أكل شيء يقال للدفاع عن إسرائيل؟   
الجمعة 17/5/1431 هـ - الموافق 30/4/2010 م (آخر تحديث) الساعة 18:22 (مكة المكرمة)، 15:22 (غرينتش)

أكاديميون: جدار الفصل يتلوى كالأفعى على طول 709 كيلومترات (رويترز-أرشيف)

كتب المحاضر في العلوم السياسية بجامعة باريس 8 جوليان سالينغ, والباحث في علم الاجتماع السياسي بجامعة يوروبيان يونيفرسيتي إنستيتيوت بفلورانس (إيطاليا) نيكولا دوبيار، والأستاذة المحاضرة بجامعة باريس 8 كاثرين ساماري، مقالا مشتركا بصحيفة لوموند تحت عنوان "أكل شيء يقال للدفاع عن إسرائيل؟".

وجاء هذا المقال ردا على مقال لأستاذ الأدب الحديث بجامعة ديدرو 7 بباريس أريك مارتي بعنوان "هل مقاطعة إسرائيل من فعل اليسار؟" كان موقع صحيفة لوموند الفرنسية قد نشره يوم 21 أبريل/نيسان 2010.

وهذا نص المقال:

"اختار الكاتب والأستاذ أريك مارتي كعنوان لمقال نشرته له صحيفة لوموند قبل أيام السؤال التالي: "هل مقاطعة إسرائيل من فعل اليسار؟". إن ما يبدو انتقادا للحملة المناهضة لإسرائيل (مقاطعة، وقف استثمار، عقوبات) يتجاوز كثيرا هدفه المعلن ويعيد تعريف مصطلحات الصراع الدائر بين الفلسطينيين وإسرائيل.

ولأن عرض مارتي يجمع بين الجدة والتمويه فإنه يستحق أن يوضع، ولو قليلا, تحت مجهر علم الاجتماع ولو بمعناه الحرفي.

فعداء إسرائيل هو (بالنسبة له) "نتاج ما يشن في الدول الإسلامية من حملة دعاية منظمة ضد السامية" و"ما يتدفق وبشكل جنوني من اتهامات جنائية".

نعم, هناك معاداة للسامية ونحن نحاربها تماما كما نحارب استغلال القضية الفلسطينية من طرف المروجين لنظرية "المؤامرة اليهودية", لكننا وبنفس القوة نحارب الخلط وعدم التمييز بين معاداة السامية وبين انتقاد إسرائيل, إذ كيف يفسر السيد مارتي نتائج التحقيق الذي أجرته بي بي سي في 28 دولة, والذي لم تتجاوز فيه نسبة من ينظرون بإيجابية للنفوذ الإسرائيلي -من بين المستطلعة آراؤهم- 19%؟

فهل هذا يعني أن الرأي العام العالمي غدا رهينة للدعاية المعادية للسامية أم هل هو انتقاد عام ومشترك لسياسة إسرائيل؟

الجدار
إن السيد مارتي يفت في عضد جهود مكافحة معاداة السامية بتطويره هو نفسه عقلية "المؤامرة" وبدفاعه عن ثلاث من أكثر القضايا المثيرة للجدل في السياسة الإسرائيلية: بناء الجدار، وتصرف الجيش الإسرائيلي خلال عملية "الرصاص المصبوب" في غزة, ووضع الفلسطينيين داخل إسرائيل.

فمارتي بقوله "ليس صحيحا أن حاجز أو جدار العزل ينم عن سياسة فصل عنصري" إنما يضرب عرض الحائط وبدون مبالاة بآراء منظمة العفو الدولية والصليب الأحمر والمنظمة الإسرائيلية غير الحكومية بيتسلم, بل لا يأبه برأي محكمة العدل الدولية (يوليو/تموز 2004) الذي اعتبر هذا الجدار "انتهاكا للقانون الدولي" وطالب إسرائيل بـ"تفكيكه فورا".

وحسب آخر تقرير للأمم المتحدة, فإن هذا الجدار يتلوى كالأفعى على طول 709 كيلومترات, في حين أن الخط الأخضر لا يتجاوز 320 كيلومترا, كما أن هذا الجدار يتوغل في بعض المناطق داخل الضفة الغربية (وعرضها الكلي 50 كيلومترا) بعمق 22 كيلومترا.

وبذلك تكون إسرائيل قد ضمت بحكم الواقع 10% من الأراضي الفلسطينية بما في ذلك 17 ألف هكتار من الأراضي الزراعية التي لم يعد بإمكان المزارعين الفلسطينيين الوصول إليها, ولو اقتصرنا على شمال الضفة الغربية فقط فإن 220 ألف قروي تأثروا بالجدار.

الرصاص المصبوب
ويتصور السيد مارتي أن جرائم حرب ربما ارتكبت في غزة, لكنه يبرر ذلك بقوله: "الحرب إجرامية بطبيعتها", غير أن القانون الدولي الذي يحكم على ما سواه يؤكد مبدأ يتجاهله, وبكل بساطة, السيد مارتي وهو أنه: "لا يسمح بكل أنواع التصرفات عند دخول الحرب".

ومن هنا يأتي تأكيد الشهادات والتقارير التي نشرتها المنظمات غير الحكومية لفعلة إسرائيل, فإسرائيل خرقت قانون الحرب بصبها قنابل الفوسفور الأبيض (الذي يعتبر حتى من طرف الولايات المتحدة الأميركية سلاحا كيميائيا) على مناطق آهلة بالسكان, وبمنعها الأطقم الطبية من إسعاف أعداد كبيرة من الجرحى وباستخدامها الفلسطينيين دروعا بشرية.

وما شهادات الجنود الإسرائيليين التي جمعتها المنظمة الإسرائيلية "كسر الصمت" إلا دليل صريح على ذلك.

وعلاوة على ذلك, فإن إسرائيل بالتواطؤ مع مصر أغلقت هذا القطاع الصغير (360 كيلومترا مربعا), ومنعت مدنييه من الهروب من طوفان الحديد والنار.

وفي انتهاك صريح وتام لقانون الحرب, لا تزال إسرائيل تحكم حصارها وإغلاقها للقطاع, معيقة بذلك إعادة بناء ما دمر ومتسببة في مفاقمة الوضع الصحي للسكان.

ولذا يصبح من غير اللائق ولا الأخلاقي الثناء على إنسانية الجيش الإسرائيلي من أجل الحط من قدر حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بوصفها "تعرض المدنيين عمدا للخطر لتختبئ خلفهم".

لكن علينا هنا أن نتذكر أن هذه هي التهمة نفسها التي وجهت لجبهة التحرير الجزائرية وجبهة التحرير الفيتنامية, إنها حجة ملائمة تجعل من حماس المسؤول عن القتلى الإسرائيليين والفلسطينيين معا وتحجب الأرقام المحرجة لعملية "الرصاص المصبوب": أكثر من 1400 قتيل فلسطيني, مقابل 13 قتيلا إسرائيليا (أربعة منهم بنيران صديقة).

الرموز الوطنية
وأخيرا يؤكد مارتي أن فلسطينيي إسرائيل الذين يمثلون خمس سكان البلد ليسوا ضحية لتمييز مؤسساتي ضدهم, بل هم فقط ضحية لمظاهر من "عدم المساواة الظرفية"، وهو بذلك يناقض تقرير وزارة الخارجية الأميركية لعام 2009 الذي يؤكد أن "مواطني إسرائيل العرب لا يزالون يعانون من أشكال مختلفة من التمييز ضدهم".

مثلا تحظر الإجراءات الإسرائيلية الخاصة بالتجمع العائلي على الإسرائيليين المتزوجين من خارج البلاد أن يضموا إليهم أزواجهم أو زوجاتهم إذا كانوا فلسطينيين: أليس هذا القانون تمييزيا في بلد يحظر فيه كذلك الاحتفال بالزفاف إذا كان بين يهودي وغير يهودي؟

وماذا عن حقيقة كون 13% من "أراضي الدولة" التي يسيرها الصندوق القومي اليهودي لا تمنح إلا لليهود؟

ألم تختر إسرائيل علما مزينا بنجمة داود والشمعدان شعارا لها, ألا يبدأ نشيدها الوطني بهذه العبارات "طالما في القلب تكمن، نفس يهودية تتوق...".

ألا يحق لفلسطينيي إسرائيل الذين ولدوا على هذه الأرض (قبل قيام إسرائيل نفسها بالنسبة للمسنين منهم) أن يعتبروا اختيار هذه "الرموز الوطنية" إقصاء لهم كمواطنين إسرائيليين كاملي المواطنة؟ ألا يحق لهم أن يطالبوا إسرائيل بأن تكون ديمقراطية حقيقية "بلدا لكل مواطنيه"؟

غير أن لوزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان رأيه حول هذه المسألة, "إذا تعارضت القيم الكونية مع القيم اليهودية, فالأولوية للقيم اليهودية".

وعليه, هناك حدود لما يمكن أن يقال للدفاع عن إسرائيل, بل إن مداهنة جنون العظمة (البارانويا) الذي يدفع الزعماء الإسرائيليين إلى التهور وتبرير هروبهم إلى الأمام, ليس سوى خدمة سيئة للإسرائيليين.

محو إسرائيل
وما عبارة التهديد بـ"محو إسرائيل من الوجود" التي كانت أول وآخر حجة لدى السيد مارتي إلا أسمى تعبير عن هذه البارانويا, إذ علينا أن لا ننسى أن إسرائيل هي القوة العسكرية الأولى في الشرق الأوسط والوحيدة التي لديها سلاح نووي, وإذن الوحيدة التي لديها القدرة على محو بلد ما من الخريطة.

أما بالنسبة للفلسطينيين, فإن حجة مارتي تبعث على السخرية, فلا هم يمتلكون جيشا ولا دبابات ولا طائرات.

وعليه فإن القول باحتمال "محو إسرائيل من الوجود" من طرف حماس هو بمثابة القول بأن بإمكان جيش لوكسمبورغ السيطرة على باريس.

والحقيقة أن استغلال الضمير الذي يؤنب الغرب لما لحق باليهود من تدمير حقيقي في الماضي (المحرقة) إنما يستهدف تبييض أيادي إسرائيل, وما يقلق السيد مارتي هو في الواقع نضوب هذه الحجة المتجسد في تزايد الانتقادات الموجهة لإسرائيل.

وسواء أحب السيد مارتي أم كره, فإن ما ينصب النقد عليه ليس "غياب الرؤية" لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو وإنما سياسات لم تختلف باختلاف الحكومات, نفذتها الحكومات المتعاقبة "اليسارية" منها و"اليمينية" و"الوسط" و"الوحدة الوطنية" بنفس الطريقة, وهي سياسات تؤجج معاداة السامية, خصوصا عندما تؤكد الدولة التي تنفذها أنها تقوم بذلك باسم اليهود.

"قمت بزيارة الأراضي الفلسطينية المحتلة, ورأيت فصلا عنصريا في الطرقات والسكن, فارتسمت أمام ناظري نفس الظروف التي عشناها في جنوب أفريقيا خلال فترة حكم نظام الفصل العنصري", تلكم هي الكلمات التي كتبها الأسقف الجنوب أفريقي الحائز على جائزة نوبل للسلام في العام 1984 دوسموند توتو قبل ثلاثة أسابيع, وعلى كل واحد منا أن يسمعها ويعيها, اللهم إلا إذا أراد أن يضيف الصمم إلى العمى.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة