جدل حول الاتهامات لبن علي   
الجمعة 24/2/1432 هـ - الموافق 28/1/2011 م (آخر تحديث) الساعة 0:34 (مكة المكرمة)، 21:34 (غرينتش)
الشارع التونسي احتج على عدم شمول التهم قتل العشرات في الاحتجاجات (رويترز-أرشيف)
 
حسن صغير-تونس
 
أثارت الاتهامات التي وجهها القضاء التونسي إلى الرئيس السابق زين العابدين بن علي والمذكرة الدولية الصادرة لجلبه ردودا غاضبة لدى فئات مختلفة من الشارع التونسي اعتبرتها مجرد تهم بسيطة مقابل ما اقترفه الرئيس السابق في حق تونس والتونسيين من جرائم طيلة عقدين من الزمن.
 
ويرى عدد كبير من مكونات المجتمع التونسي أن القضاء لم يوجه تهما بالقتل العمد للرئيس السابق باعتباره المسؤول الأول عن إعطاء أوامر إطلاق واستخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين في مسيرات سلمية مما أدى إلى سقوط عشرات الشهداء.
 
ويذهب بعض التونسيين ممن استطلعت الجزيرة نت آراءهم إلى حد اتهام الحكومة الانتقالية بالسعي إلى عدم محاسبة الرئيس السابق من خلال توجيه هذه التهم التي تعتبر في نظرهم بسيطة مقارنة بجرائم كبرى ارتكبها الرئيس السابق حسب رأيهم, كما شكك بعضهم في جدوى مذكرة الجلب وجدية الخطوات المتخذة لمحاسبة الرئيس السابق.
 
وكان وزير العدل في الحكومة الانتقالية الأزهر القروي الشابي قد أكد الأربعاء في ندوة صحفية أن القضاء التونسي وجه للرئيس السابق وعدد من أفراد عائلته تهما حول "اقتناء أشياء حسية منقولة وعقارية موجودة بالخارج ووضعها تحت نظام آخر من العملات كانت قبل ذلك مرسمة بحساب مفتوح بالخارج, ومسك وتصدير عملة أجنبية بصفة غير قانونية".
 
وأضاف الشابي أن تونس طلبت من الشرطة الدولية (الإنتربول) المساعدة في اعتقال الرئيس المخلوع وزوجته وأفراد آخرين في أسرته, مؤكدا أن تونس تريد محاكمة بن علي وزوجته وأفراد من أسرته بخصوص سرقة ممتلكات وتحويل عملات أجنبية.
 
وأصدرت الشرطة الدولية فعلا مذكرة توقيف للرئيس المخلوع وستة من عائلته بتهم تهريب أموال، وذلك بطلب من حكومة تونس الانتقالية، وقالت إنها طلبت تحديد مكان وجود المتهمين وتوقيفهم مؤقتا لتسليمهم إلى تونس، لكنها ذكّرت بأنها "لا ترسل مسؤولين لتنفيذ الاعتقالات" التي يقوم بها "مسؤولو فرض القانون في الدول بالتماشي مع قوانينها الوطنية".
 
قتيل قضى في احتجاجات سيدي بوزيد (الفرنسية-أرشيف)
نسق قانوني
ولتسليط الضوء على هذه المسألة استقصت الجزيرة نت رأي سليم اللغماني أستاذ القانون بالجامعة التونسية ومدرس القانون الدولي الجنائي بالمعهد الدولي لحقوق الإنسان بمدينة ستراسبورغ بفرنسا الذي أكد أن توجيه هذه الاتهامات ومذكرة الجلب يأتيان في إطار نسق قانوني ينبني على ثلاث مسائل هي بطاقة الجلب وما تضمنته من تهم موجهة للرئيس السابق والتسليم والحصانة.
 
وأشار إلى أن التهم التي وجهت للرئيس السابق لا تمثل –بالنسبة إلى التونسيين- أخطر ما قام به بن علي لاقتصارها على جرائم حق عام وليست جرائم سياسية أو جرائم ضد الإنسانية وهو ما قد يدعو التونسي إلى الاستغراب لأول وهلة مما قد يحيل إلى فكرة المؤامرة على الثورة على حد قوله.
 
وأضاف اللغماني أن تحقيق بطاقة الجلب الدولية يتطلب تسليم المظنون فيه المطلوب وهو ما يخضع إلى ضوابط حسب القانون الدولي والقوانين الداخلية وهي أن تسليم أي دولة لشخص يوجد على أراضيها هو قرار سيادي وهو قرار المملكة العربية السعودية في قضية الحال.
 
وأشار إلى أن التسليم يكون إلزاميا في حال وجود اتفاقية تعاون قضائي بين الدولتين علما بأنه لا توجد اتفاقية من هذا النوع بين تونس والسعودية, ويكون التسليم ممنوعا في حالة مصادقة الدول على معاهدة حق اللجوء التي تنص على عدم تسليم اللاجئين من جنس أو دين أو جنسية أو مجموعة معينة أو من أجل أفكارهم السياسية وهو ما يعرف باللجوء السياسي, وهو ما لا يوجد في قضية الحال باعتبار أن الرئيس السابق لا ينضوي تحت أية حالة من الحالات السابقة فضلا عن كون السعودية لم تصادق على هذه الاتفاقية حسب قوله.
 
"
حتى في حال قيام السلطات السعودية بتسليم الرئيس المخلوع إلى السلطات التونسية فإن إشكالا جديدا سيطرح وهو قضية الحصانة
"
مسألة الحصانة
ويضيف الخبير القانوني أنه حتى في حال قيام السلطات السعودية بتسليم الرئيس المخلوع إلى السلطات التونسية –وهو مستبعد حسب رأيه باعتباره غير إلزامي- فإن إشكالا جديدا سيطرح وهو قضية الحصانة التي يتمتع بها الرئيس السابق على مستوى الدستور التونسي وحصانة رئيس الدولة السابق على مستوى العرف الدولي.
 
ويستنتج الأستاذ اللغماني أن هذه الأسباب قد تقف وراء اختيار القضاء التونسي الاستناد إلى جرائم الحق العام في إصدار مذكرة الجلب باعتبار أن هذه الجرائم لا تعد من الأعمال التي تدخل في إطار مهام رئيس دولة بل هي جرائم شخصية ليس لها أي طابع رسمي.
 
ويختم الخبير القانوني بالقول إنه كان من الممكن توجيه جرائم القتل أو التعذيب أو ما يعرف اليوم بجرائم ضد الإنسانية التي هي كفيلة كذلك بتجاوز قضية الحصانة, واستشهد بقضية رئيس التشيلي السابق أوغستو بينوشيه الذي حوكم وأدين في بريطانيا بتهمة التعذيب خلال فترة رئاسته للبلاد.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة