الفنان بازيليتس وتفكيك المنحوتة   
الجمعة 8/12/1432 هـ - الموافق 4/11/2011 م (آخر تحديث) الساعة 15:46 (مكة المكرمة)، 12:46 (غرينتش)

من أعمال الفنان الألماني غييورغ بازيليتس (الجزيرة نت)

أنطوان جوكي-باريس

أنجز الفنان الألماني غييورغ بازيليتس خمسين منحوتة منذ عقود ثلاثة تمكن بواسطتها من قلب قواعد فن النحت وتجديدها بشكل لا سابق له، ويمكن حاليا مشاهدة معظم هذه الأعمال في المعرض الذي ينظمه له "متحف باريس للفن الحديث" ويتضمّن أيضا عددا من لوحاته ورسومه.

وتجدر الإشارة إلى أن نشاط بازيليتس النحتي انطلق بشكل متأخر، بعد عشرين عاما من ممارسته فن الرسم. ومع ذلك، تمكن من بلوغ قمة التجديد من خلال ابتكار أعمال راديكالية  في طريقة إنجازها أو في مفاعيلها البصرية.

وتتجلى منحوتته الأولى مثلا على شكل رؤية غربية، إذ تتألف من قطعة خشب كبيرة مفككة الأوصال تحرض النظر وتعاكسه في آن واحد، وتبدو مثل جؤجؤٍ راسبٍ على الشاطئ بعد غرق السفينة، ندور حولها في حيرة وانزعاج لعدم إمكانية تحديد هويتها، ولانعدام أي رابط في ظاهرها مع حقبتنا. منحوتةٌ بذراع مرفوعة وبيد مفتوحة نحو السماء لقول شيء أو لفت الانتباه أو التحذير، لكن لا أحد يعرف من ماذا.

من أعمال غييورغ بازيليتس (الجزيرة نت)
الفن والطبيعة

وبعد هذه المنحوتة، ابتكر بازيليتس عالما من الكائنات والوجوه والشخصيات الغريبة التي تدين بالكثير إلى صرخة غضبه الأولى وإلى اندفاعه الأول بعكس التقاليد، بما في ذلك تقاليد الحداثة نفسها.

وبعيدا عن مسائل الشكل والأسلوب والخيار الجمالي، اعتبر الفنان عمله النحتي مغامرة حقيقية داخل المادة نفسها. من هنا اختياره السكين والفأس والمنشار الكهربائي أدواتٍ لخوض هذه المغامرة.

معظم منحوتات بازيليتس تمنحنا الشعور بأنها مقتلعة من الأرض، وبالتالي تستحضر فكرة الشجرة بقدر ما تذكّرنا برموز الفن القبلي. ولا عجب في ذلك، فالرابط الذي يجمع الفنان بالطبيعة، وبالشجرة خصوصا، قوي وسحري، تجلى في لوحاته ورسومه المطبوعة أولا، قبل أن يجد في فن النحت على الخشب وسيلة تعبيره المباشرة والمفضّلة.

ونظرا إلى انبثاقها من عراك حقيقي مع المادة-الطبيعة، تحمل هذه المنحوتات آثار هذا العراك، وبالتالي تشكيك بازيليتس الراديكالي في أي معالجة تقليدية للمنحوتة. فبدلا من الأشكال، تمنحنا هذه الأعمال تحولات وطَفرات، وبدلا من تناغمٍ ما، تمنحنا تنافرات ونشاز واقع آخر.

بعبارة أخرى، تترجم هذه المنحوتات التي جاءت على شكل سلاسل أبحاثا شكلية مختلفة، وفي الوقت ذاته، لا تقتصر على مجرد الشكل بل تستحضر أيضا عالما أوليا مستقى من الأساطير الجرمانية ويقطنه الأقزام والأرواح، ويشكل صدى لعالم المنحوتات الأفريقية والأوقيانية التي درسها بازيليتس بعمق وجمّع بعض قطعها.

ويسعى الفنان في الواقع  سواء في أعماله في الرسم أو النحت، إلى رواية حدث ما شاهده أو عايشه، كما يتجلى ذلك في منحوتات "نساء مدينة دريسدن" الصفراء الضخمة التي تستحضر مأساة هذه المدينة التي دمّرتها الطائرات الحربية البريطانية كليا أثناء الحرب العالمية الثانية، أو في سلسلة رسوم "نساء الأنقاض" التي تتجمّع فيها أرامل الحروب مشكلة حقل خراب وفاجعة.

منحوتة"نساء مدينة دريسدن" للنحات بازيليتس (الجزيرة نت)




الفنون البدائية
نعرف أن بازيليتس عبّر مرارا عن انزعاجه من محاولة بعض النقاد العثور على "آباء" له، لكن من الصعب عدم ربط منحوتاته بالأعمال ذات الأسلوب البدائي لمجموعة "دي بروكي" (الجسر) الألمانية، وخصوصا تلك التي أنجزها أرنست كيرشنر وإيريش هيكيل.

فهذان الفنانان تاثّرا قبله بالفنون البدائية ونشاهد في منحوتاتهما نفس الأشكال التعبيرية والمسطحات الخام التي تظهر عليها آثار السكين أو الفأس المستخدمة، كما نشاهد نفس المبالغات في تفصيل بعض أعضاء الجسد وفي التلوين. ومثل منحوتات بازيليتس، تتحول منحوتات كيرشنر بشكل راديكالي وفقا لزاوية النظر، وبالتالي تتطلّب أيضا نظرة متعددة لمحاصرة مختلف تجلّياتها.

طبعا، يعترف بازيليتس بأهمية اختبارات نحاتين عمالقة مثل جياكوميتي وبيكاسو وماتيس ومارينو ماريني، لكنه يرفض اعتبار أي منهم ملقّنا لسبيل فني جديد لا بد من اتباعه، لاقتناعه بأن الفنان الأصيل لا يمكنه إلا أن يطمح إلى سلوك سبيل آخر وإلى عدم إضافة حلقة أخرى في السلسلة المتواصلة لتطور تاريخي أو جمالي يفرض نفسه على الفنان.

من هنا نحته بعكس زمنه وتلوينه منحوتاته بألوان زيتية ومادة الغواش وإدخاله أقمشة وورق مقوّى وأشياء أخرى مختلفة على هيكلها، فالهدف الثابت من كل لك هو ابتكار فن مباغِت، من خارج زمنه، ومرسخ بقوة داخل المادة.

باختصار، أمضى بازيليتس ثلاثة عقود من العمل والاختبار لبلوغ "الدرجة صفر في المنحوتة"، وما تفكيكه لها وتجريدها من التفاهات الزخرفية للتقاليد الماضية إلا لتمكينها من استعادة كل براءتها وسلطة حضورها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة