باعتباره شكلا من أشكال الاستعمار الجديد، والإمبريالية والتسلط العسكري.

ثم كان أن حدثت اغتصابات لنساء البوسنة والكونغو بالجملة، ولقي مئات الألوف من التوتسي مصرعهم بالمُدى والآلات الحادة. وقبل هذا وذاك أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 في الولايات المتحدة، بحسب المقال.

إن التدخلات العسكرية المباشرة أمر شائع، فالفرنسيون وحدهم أقدموا على 46 تدخلا في مستعمراتهم الأفريقية السابقة ما بين 1960 و2005، لكن نتائجها تباينت. وبريطانيا أعادت الديمقراطية إلى سيراليون في عملية عسكرية عام 2000. وانتهت عملية "استعادة الأمل" الأميركية في مقديشو عام 1993 إلى خيبة أمل.

ويرى جيرسون في قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة بديلا آخر لسيادة الدول، حيث يتمتع أصحاب الخوذات الزرق على الفور بشرعية ومصداقية. غير أن القوات الأممية تؤدي أداء أفضل بكثير عندما يتعلق الأمر بحفظ سلام قائم أكثر من إرساء النظام من رحم الفوضى.

ولمنظمات الأمن الإقليمي -مثل الاتحاد الأفريقي والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا- الإمكانيات، لكن تعوزها القدرة اللوجستية. لذلك فإن الولايات المتحدة تتدخل غالبا عبر دعم أطراف بالوكالة، كالقوات الكينية والإثيوبية واليوغندية في الصومال، والقوات اليوغندية في ملاحقتها جيش الرب للمقاومة.

وخلص الكاتب إلى أن الأميركيين تستهويهم الحلول التكنولوجية للمشكلات السياسية، حيث تشن الطائرات بدون طيار غارات على أهداف في الصومال واليمن، مشيرا إلى أن من شأن ذلك أن يفرض شكلا واحدا من أشكال النظام، ألا وهو القضاء على مكامن خطر محددة، لكنه لا يشجع على إرساء الاستقرار السياسي أو تحسين الظروف المحلية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة