أحمد مطر.. الشعر سريع الطلقات   
الأحد 28/12/1436 هـ - الموافق 11/10/2015 م (آخر تحديث) الساعة 16:18 (مكة المكرمة)، 13:18 (غرينتش)

ناصر يحيى*

في الربع الأخير من القرن العشرين الماضي، كان الشعر العربي على موعد مع نجم جديد في شاعريته وأسلوبه الشعري الذي يمكن وصفه بأنه "مدفع رشاش سريع الطلقات".

ورغم ذلك، تسبب هذا النجم الجديد في تدفق دماء حيوية في جسد الشعر العربي -رغم أثقال المرارة والآلام التي حفل بها- الذي كان قد أنهكته الطرائق القديمة الجامدة والتجارب الحديثة العشوائية على حد سواء، ولم يعد في سمائه أصوات شعرية تشحذ الهمم وتطلق للروح أشواقها في البحث عن القيم العظيمة وتشبع توقها للمتعة دون تفريط بأحدهما.

لا يكاد يخلو ديوان لشاعر عربي من شعر يتناول هموم وطنه وأمته، لكن الشعر السياسي بالمعنى الشامل لم يتجسد هما كاملا وإبداعا فنيا كما تجسد في تجربة الشاعر العراقي أحمد مطر، فهو علم في هذا المجال وملك الشعراء فيه.

وفاق أحمد مطر في نجاحه وبراعته مواطنه العراقي مظفر النواب الذي رغم أنه كان سابقا له في شعر الهجاء السياسي، لكنه لم يصل في الإبداع الفني والانتشار الشعبي والتأثير النفسي كما حدث مع أحمد مطر.

مطر.. مطر
منذ شاعت أشعار مطر، صار هناك ما يعرف بمدرسة أو ظاهرة أحمد مطر، فقد كان هذا الشاعر القادم من بلاد النخيل والنفط والاستبداد هو الحجر الثقيل الذي ألقي في بحيرة الشعر العربي الراكدة، فتغير حالها بعد أن سما وطاف في أرجاء الوطن والإنسان وحريتهما وحقهما في حياة خالية من الطغيان والظلم.. والمخبرين!

فكان الشاعر العراقي مثل البركان يطلق حممه النارية ضد كل ما يراه قمعيا وفاسدا ومنحرفا عن كل ما هو جميل في تاريخ أمة العرب وقيمها ومبادئها، وعن إنسانية الإنسان وكرامته!

أحمد مطر لم يتوان كذلك في أن يضع مبضع الجراح في الجسد العربي الميت، فأخرج على الملأ عيوب الشعوب، رافضا استكانتها للظلم وسياط الجلادين

وصارت لافتاته القصيرة الرصاصية الصاروخية زينة المقالات، يستعين بها الكتاب لتعزيز أفكارهم، وينشدها التلاميذ في طوابير المدارس الصباحية، ويستعين بها الخطباء في المهرجانات الصاخبة لتحميس الجماهير، ويقلدها الشعراء المبتدئون، فصار ظاهرة جنّ بها الشباب كما جن قبلهم شباب بريطانيا والغرب بفرقة "الخنافس" (البيتلز) الشهيرة!

آمن مطر بالكلمة الصادقة وقدرتها على إيقاظ النائمين في عالم عربي صارت الكلمة فيه مجرد صدى طبلة تمجد الطغيان، ويحملها مثقفون يفترض فيهم أن يكونوا مشاعل نور وهداية يضيئون للناس طريق النجاة ويشحذون فيهم روح المقاومة والصمود ورفض الباطل والخنوع.

كفرتُ بالأقلام والدفاترْ

كفرتُ بالشعر الذي

لا يوقف الظلم ولا يحرك الضمائرْ

ولأن اللافتات كانت ممنوعة في بلدان كثيرة، فقد تسللت أشعار مطر مثل النسيم البارد في قيظ صحاري الاستبداد وقمع الكلمة وتأليه الحكام وتقديسهم، وزيف الإعلام والنخبة.

وتداول العرب أشرطة ندواته الشعرية بشغف، فوجدوا شاعرا مفوها قادرا على اجتذاب الأسماع والتأثير في المشاعر، وتثوير المستمعين على ظلم حكامهم ومخابراتهم، وعلى بلواهم وواقعهم المر؛ وفي الوقت نفسه برع في السخرية من الحكام والجلادين والسجانين والمخبرين، وأبدع لهم صورا شاعت في دنيا الشعر كالنار في الهشيم.

ولم يتردد أحمد مطر كذلك في أن يضع مبضع الجراح في الجسد العربي الميت، فأخرج على الملأ عيوب الشعوب، رافضا استكانتها للظلم وسياط الجلادين.

الكفر بالطغيان
في تشخيصه للمرض القاتل، ألقى مطر بالمسؤولة في الدرجة الأولى -دون نسيان مسؤولية الشعوب والاستعمار- على الحكام المستبدين، فهم أصل البلاء والعناء، وكفر بكل مظاهر الطغيان والظلم وشلل النفاق والمنتفعين كفرا بواحا:

وطني يا أيها الأرمد

ترعاك السما

أصبح الوالي هو الكحال..

فأبشر بالعمى

لم يكن أحمد شاعر النخبة ولا شاعر العامة، ولا من باب أولى شاعر الحكام والأحزاب، لذا لم يستثن أحدا من نقده، فقد علمته سنوات الحياة في ظل نظام ديكتاتوري عدو للكلمة أنه لا تسامح مع أي مظهر من مظاهر الخلل والاعوجاج

كانت لافتات مطر التي يقدم فيها شعره مناسبة جدا لحالة أمة ركدت فيها الروح ونامت القلوب والعقول نومة أهل الكهف، وضاعت منها البوصلة فتاهت في عالم الجبابرة والمجرمين؛ ولكل ذلك كان المناسب هو لافتات صغيرة ومتوسطة؛ على نمط أسلوب القرآن المكي؛ ليوقظ النائمين، ويستفز في المخدرين الموتى الأحاسيس بالحياة.

وهذا أمر ليس غريبا على ثقافة الشاعر، ففي عدة قصائد استلهم الأسلوب القرآني بحذافيره ورموزه، وبعض وقائع السيرة النبوية.

وبالإضافة إلى ذلك، فقد تميزت تجربة مطر بثراء لفظي وغناء الصور الشعرية وجدتها، وفي قدرته على تلوينها السخرية المرة من خلال كشف المتناقضات والأكاذيب الفجة في حياة الإنسان العربي وحكامه وأنظمته التي ابتلي بها.

فقد هجا أنظمة الاستبداد والقمع والرعب والفساد كما لم يفعل أحد قبله:

الملايين على الجوع تنام

وعلى الخوف تنام

وعلى الصمت تنام

ولم يكن أحمد شاعر النخبة ولا شاعر العامة، ولا من باب أولى شاعر الحكام والأحزاب، لذا لم يستثن أحدا من نقده، فقد علمته سنوات الحياة في ظل نظام ديكتاتوري عدو للكلمة أنه لا تسامح مع أي مظهر من مظاهر الخلل والاعوجاج، ولا حكمة في الفصل فيما بينها، فالاستبداد هو الحاضنة الشمطاء للفقر والتخلف، والظلم، والوعي المزيف، والتدين السطحي، وخيانة النخبة لمهمتها ولشعوبها.

وهجا أحمد مطر فقهاء الأنظمة:

حدّثنا الإمام

في خطبة الجمعة

عن فضائل النظام

والصبر والطاعة والصيام

وهجا الثوريين المزيفين سكان الفنادق وأدعياء النضال الكاذب:

مناضلٌ سبهلَلَهْ

يهوى ركوب البحر والمماطلَهْ

يمتهن التمثيل والتقبيل

ويحسن التطبيل

ويتقن النضال بالمراسلَهْ

يكفي صاحب "اللافتات" أن أشعاره أيقظت غافلين، وفضحت مخفيات، وحددت -كما لم يفعل شاعر- الأعراض والأسباب بدقة ومتعة فنية ستظل علامة بارزة في الشعر العربي المعاصر

لا شك أن الواقع العربي المريض لا يزال يؤكد صحة تشخيص أحمد مطر للمرض رغم عدم حدوث تغيير حقيقي.

لكن يكفيه أن أشعاره أيقظت غافلين، وفضحت مخفيات، وحددت -كما لم يفعل شاعر- الأعراض والأسباب بدقة ومتعة فنية ستظل علامة بارزة في الشعر العربي المعاصر.

وستظل الجماهير تتذكر تلك الصور العميقة الساخرة التي سخر فيها من كل شيء، خاصة ظاهرة المخبرين والواشين كما لم يسخر من شيء، فقد كانوا عنوانا للسوء والغباء والبلادة، وها هو يرسم صورة كاريكاتورية عن كثرتهم وانتشارهم في كل مكان حتى صار لهم عناونين وأماكن ثابتة يستدل بها من يتوه في الطريق:

اتجه للمخبر البادي أمام المخبر الكامن

واحسب سبعة.. ثم توقف

تجد البيت وراء المخبر الثامن
_______________ 

* كاتب صحفي يمني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة