عن الثقافة وأشواكها   
الثلاثاء 1434/11/6 هـ - الموافق 10/9/2013 م (آخر تحديث) الساعة 3:51 (مكة المكرمة)، 0:51 (غرينتش)
 
في مساء أحد الأيام، كنت أجلس في مقهى بصحبة صديق شاعر. كنا نتحدث عن الشعر قديمه وحديثه، وكان صديقي منطلقا بحماس في قراءة قصائد له خصني بها بوصفي مستمعه الوحيد في ذلك المساء.

حين انتهى، سألته عن صديق شاعر آخر كنت أعشق قصائده ولم أره منذ زمن، فذاب حماسه وابتهاجه فجأة، حدثني بلهجة بعيدة تماما عن صفاء الأدب والشعر، وذكرني بأنه أهم كثيرا من ذلك الشاعر ولا ينبغي أن أسأل عنه في حضوره.

يقودني ذلك الموقف غير المبرر للحديث عن كون بعض المبدعين في وطننا العربي، مبدعين فقط في الظاهر، وشديدو القسوة والقتامة إذا ما دققنا جيدا في أعماقهم أو اخترعنا لهم مواقف إنسانية، ينبغي بالضرورة أن تبرزهم متربعين على قمة الصفاء الروحي.

يصادفك كثيرا أن تجد شاعرا أو كاتبا مهتما فقط بما ينتجه، ولا يحتمل ما ينتجه الآخر على الإطلاق؛ كاتبا يقرؤك سرا وينتشل بعض عباراتك أو أفكارك ليضيفها إلى رصيد كتابته، ويلغيك بشدة إذا ما صادف أن التقيت به في مكان يتسع لعشرين كاتبا وما يكتبون. 

وأزعم أن هذه المأساة تنتشر أكثر بين أبناء الوطن الواحد، داخل الوطن الكبير، فلا نجاح لأحد يسر أحدا، ولا خطوة يتقدمها مبدع للأمام، تحتسب خطوة، ولكن تلقى خلفها آلاف السنانير والشباك الصائدة، لإعادتها إلى ما قبل نقطة انطلاقها.

وكذا تتحول الحياة الثقافية التي من المفترض أنها حياة موهبة وحكمة وتنوير، إلى حياة قاسية يفكر من يعيشها أو يسكنها في هجرها والبحث عن حياة أخرى، بلا حجارة أو أشواك لا تدمي العقل الموهوب فقط، وإنما تدمي حتى المجتمع الذي يتلقى الثقافة، وبالتالي لا شيء جديا يحدث في النهاية.

تتحول الحياة الثقافية التي من المفترض أنها حياة موهبة وحكمة وتنوير، إلى حياة قاسية يفكر من يعيشها أو يسكنها في هجرها والبحث عن حياة أخرى بلا حجارة أو أشواك

في قراءتي الطويلة للنجاحات والهزائم، ومن خلال وسائل التواصل الحديثة التي أصبحت بالقطع توصل حتى دبيب النمل إلى أي بقعة في الدنيا، شاهدت النجاحات التي يحققها البعض لا تلفت النظر أبدا، تمر عليها العين ولا تشاهدها، والإخفاقات تسطع عناوين رئيسية للحديث المتمكن والمتعمق.

وهناك من يتلصص على السير الإبداعية، والتواريخ الكتابية، والحوارات التي تجرى مع المبدع هنا وهناك وتحوي شيئا من بوح الذات، في لحظة استنطاق يجيدها بعض الصحفيين، ويستخرج منها عبارات ربما كانت خاطئة قليلا، أو متسرعة، ليقوم بنشرها، ويقرأها الناس بعد ذلك بوصفها هي المبدع الذي يعرفونه ولا شيء آخر.

أذكر أنني حين كنت أكتب الشعر الغنائي سرا، وأنا طالب في المرحلة الثانوية، أن كتبت قصائد أو أغنيات أعجبت بعض المغنين المعروفين في المدينة فلحنوها وغنوها، ونجحت كثيرا في الحفلات العامة، ليأتي إلى بيتنا ذات يوم عدد من الشعراء الغنائيين، ممن خضعت قصائدهم للمقارنة مع قصائد طالب مثلي. أخبروا والدي بما أكتبه، وأمارسه من نشاط، خارج حدود الدراسة، مما يؤثر على تعليمي، وكان أن تعقدت أموري بعد ذلك، وخضعت لمراقبة دقيقة من والدي الذي يريدني طبيبا وليس شاعرا، ولم أكتب شعرا بعد ذلك إلا بعد أن تحررت من السلطة الأبوية، حين سافرت للدراسة في مصر.

أيضا مواقع التواصل الاجتماعي المتعددة تفضح الخلل بجلاء، وكما هو معروف فإن موقعا مثل الفيسبوك، بجانب ما يضمه من زخم لقراء، وأناس لا علاقة لهم بالقراءة والكتابة ولا يدعونها، ولكن يعبرون عن أنفسهم بطريقة أو بأخرى ويتلقون التعليقات من أصدقائهم؛ يضم أيضا صفحات عادية لملايين الكتاب والشعراء من جميع أنحاء العالم.

لا يهم من يدير صفحات مثل صفحة بول أوستر أو هاروكي موراكامي أو إيزابيل أليندي، لكنها صفحات موجودة ونشطة تنشر فيها صور الفعاليات والصور العائلية وصور وأخبار الإصدارات الجديدة، وما يكتب هنا وهناك عن أولئك المبدعين. وتجد ردودا بالفعل إن دخلت إلى صفحة لأولئك وعلقت بحنكة.

هنا نتواصل بكل محبة كما هو مفترض، لكني ألاحظ أن بعض المبدعين من الزملاء في بلادنا العربية، لا يردون على من يطري إبداعهم أبدا، لا يتنازلون قليلا ليشعروا قارئهم أنهم بجانبه، وأنهم يحبونه مثلما يحبهم، وحتى الذي ينتقد كتابا أو كاتبا، ينبغي أن يرد عليه بتعقل، لا تجاهله تماما.

فكأنما الذي يتواصل معهم، يتواصل مع نفسه، ولا يستحق أن يكون تواصله مفخرة يحتاجها أي كاتب أو شاعر، ليسجلها على دفتر معنوياته، ولا تمضي الحياة في زمن شقاء الكتابة، إلا بهذه المعنويات.

يصادفك كثيرا أن تجد شاعرا أو كاتبا مهتما فقط بما ينتجه، ولا يحتمل ما ينتجه الآخر على الإطلاق؛ كاتبا يقرؤك سرا وينتشل بعض عباراتك أو أفكارك ليضيفها إلى رصيد كتابته

النموذج الآخر، هو أن يرد المبدع، يرد على كل من علق على منشوره، حتى لو وضع نقطة، أو ابتسامة، أو تقطيبة حزن، ولكن يتجاهل عن عمد زميله المبدع الآخر الذي أراد أن يتواصل معه، وصدم بهذا الجفاء. هنا في اعتقادي أن الزميل يلغي زميله، حتى لو كان أقدر أو أشهر منه. إنها القسوة التي تحدثت عنها، وتمنيت أن لا توجد، ولكنها موجودة بكل حماها للأسف.

دائما ما أعود إلى أسلوب المقارنات العقيم بيننا وبين أمم سبقتنا في الرقي، ولكن لا يستقيم الحكي إلا بهذه المقارنة، فقد جلست في روما أثناء زيارة لي، إلى مستشرقين عريقين يحملون أكثر من دكتوراه، وترجموا عشرا الكتب والبحوث، ولا أحد يناديهم إلا بأسمائهم المجردة من كل شيء. شاهدت تواصلهم مع الآخرين، وكانوا يتواصلون حتى مع طفل في العاشرة، أراد أن يتعرف إلى إنجازاتهم، من دون أن يذكروا أن لهم إنجازات على الإطلاق.

والتقيت المستشرق الأميركي الكبير وليام هتشنز، الذي يحمل سيرة علمية تغطي أوراقها طاولة كبرى، ولم أكن أناديه ولا سمعت أحدا يناديه إلا بوليام فقط. أيضا وفي خلال لقاءاتي المتعددة بكتاب ورسامين وسينمائيين، لم أسمع سيرة تنبش لأحد، ولا ذكر اسم مبدع إلا تمت تحية غيابه باحترام شديد.

إذن الكتابة مشقة حقيقية، والذي يستطيع أن ينجز شيئا في هذا الزمن عليه أن ينفرد بإنجازه، ويفترش العزلة التامة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة