النجار: في يازور لم تحدث معركة حقيقية   
الثلاثاء 1429/5/16 هـ - الموافق 20/5/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:21 (مكة المكرمة)، 12:21 (غرينتش)
النجار: العدو يهدد باحتلال أجزاء
أخرى من العالم العربي (الجزيرة نت)
محمد حرب النجار

دعنا نتكلم بصدق، عام 48 أتى مختار الكبانية اليهودية المجاورة لبلدتنا واسمه غزال وقال أنصح ألا تخرجوا من القرية وإذا بقيتم فإننا لن نؤذيكم، كل في أرضه وفي داره. ورفض أهل البلدة هذا الكلام واستعدوا للمقاومة.

وفي اليوم الثالث من هذا الكلام دخلت عصابة "الهاغانا" حيث دخلوا المنطقة بالمدرعات والرشاشات من الجهتين الغربية والشمالية، وأذكر أن الحاج علي القط من الأسماء التي قاومت ولم يستطع المتابعة لأن هناك أسلحة أكثر تطورا من البارودة.
 
وأيضا أخي عبد القادر محمد حرب قاوم لكنهم ألقوا عليه قنبلة مما أدى إلى أن تطير مقدمة البارودة التي في يده، وعبد السميع عبد ربه، هذا الرجل خرج عليهم وجها لوجه في منتصف الشارع أطلق عليهم النار فتراجع اليهود لفترة وجيزة ثم عادوا مرة أخرى، ولم يكن هناك مقاومة لأنه لا يوجد أي تكافؤ في السلاح.

البلد جميعها خرجت إلى قرية المسمية، أنا أدرك أن اليهود كان قصدهم من هذه الغارات تخويف الناس وإرهابهم ليتركوا قراهم وبيوتهم وقد استطاعوا ذلك واحتلوا البلد. ولم يسقط أي من المقاومين.

أما بالنسبة للمعركة بشكلها الحقيقي فلم تحدث بكل بساطة لأنه لا يوجد لدينا سلاح فالبارودة الوحيدة بحوزتنا أحضرناها من مصر بأربعين جنيها فلسطينيا وكانت من مخلفات الحرب العالمية الثانية.

في اليوم التالي تسللت إلى القرية حيث كان لنا حاجياتنا، كنا نريد إحضار ملابسنا وفراشنا ولم أصادف في طريقي أي يهودي على الإطلاق. أخذنا كل ما نريد. ولم يكن هناك يهود إنني أتكلم عن الليلة الثالثة.
 
والدي أيضا كان يتسلل من المجدل إلى ياسور في إحدى المرات ألقي عليه القبض، وقال له أحد يهود الكبانية "يا أبا علي ألم نقل لك ألا تعود إلى البلد، لقد أصبح بها يهود أجانب لا يعرفون عادات العرب، المرة القادمة قد تقتل"، ثم حمله أحد اليهود وأوصله قريبا من حدود المجدل.

درب الآلام
"
كنا قرابة الثلاثة عشر نفرا في خيمة واحدة ولم يبق معنا نقود أو شيء من الحبوب والمحاصيل التي كنا نملكها، وحتى الجمل الذي كان لدينا قتله اليهود

"

في العام 1948 وصلنا المجدل وأتى اليهود حيث قطعوا الطريق بين المجدل وغزة على الطرفين المهاجرين والجيش المصري الذي كان في أسدود والمجدل فاضطر إلى أن يأتي طريق البحر، كنا في هذه الفترة نحمل أمتعتنا على أكتافنا نجر أطفالنا معنا أيضا، كان الأطفال المساكين يحملون ما يستطيعون حمله، وصلنا بعد ذلك إلى غزة بعد عناء وتعب شديدين.

إنها رحلة عذاب وهنا بدأنا نبحث عن ملجأ أو بيت ننام فيه لأننا لم نملك أجرة البيت، في المجدل بقينا عند أحد الأقارب أما هنا فنحن لا نعرف أحدا، بقينا في غزة وقد لاحت بدايات المساعدات للاجئين.
 
أعطونا خيمة أما الأسرة التي في الخيمة فهم الإخوة وهم ستة أفرد وهناك الأب والأم وزوجة أخي  وبناتها. كنا قرابة الثلاثة عشر نفرا في خيمة واحدة ولم يبق معنا نقود ولم يتبق لدينا شيء من الحبوب والمحاصيل التي كنا نملكها، وحتى الجمل الذي كان لدينا قتله اليهود في المجدل ولم يكن هناك أي عمل لنا نقوم به.

بعد ذلك اتجهنا إلى خان يونس وفي هذه الفترة توفي والدي بعد وفاته بشهرين مرضت أمي ورقدت في المشفى، في "تل السكن" وما لبثت الوالدة أن توفاها الله في المشفى، بعد ذلك رحلنا إلى رفح حيث عملنا في الأفران للجيش المصري، كنا نكنس ونعجن ونرفع الخبز للسيارت لقاء بعض الخبز المكسر.

في هذه الفترة خرج أخي الكبير إلى الأردن تهريبا من الأراضي المحتلة ومكث هناك شهرا ثم عاد إلى غزة، وأخبرنا بأن هناك عملا نستطيع أن نعتاش منه، هل تعلم ما كان يعمل أخي حامد؟ كان يبع دخانا للجيش العراقي.

المهم خرجنا من خان يونس مع قافلة لها دليل طبعا اختبأت القافلة عند دخول بلادنا المحتلة كنا قريبين من منطقة الظاهرية بيننا وبينها قرابة 12 كيلومترا، ومع الشفق أتى الدليل لنتجه إلى الخليل وعين السلطان، وفعلا ذهبنا إلى بلدة  الكرامة في الأردن.
 
بعد 1957 ولغاية الآن أعتقد أن لا عودة لنا إلى فلسطين لأنه لا يوجد بوادر مقاومة حقيقية ضد الإسرائيليين، بل بالعكس فالعدو هو الذي يتقوى ويهدد باحتلال أجزاء أخرى من العالم العربي.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة