عبد القادر بلبشير.. فن أصيل ضد التغريب   
السبت 21/10/1435 هـ - الموافق 16/8/2014 م (آخر تحديث) الساعة 12:55 (مكة المكرمة)، 9:55 (غرينتش)

نزار الفراوي-الرباط

في الساحة الكبرى لمدينة السعيدية الساحلية (شمال شرق المغرب)، تتوقف الأقدام التي تذرع الكورنيش المزدحم بزوار الصيف المتوسطي للمدينة عند زاوية مزهوة بفتنة الألوان، تحتضن معرضا مفتوحا للفن التشكيلي تؤثثه لوحات الرسام عبد القادر بلبشير.

نافذة تأملية وجمالية هادئة يشرعها هذا المعرض المفتوح على مدار اليوم، ليلا ونهارا، في فضاء طبعته عبر سنوات سمة الصخب الموسمي البحري واليوميات المكرورة لحركة الاصطياف والاستهلاك المادي والرمزي الملازم لها في مكان يستحق لقب "جوهرة المتوسط".

قد تستسهل النظرة الأولى للمصطاف العابر قيمة الأعمال المعروضة بانطباع التشابه مع الحركة العادية لبيع لوحات مقلدة أو تصويرية بسيطة تعجُّ بها شوارع المدن، غير أن التوقف مليا عند اللوحات المتعددة الأشكال والأحجام والأساليب، سرعان ما يكرس القناعة بأن الأمر يتعلق بأعمال تشكيلية حقيقية لها أصالتها ومرجعيتها الناظمة.

انتصار صغير ذلك الذي حققه الفنان الشاب وهو يقنع السلطات البلدية بفكرة فتح ركن داخل الساحة الرئيسة للقلب السياحي النابض من أجل إقامة معرض فني يمنح المدينة بعدا آخر، ذلك أن إقناع مسؤول محلي بمشروع لا يدخل في خانة الحسابات التدبيرية المعتادة أمر ليس بيسير.

الفنان يقف أمام صورة "ميمون ليزا" التي يتعرض فيها بسخرية لرائعة دافينشي (الجزيرة)

الفن والجمهور
يحاول الفنان العصامي اليوم استغلال هذه الفرصة إلى أقصى حد، ليس فقط على مستوى تسويق رسوماته على أوسع نطاق جماهيري، بل أيضاً لتجسيد منظوره الخاص للفن وسوقه وعلاقة المنتج الفني بالجمهور.

ومع أنه لا يخفي سعادته بالإقبال المشهود على اقتناء لوحاته من قبل جمهور متنوع الشرائح، فإن سعادته الكبرى تتحقق بتواصله المباشر والتلقائي مع عابرين يضعونه أمام اختبار فوري لقدرته على كسبهم كجمهور محتمل لتجربته. فبلبشير لا يعنيه ولوج مسالك العرض في الفضاءات المغلقة والأروقة النخبوية والدوائر الحاضنة للنقاشات العالمة والخطابات المتعالية التي لا تخلو من مواقف بروتوكولية ونفاق فني وشللية محصورة الأسماء. 

وقد رفض دعوات لخوض مثل هذه التجارب بإغراء بيع لوحات بأرقام فلكية، لكنه أبى الانصياع لمنطق المضاربة وأحابيل أخطبوط "مافيا الإبداع". وها هو يعرض لوحات لا يزيد سعر أغلاها كثيرا على مائة دولار.

يرسم للناس -على حد قوله- ويصنع على اللوحة شكلا وفكرة تخاطب مرجعية جماعية لها قيمها وتعبيريتها. يرسم عبد القادر بلبشير أبواب المدن التاريخية وأسراب الخيول والمشاهد الطبيعية وقسمات لوجوه تشبه من يعيش بينهم. ويفضل الاشتغال على القماش بخلفيات سوداء. ويطرح العمل على الأسود بالنسبة إليه تحديا مضاعفا في صنع المفارقة بين الضوء والحلكة وتوليد الألوان.

الفن المرتبط بالهوية هو رسالة التشكيلي بلبشير التي يقدّمها لزوار معرضه (الجزيرة)

الهوية أولا
لم يلج معهدا للتكوين الأكاديمي، بل اعتمد على موهبته وطورها بمجهود شخصي مطلعا على تاريخ الفن والكتب المتخصصة، وله اليوم ثلاث ورشات، ويترأس جمعية "الفتح" للفنون التشكيلية في مدينة وجدة (شرق) ويطمح إلى المساهمة في تشكيل تيار فني محلي في المغرب الشرقي، يناهض -على حد قوله- طابع التغريب الذي يسم أعمال فناني المعارض المعروفين وخريجي المعاهد الأكاديمية التي تروج في نظره لمنظور أحادي غربي يغيب إشكالية الهوية. إنها الإشكالية التي تحضر بقوة في جانب من لوحات الفنان التي يتحاور فيها الخط العربي مع استعمال تجريدي للألوان والحركات، يستقبل بأشكال مختلفة حروفا متحررة أو مقاطع شعرية أو آيات قرآنية.

"ليس هناك فن من أجل الفن".. يقول بلبشير إنه معني بإنتاج أعمال تخاطب عقل شاب أو طفل وتقدم له صورا لها دلالة في الحس الجماعي للأمة، وتحرك فيه وازع ربط الصلة مع تراث حضاري عريق، مضيفا أنه ليس مضطرا إلى رسم امرأة مكشوفة المفاتن حتى ينتزع اعترافا من أوساط فنية لم تخرج من عباءة التجارب الغربية.

كما لو أنه يتهكم على المرجعية التشكيلية الغربية بمحاكاتها، في زاوية المعرض تنتصب لوحة هي الأشهر باستقطابها لفضول المارة فلا تلبث أن تتحول إلى موضوع للتفكه والتأمل. "موناليزا" ليوناردو دافينشي تحولت لدى بلبشير إلى ميمون ليزا (ميمون اسم شائع في المنطقة). وجه رجل كث الشارب والشعر بملامح حادة تميز أبناء المنطقة الشرقية، لكن بخطوط وحركة فرشاة تحيل إلى رائعة الفنِّ العالمي.

لا يريد عبد القادر بلبشير أن تبقى تجربته معزولة، وهو يؤطر في معرضه بالسعيدية سبعة فنانين مبتدئين شرعوا يخطون مساراتهم الخاصة وفق الرؤية نفسها. ويطمح من خلال هذا المشروع الفتي أن يشق رافدا جديدا في نهر التشكيل المغربي، بهمٍّ تربوي ووعيٍ حضاري.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة