أمير تاج السر: النص ينتصر على إرادتي   
السبت 1435/3/17 هـ - الموافق 18/1/2014 م (آخر تحديث) الساعة 14:28 (مكة المكرمة)، 11:28 (غرينتش)
تاج السر: لا أنحاز لأي شخصية من شخصياتي مهما كانت درجة كثافتها في النص (الجزيرة)
حاوره/ عبد الرزاق بوكبة
 
بعد أكثر من خمسة عشر رواية، كرس أمير تاج السر نفسه قامة روائية كبيرة في السودان وعلى الصعيد العربي، بدأ بـ"الأحزان الكبيرة" شاعرا ليغادر إلى فضاءات السرد الأرحب، غير متهيب من اسم خاله الطيب صالح الذي حجب بعبقريته وفرادته على تميّز التجربة السردية بالسودان.
 
يصرّ  تاج السر -الذي تستقبله البوكر للرواية العربية للمرة الثانية في لوائحها من خلال روايته "366"- على أنه من النوع الذي يخضع لشخصياته، وهو يكتبها، ويعترف بأنه ترك الشعر الذي بدأ مساره الإبداعي بكتابته، بحثا عن التميز الذي لم يحس به شاعرا.
 
يقيم صاحب "صائد اليرقات" منذ فترة في الخليج العربي، الذي يرى أنه فضاء محفز على الإبداع،  ومجال الطب الذي تخصص فيه لم يمنعه -وربما حفزه- من نسج تجربة روائية مميزة تتناسل فيه الشخصيات والفضاءات والأطروحات في قوالب فنية محكمة البناء.
 
الجزيرة نت التقت الكاتب والروائي السوداني بمناسبة ترشح روايته "366" للقائمة الطويلة للبوكر، وأجرت معه الحوار التالي عن تجربته الإبداعية.
 
كان ديوان "أحزان كبيرة" أول إصداراتك ثم انقطعت إلى الرواية، هل اكتشفت أن الرواية هي الحضن الأمثل للأحزان الكبيرة؟

- حين كنت أكتب الشعر كنت أحس نفسي فردا داخل أوركسترا كبيرة تعزف نفس اللحن، صحيح أنه كانت لي مفرداتي الخاصة التي أستخدمها، وطريقتي في صياغة الجملة الشعرية، لكن لم أكن أحس بتميز كبير، ثم إنني من أسرة حكّاءة، وكنت أكتب قصائد أشبه بالسرد أو المواقف المحكية.

بدأت الشعر منذ تعلمت القراءة والكتابة، واستمررت حتى نهاية دراستي الجامعية، ثم وأنا في السنة الأخيرة في مصر جربت كتابة السرد، وكانت لي رواية صغيرة اسمها "كرمكول"، كتبتها ونشرتها في مصر، وكانت محتشدة بالصور الشعرية، لكنها نجحت وكتب عنها كثيرون في ذلك الوقت.

غلاف رواية 366  المرشحة ضمن القائمة الطويلة لبوكر العربية (الجزيرة)

بعد ذلك انقطعت عن الكتابة وعدت إليها عام ١٩٩٦، حين استقربي المقام في دولة قطر، وبمرور الوقت كتبت روايات عديدة، فيها بصمتي الخاصة، أي أن الرواية حققت لي تميزا ما، وأصبح لي نهجي في كتابتها.

هذا النهج بالطبع يعجب البعض ولا يعجب البعض الآخر، لكني مؤمن بتجربتي وأنني قدمت شيئا أرضاني شخصيا، على أنني لم أتخل عن الشعر نهائيا، فما زالت لغتي تأخذ منه الكثير، إضافة إلى أنني أكتب قصائد داخل الروايات أحيانا، مثل أغنيات المغني أحمد ذهب، في رواية "زحف النمل"، وبعض القصائد التراثية في روايات أخرى، وهكذا تجد أن الشعر أفادني كثيرا في تجربتي النثرية.

لا تغادر "بقعة إيهام القارئ" في رواياتك، فلا يدري هل هي حقيقة أم خيال، كيف تسعفك تجارب الحياة في الرواية؟

- أنا أميل إلى كتابة رواية موازية، أي رواية تأخذ من الواقع وتستمر بالخيال. في رواياتي التاريخية مثل "توترات القبطي" و"مهر الصياح"، أخذت بعض المعطيات التاريخية وبنيت عليها، واستخدمت الأساطير والميثلوجيا الشعبية، وفي روايات معاصرة مثل "صائد اليرقات" و"العطر الفرنسي"، أخذت من الواقع وبنيت عالما شبيها به.

هذا النوع من الكتابة يتماشى مع رغبتي ويمنحني طرقا عدة للكتابة، وهي طريقة أقرب للواقعية السحرية، المهم أنها الطريقة التي ولدت مع كتابتي واستمرت معها. ليس كل القراء يتفاعلون مع هذه الطريقة التي ربما يجد فيها البعض غرابة، خصوصا مع القارئ الذي تعوّد على نوع معين من الروايات، مثل الروايات الواقعية الصرفة، وتلك المكتوبة بلغة كلاسيكية.

أميل إلى كتابة رواية موازية، أي رواية تأخذ من الواقع وتستمر بالخيال

في النهاية كل طرق الكتابة تعثر على قارئها وهناك من يتفاعل معها، ولو سألتني كقارئ للأدب، تجد عندي مثل هذه الآراء، فأنا أتذوق أيضا نوعا معينا من الكتابة ولا أتذوق أنواعا أخرى، مهما كانت ناجحة وشعبية ورائجة، وتجدني هنا لم أتفاعل مثلا مع تجربة "باولو كويلو" التي تفاعل معها معظم القراء في العالم.

لكل رواية من رواياتك "بطلها" الذي يرسخ في ذهن قارئك بسبب تركيزك عليه، هل يجوز للروائي أن "ينحاز" في نظرك؟

- لا أنحاز لأية شخصية من شخصياتي مهما كانت درجة كثافتها في النص، ومهما حملت من محاسن أو عيوب. أنا أكتب الشخصية واستمر في كتابتها، ولا أستطيع أن أغير مصيرها الذي أرادته الكتابة بأي شكل.

في العادة أتركها تمضي، وقد حاولت مثلا أن أغير مصير "الرزينة نظر" في "مهر الصياح"، ولم أستطع، وكذلك "المرحوم" في "366"، وكان من الممكن أن أجعل "عبد الله فرفار" كاتبا روائيا، في "صائد اليرقات"، لكن النص كان يسير في اتجاه عكسي، وهكذا انتصر النص على إرادتي.

كيف لرواية تنضح عاطفة وعشقا، أن تحمل "رقما جافا" عنوانا لها؟ أقصد روايتك "366"؟


- إنه العنوان الذي أراده الراوي -سنة كبيسة من العشق كما وصفها- كان اسم الرواية في البداية: رسائل المرحوم، ثم غيرت التكنيك الكتابي بحيث أصبحت رسالة واحدة، وليس رسائل كما خططت في البداية.

لا أترك مسافة بيني وبين الحاضر، هناك روايات كتبت في هذا الزمان مثل "العطر الفرنسي" و"تعاطف" و"صائد اليرقات" و"زحف النمل" كل رواية تأتي بفكرتها وعالمها وزمان وجودها

إضافة إلى ذلك دائما ما أحاول التجديد في عناوين رواياتي، وشخصيا أرى الاسم جاذبا وربما يحفز القارئ على اكتشاف ما وراء هذا الرقم. ربما أكون مخطئا في ذلك، فقط أردت القول إنه الاسم الذي رأيته ورآه الراوي مناسبا لهذه الرواية.

تناولت الرواية أجواء نهاية السبعينيات، بما فيها الأجواء السياسية، لماذا تترك دائما مسافة بينك وبين المرحلة التي تكتب عنها؟

- لقد ذكرت في بداية الرواية أنني عثرت على الرسائل في نهاية السبعينيات، حين كنت تلميذا في المدرسة الثانوية، وهي بالطبع كتبت في تلك الفترة، وكان لا بد أن أكتبها كذلك.

حقيقة لا أترك مسافة بيني وبين الحاضر، هناك روايات كتبت في هذا الزمان مثل "العطر الفرنسي" و"تعاطف" و"صائد اليرقات" و"زحف النمل" كل رواية تأتي بفكرتها وعالمها وزمان وجودها.

لم يكفّ السودان عن تزويد المشهد العربي بأسماء روائية قليلة لكنها وازنة، كيف تقرأ المشهد الروائي في السودان اليوم؟

- المشهد الروائي السوداني بخير، ومتطور أسوة بكل المشاهد العربية في هذا الشأن، والآن لدينا كتاب من أجيال مختلفة يكتبون جيدا، ويشاركون في تطور الكتابة العربية، وبعضهم حقق شهرة جيدة.

تقيم في الخليج العربي، وتحتك بتجاربه الجديدة في الرواية، هل تراها إضافة للرواية العربية؟


- تثبت منطقة الخليج كل يوم جدارتها في الآداب والفنون، وكانت مهمشة كما همشنا نحن من قبل، وأنت كمتابع الآن تستطيع رصد العشرات من كتاب الرواية والشعر والقصة، من دول الخليج، يلمعون بشدة في المشهد الكتابي العربي، ويقدمون بيئاتهم إلى القراء، أسوة بغيرهم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة