"موزاييك".. تطبيع موسيقي عبر الأردن   
الاثنين 1432/2/6 هـ - الموافق 10/1/2011 م (آخر تحديث) الساعة 22:24 (مكة المكرمة)، 19:24 (غرينتش)
من نشاطات فرقة موزاييك (الجزيرة نت-أرشيف)


محمود منير-عمّان
 
"ثمة أمور عالقة بيني وبين شركائي الإسرائليين"، يقول الموسيقي الأردني جميل سرّاج في اتصال هاتفي أجرته معه الجزيرة نت. وهي مكالمة من عدة مكالمات هاتفية طوال أسبوعين للحصول على موعد لإجراء مقابلة صحفية مع سرّاج باءت بالفشل لأسباب تغيرت بين مكالمة وأخرى.

فهو يتحدث عن "توقف طبيعي" لنشاطات "موزاييك" الذي يضم موسيقيين من الأردن وفلسطين وإسرائيل، وعن استئنافها قبل حلول الصيف المقبل، ثم عاد سراج وأشار إلى "تجميد" المشروع بسبب الاختلاف مع الشريك الإسرائيلي حول نظرته لمجمل القضايا العربية ومنها القضية الفلسطينية، على حد وصفه.

سرّاج، الذي يرفض لسبب غير مفهوم التحدث إلى وسائل الإعلام، عاد ووجه دعوة للجزيرة نت لحضور اجتماع أعضاء "موزاييك" في وقت لاحق، وإن بدت مجرد "ذريعة" للتهرب من الحديث عن مشروعه الموسيقي، حتى إنه رفض الإجابة على أسئلة "عادية" تتعلق بتاريخ انطلاق المشروع ومجموع الحفلات التي أقيمت سواء في الأردن أو إسرائيل أو خارجها، وعن مستقبل موزاييك وأهميته الفنية.

تشير لي زيف، وهي مواطنة إسرائيلية، تسكن شارع فيتامار في مدينة هرتسليا، وتعد إحدى ناشطات المنظمات غير الحكومية في المجال الثقافي وفي موقع "أنا ليندا الأورومتوسطية للحوار بين الثقافات"، وهي تشير إلى أنها أسست موزاييك مع سرّاج في العام 2009 بعد فترة من لقائهما خلال المؤتمر السادس لـ"مبادرة الأديان المتحدة.. منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" (يو أر آي) الذي انعقد في أكتوبر/تشرين الأول 2008 في مدينة إربد الأردنية.

"البحث عن تمويل" هو التحدي الوحيد، كما تقول زيف، التي ذكرت حلقتي عمل نظمهما "موزاييك" وهما "الموسيقى كأداة للمصالحة" أو "الموسيقى كتواصل لاعنفي"، وأن شركاء مشروعها الرئيسيين هم أوري "مبادرة الأديان المتحدة" ومشروع السلام "صلحة" الذي يجمع شبابا من الأردن والسلطة الفلسطينية وإسرائيل.

الإسرائيلية لي زيف والأردني جميل سراج مؤسسا مشروع موزاييك (الجزيرة نت- أرشيف)
كسر الحواجز
"كسر الحواجز بين الأديان والأمم من خلال لغة الموسيقى" يبرز كهدف رئيس لـ"موازييك" من دون إشارة أو التفات إلى "احتلال وإحلال إسرائيل" في المنطقة العربية، و"البحث عن الإلهام من جذور الأرض وشعبها" يبدو شعارا "فضفاضا" يمارس "تعمية وتضليلا" عن ماهية هذه الجذور ومن هو الشعب المقصود.

ومن جهته يتحدث الناشط السياسي والكاتب الأردني هشام البستاني عن انطلاقة "موزاييك" في الاجتماع الذي جمع زيف وسرّاج في غور الأردن بعد شهرين من ختام مؤتمر "مبادرة الأديان المتحدة" بصحبة 10 موسيقيين من الأردن وفلسطين وإسرائيل، فتشكل موزاييك بشكل رسمي وانطلق بقوة.

ويضيف البستاني "اجتمع في مارس/آذار 2009 في بلدة شطنا شمال الأردن عشرون موسيقيا لمدة خمسة أيام كانت حصيلته تسجيل ثلاث أغانٍ وحفلة في عمّان، ثم اجتمعت المجموعة في أبريل/نيسان 2009 في سيناء بمشاركة أردنية مصرية فلسطينية إسرائيلية، وبعدها التأم شمل الموسيقيين مرة أخرى في سيناء في أكتوبر/تشرين الأول 2009 بمشاركين من نفس البلدان مضافا إليها لبنان، ليخرج المشاركون المفعمون بـ"الحب" بتسجيلين جديدين".

ويلفت البستاني إلى مشاركة "الموزاييكيين" –كما يسمون أنفسهم- في المؤتمر السابع لـ"مبادرة الأديان المتحدة.. منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" الذي انعقد في ديسمبر/كانون الأول 2009 في مدينة مادبا وقدموا ورشة عن "الموسيقى كأداة للتصالح والتواصل غير العنيف" لمشاركين من العراق ولبنان وإسرائيل والأردن وفلسطين والجزائر ومصر والمغرب ودبي، حسب قوله.

تجميد المشروع
"تجميد المشروع" أو "الاختلاف حول وجهات النظر من القضايا العربية"، بحسب سرّاج، زامنه تعطيل تدريجي لموقع موزاييك الإلكتروني، إذ لم يعد ممكنا الاطلاع على الصور التي تغطي نشاطات أعضاء المشروع، وكذلك تعطل الدخول إلى عدد من المواد الصحفية المنشورة حول فكرة ونشاطات موزاييك، والحال نفسه بالنسبة لأعمال الفرقة والراعين.

الكاتب والناشط الأردني هشام البستاني 
(الجزيرة نت )
ملاحظة أخرى يجدر الالتفات لها هي عدم مشاركة سرّاج والمشاركين الأردنيين في نشاطات أو فعاليات موسيقية أو ثقافية في الأردن، والاكتفاء عن "قصد" أو من "باب المصادفة" بممارسة إبداعهم في "تفاعل ثقافي" مع إسرائيليين.

يعلّق البستاني على عنوان إحدى ورشات المشروع "التطبيعي" وهو "الموسيقى كأداة.."، بقوله "نفهم بوضوح أن الفعل الإبداعي لدى هذه الجماعة ليس مقصوداً لذاته على الإطلاق، إنما هو مجرد أداة أو وسيلة للتطبيع المباشر والواضح. لا تخفي لي زيف، المؤسسة الإسرائيلية للمشروع، ذلك خصوصاً إذا علمنا أنها تدير مبادرة "صُلحة" المخصصة لـ"جمع قلوب أبناء إبراهيم في أرض إسرائيل".

ويورد البستاني مقولة زيف "لقد قررنا منذ البداية أننا لن نعمل مع موسيقيين محترفين أو معروفين. نحن نريد أناسا يحبون الموسيقى ويريدون التواصل من خلال الموسيقى".

من جهة أخرى تصف كارين كلوستيرمان فرقة موزاييك في موقع "إسرائيل القرن الواحد والعشرون" بأنها "أول فرقة متعددة الأديان ومتعددة القوميات في الشرق الأوسط ستضع تركيزا أكبر على الجزء الصانع للسلام من الموسيقى بدلاً من حرفية الموسيقى". كما نجد ضمن أهداف موزاييك مواضيع مثل نقل "رسالة الوحدة والتصالح والسلام" للمجتمعات المحلية في المنطقة، كما أن تجمعاتها تأخذ شكل دوائر الحوار والورش حول "النزاع" و"قصص التحوّل" وما إلى ذلك.

"
موزاييك يشمل أفرادا من بلدان في حالة عداء مع إسرائيل مثل لبنان وإيران، وبلدانا ليست لها علاقات دبلوماسية واضحة معها مثل الجزائر والإمارات

هشام البستاني
"

دعم غزة
"دعم الشعب الفلسطيني في غزة"، عبارة تتكرر في عدد من مبادرات السلام الإسرائيلية، وهي تشير لها أيضا كلوماستيرمان في حديثها عن أهداف موزاييك، لكن هذا الهدف لم يتحقق، ويبدو "وصفة جاهزة" يقدّمها "صانعو السلام" بغية التورية على أهدافهم الحقيقية.

البستاني يؤشر على مسألة مهمة وهي أن نشاط موزاييك يشمل أفراداً من بلدان في حالة عداء مع إسرائيل مثل لبنان وإيران، وبلدانا ليست لها علاقات دبلوماسية واضحة معها مثل الجزائر والإمارات، لذلك فهي تشكل اختراقا سياسياً وأمنياً لهذه البلدان، حسب تعبيره.

كما أن التزوير الموسيقي الذي يمارسه المشروع بتقديمه صنفا من الموسيقى اسمه "الموسيقى الشرق أوسطية"، وعزف ما يسميه المشروع "أغان قديمة تم توارثها منذ آلاف السنين بالعبرية والعربية.. الخ"، يجعل من الكيان المغتصب "إسرائيل" جزءاً أصيلا من المنطقة لا سياسيا فحسب، بل تاريخيا وتراثياً وثقافياً أيضا، وفق البستاني.

يبقى القول أخيرا إنه بين التكتم وعدم الرغبة بالظهور في وسائل الإعلام، وبين البحث عن موسيقيين "غير محترفين"، أسئلة عدة تثار حول طبيعة هذه المشاريع الثقافية التي "تنتقي" أهدافها وأعضاءها وتوقيت انطلاقها وحتى توقيت "تجميدها" أو "نهايتها".
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة