الموساد يتدخل لفك لغز مقتل يهودي في تركيا   
الأربعاء 10/6/1422 هـ - الموافق 29/8/2001 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

إسطنبول - نوزات صواش

ركزت الصحافة التركية اليوم بشكل واسع على التحقيقات والتحليلات الجارية بشأن مقتل عزير غاريه رجل الأعمال التركي اليهودي الأصل، إضافة إلى اغتيال إسرائيل لأبي علي مصطفى زعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقصف صاروخي أثناء عمله في مكتبه بالضفة. كما نشرت إحدى الصحف حوارا أجرته مع زعيم حزب العدالة والتنمية التركي رجب طيب أردوغان.

الفاعل مجهول
إن أهم حدث يشغل الصحافة التركية منذ يوم السبت الماضي هو مقتل رجل الأعمال عزير غاريه الذي ينحدر من أصل يهودي والذي كان رئيسا لمجموعة ألاركو -إحدى الشركات التركية الكبرى- في مقبرة أيوب سلطان. ولا تزال الصحف تتابع التطورات والمستجدات بشأن القضية في صفحاتها الأولى وعناوينها الرئيسية. وبعد دفن عزير غاريه في مقبرة الموسويين بإسطنبول ومشاركة عدد كبير من الناس من أديان وطبقات مختلفة في تشييع جنازته ظل الضباب مخيما على الحادث واليد أو الأيدي التي طعنته بالسكين أو السكاكين. ومن ثم لخصت صحيفة تركيا الموقف حول التحقيقات في افتتاحيتها بعبارة "ما زال الفاعل مجهولا" وواصلت الصحيفة "جريمة غاريه في يومها الرابع، غير أنه لم يعثر على دليل ملموس". وأوردت الصحيفة أنه ثبت أن لا علاقة لـ"فؤاد ن" البالغ من العمر 13 عاما والذي اعتقل مع ستة أشخاص آخرين لاشتباهه بارتكاب الجريمة، لا علاقة له بالجريمة إطلاقا، حيث أثبتت التحقيقات أن الجريمة تمت من قبل أشخاص وليس شخصا واحدا. كما نقلت الصحيفة عن أسرة غاريه أنها تعتقد أن القضية ليست جريمة قتل بل اغتيالا مخططا بدقة.

جندي مشبوه
أما صحيفة مليت فقد أوردت أن الشرطة استطاعت العثور على الهاتف النقال المفقود لعزير غاريه في يد جندي يدعى "يينر ي". وقد نقلت الصحيفة أن الشخص المذكور البالغ 26 من العمر قد فر من ثكنته في الصباح الباكر بعد أن باع الهاتف لأحد رفاقه ولا أحد يدري أين هو. وقد ذكرت أنه قام بجريمة قتل قبل ذلك وحكم عليه بالسجن لمدة 28 سنة، ولكنه استفاد من العفو العام الذي أعلن سنة 2000 فأطلق سراحه وانضم إلى الخدمة العسكرية بعد ذلك. وقالت إن يينر ي كان يخرج في عطلة السبت من الثكنة فيذهب إلى حي أيوب سلطان دوما. ومن المتوقع أن ينكشف اللغز إذا ما تم العثور على الرجل. وقد عثر على دم امرأة على جثة المقتول مما قوى احتمال ارتكاب الجريمة من قبل أكثر من شخص.

أما صحيفة راديكال فقد انتقدت أساليب التحقيق التي انتهجتها قوات الأمن في إسطنبول واعتبرتها درسا في مجال "كيفية عدم النجاح في حل جريمة" مركزة على ذلك في افتتاحيتها الرئيسية بعبارة "فشل تام". واستغربت تصرف المسؤولين إذ أعلنوا بالأمس عن مراهق اسمه فؤاد ن يبلغ 13 سنة من العمر بأنه المجرم بلا شك، ثم بدا أنه بريء تماما. ومرت أيام والبحث مستمر ولكن بلا نتيجة تذكر. وبشأن فؤاد ن عنونت الصحيفة "مظلوم آخر!" إذ تم اعتقال فؤاد ن بتهمة جريمة لم يرتكبها، وتعرض لمعاملة سيئة جدا، ولم يكتفوا بهذا بل وأفشوا هويته بنشر صورته في الصحف والتلفزيونات، كما نسبت إليه ألقاب مثل المجنون ومتعاطي مخدرات.. إضافة إلى ذلك كاد والده يفقد عمله الذي يعمل فيه منذ عشر سنوات بسبب التهمة التي ألصقت بابنه.

الموساد يتدخل
وذكرت صحيفة حريت أن قوات الأمن وجدت قميصا عليه آثار دم في المقبرة فأرسل إلى المعمل للتحليل إلا أن السكين أو السكاكين التي استخدمت في الجريمة لا تزال سرا مغلقا. ونقلت الصحيفة كلمات عزت غاريه ابن القتيل عن الجريمة التي قال فيها "مقتل والدي حادثة مشتبكة جدا، وقد لا ينكشف لغزها في وقت قصير، ولا أعتقد أنها ارتكبت بدوافع سياسية".

كما تناولت الصحف التركية مشاركة المخابرات الإسرائيلية الموساد في التحقيق بالجريمة، وأشارت إلى قدوم ثلاثة مسؤولين من الموساد إلى إسطنبول للاشتراك في التحقيقات. فقد أوردت الصحيفة الخبر في الصفحة الأولى بعنوان "الموساد يتدخل" مضيفة أن ثلاثة خبراء من الموساد أتوا إلى إسطنبول وأجروا مباحثات مع قوات الأمن التي تتابع القضية. وذكرت صحيفة يني شفق أن الرحلات الجوية بين تركيا وإسرائيل زادت 50% بعد مقتل غاريه. وصرحت أن النتائج النهائية والتفصيلية عن الجريمة ومرتكبيها لن تظهر إلا بعد الفراغ من التحاليل المطلوبة في المعامل الطبية، وذلك يستغرق شهرا على أقل تقدير.

غاريه والشيخ المولوي
وحلل الكتاب في زواياهم الصحفية الجريمة بأبعادها المختلفة وشخصية غاريه وأهدافه وأعماله. فذكر بشير أيواز أوغلو في صحيفة الزمان أن الرجل قتل في مقبرة أبي أيوب الأنصاري عند قبر أحد شيوخ الطريقة المولوية حسين أفندي الذي كان يتردد غاريه لزيارة قبره كل يوم سبت. وكان الشيخ صديقا لوالده الذي لم ينجب، فطلب من الشيخ دعاء لكي يرزقه الله ولدا، فأخبره الشيخ أن الله سيرزقه طفلا يسميه عزير ويصبح رجلا ناجحا. توفي الشيخ ومات الوالد وكبر الطفل وشب ونجح في الحياة. وذات ليلة رأى غاريه الشيخ في منامه يطلب منه أن يعمر قبره. فأمر عزير غاريه بإنشاء القبر، وراح يزوره كل سبت بسيارته الشخصية دون سائق ولا حارس. وفي إحدى تلك الزيارات لقي الرجل مصرعه وعثر في جيبه على "الجوشن" الكبير الذي يوجد فيه أدعية أسماء الله الحسنى مما أثار تساؤلات في إسلام عزير غاريه، ويعرف أنه كان قريبا من الشخصية الدينية البارزة في تركيا الشيخ محمد فتح الله كولن ومؤيدا لفعالياته في مجال التعليم على امتداد العالم والتي تدعو إلى الحب والتسامح والحوار.

ونقلت الزمان أمس أن أبا عزير غاريه أزرا بك كان قد اعتنق الإسلام سرا وطلب من صديقه ألا يبوح بذلك. وكتب حسين كولرجه في عموده في صحيفة الزمان أن عزير غاريه كان رجلا متسامحا يدعو إلى الحوار بين رجال الأديان، وأن وفاته على هذا النحو أي "في مقبرة المسلمين عند قبر شيخ مولوي" تعتبر وصية أخيرة منه إلى الحوار بين فئات المجتمع المختلفة. كما أنه "ذكر الناس بأهمية الإيمان في فترة أصبح الدين غريبا بينهم. وعلى الرغم من ثروته الطائلة ومكانته الرفيعة أثبت كذلك أن الحياة الدنيا لعب ولهو، ومن الخطأ إعطاؤها أكثر من قيمتها التي تستحقها".

اغتيال أبو على استفزازي
وعلى صعيد آخر أثار اغتيال إسرائيل لزعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أبو علي مصطفى اهتمام الصحافة التركية، وتناولته الصحف بعناوين مختلفة. فقد أعلنت صحيفة راديكال عن الخبر بعنوان "أصابوهم في الصميم" مضيفة "لقد نال أخيرا القادة السياسيون نصيبهم من سياسة الاغتيالات التي تتبعها إسرائيل. ثار الشعب الفلسطني لمقتل الزعيم أبي علي مصطفى بغضب، وردود الفعل الأوروبية تصب كالمطر على إسرائيل". وأشارت راديكال إلى أن إسرائيل لم تكن لتقوم بعمليات الاغتيال لو لم تحصل على ضوء أخضر من أميركا، وأنها بفعلتها هذه تجاوزت الخط الأحمر، وذلك لا ينبئ بخير أبدا بالنسبة للمنطقة.

ونقلت جريدة الزمان الحادث في صفحتها الأولى بعنوان "اغتيال استفزازي" وقالت "لقد قتل الزعيم الفلسطيني مصطفى بهجوم صاروخي في مكتبه، وحلف آلاف الفسطينيين أيمانا لأخذ الثأر". وعلقت الصحيفة أن الاغتيال قد يجر منطقة الشرق الأوسط إلى حرب شاملة مشيرة إلى بيان الرئيس السوري بشار الأسد في صحيفة الشرق الأوسط الذي صرح فيه بأن اندلاع حرب مع إسرائيل في دائرة الاحتمال ولو كان بعيدا حاليا، وأن إسرائيل ستكون الخاسرة إذا ما انفجرت حرب في المنطقة.

أما صحيفة يني شفق فقد أوردت الخبر تحت عنوان "قتل خليفة حبش" معتبرة الحادث في غاية الخطورة مضيفة "الحالة المتأزمة في الشرق الأوسط في تزداد خطورة. اغتالت القوات الإسرائيلية أبو علي مصطفى زعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي أسسها جورج حبش.. واحتمالات اندلاع حرب شاملة في المنطقة تزداد". أما صحيفة حريت فأبرزت العملية بعنوان "انتقام صاروخي" معلقة أن سياسة إسرائيل تقوم على أسلوب العين بالعين والسن بالسن، وأن هذه العملية تعتبر من هذا القبيل حيث تمت انتقاما لعملية فدائية حدثت مؤخرا ولقي فيها خمسة إسرائيليين مصرعهم.

أردوغان يصرح
وفي محاولة لرسم صورة زعيم حزب العدالة والتنمية رجب طيب أردوغان نشرت صحيفة حريت حوارا أجرته مع أردوغان احتل صفحة كاملة من الصحيفة عنونت له بعبارة قالها أثناء حديثه وهو "مرجعيتنا الوحيدة هي الدستور". وأكدت الصحيفة أن الحوار هو الأول الذي يجريه أردوغان مع صحيفة تركية منذ تشكيله للحزب، والذي أبدى فيه آراءه عن تساؤلات ظلت بلا إجابة حتى اليوم مثل موقفه من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وثروته الشخصية وحياته الخاصة وموضوعات أخرى. ففي سؤال عن الشريعة والدولة قال أردوغان "إذا كان المجتمع الذي أعيش فيه يتيح لي فرصة أداء متطلباتي الدينية فهو الدولة المثالية بالنسبة لي. ويمكن أن نعد أميركا وأوروبا كنموذج لهذا المجتمع كما ألاحظ، أما تركيا فلا أصدق أنها تتيح هذا الجو. وقد أعربت سابقا أن الإسلام مرجعيتي على الصعيد الشخصي، أما على الصعيد السياسي فمرجعيتي الوحيدة هي الدستور والمبادئ الديمقراطية".

ديمقراطي محافظ
وقد رد على سؤال "كيف تعرف نفسك؟" قائلا "أنا أؤيد النظام الديمقراطي ومنفتح على الليبرالية، أي ديمقراطي محافظ". وقد بين أردوغان أن حزب العدالة والتنمية سيحتضن جميع فئات الشعب دون تمييز بين الأديان أو المذاهب أو الطبقات. وبالنسبة لثروته الشخصية صرح أردوغان أنه في حالة وسط وأن ما يقال عنه من أن ثروته تبلغ مليون دولار وأنه أحد شركاء صحيفة يني شفق ليس صحيحا قطعا.

وفي تحليله لإجراءات وزير الشؤون الاقتصادية كمال درويش فقد اعتبره فاشلا في خطته الإصلاحية، إذ إن الشعب لم ينتخبه ولم يتسلم منصبه بتأييد من الجماهير، أما الدعم الحكومي الذي يعاد ذكره من حين لآخر فلا حقيقة له وإنما هو اصطناعي. وقد أرجع زعيم حزب العدالة مسؤولية الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الراهنة إلى الإدارة السيئة. وبشأن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قال أردوغان "قبل عشر سنوات كنت ضد الاتحاد الأوروبي، أما اليوم فأؤيد الانضام لكي نصل إلى بعض الحقوق والحريات الأساسية التي تتبناها الدول الأعضاء في الاتحاد، كذلك يرى زملائي في الحزب، ولكن على أساس رعاية المصالح المتبادلة".

وبخصوص استعمال الحجاب داخل أسرته قال "أنا أب لفتاتين، وهما اختارتا التحجب بإرادة بحتة، لم أجبرهما أبدا. أما سفر ابنتي الكبرى للدراسة في الخارج فبسبب الحظر المفروض على الحجاب في الجامعات التركية. فلولا مشكلة الحجاب في تركيا لما سافرت إلى الخارج على ما أعتقد". كما أعلن أروغان أنه سينتهج الشفافية في سياسة الحزب مبينا للرأي العام كمية ثروته الشخصية وثروات أعضاء قيادة الحزب بكل التفاصيل في الأيام المقبلة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة