خامات الحكاية   
الخميس 21/5/1436 هـ - الموافق 12/3/2015 م (آخر تحديث) الساعة 15:01 (مكة المكرمة)، 12:01 (غرينتش)

أمير تاج السر*

كنتُ دائما أعتقد أن الكاتب القصصي أو الروائي يمكنه الاستفادة من كل شيء يصادفه في حياته العادية، سواء في العمل أو البيت أو السوق أو أثناء سياحته بلا هدف في الإنترنت مثل أي شخص لا علاقة له بالكتابة. ونتيجة لذلك تتنوع الأفكار، وأيضا تتطور التقنية لدى الكاتب، ويستطيع أن يكتب تفاعلات كثيرة جديدة.

ولا شك أن البحث المضني قبل كتابة أي عمل مهمٌّ للغاية، خاصة في تلك الروايات التي تعتمد على حقائق تاريخية أو علمية، وتلك التي ترصد أحداثا سياسية واقتصادية وشعبية وقعت بالفعل ذات يوم.

هنا سيكون الروائي مطالبا بإجادة التقصي، وإجادة كتابة نتائج التقصي حيث لا مجال كبيرا للخيال، وإن وجد فغالبا لسد بعض الثغرات في بناء النص المحكم بالضرورة، لا أقل ولا أكثر، تماما مثل وضع الطين الذي يسد فراغات الإسمنت في البناء الخرساني.

رسائل احتيالية
ولعل روايات مثل "الجنرال في متاهته" لماركيز و"عزازيل" للزميل يوسف زيدان و"كتاب الأمير" لواسيني الأعرج على سبيل المثال، عينة من تلك الكتب التي لم يكن ممكنا كتابتها لولا إجادة التقصي، وإن كنت أعتقد أن كتابة مثل هذه الروايات صعب، ذلك أنها تعتمد على قصدية الكتابة، أي على إيجاد فكرة وشخصيات معينة، وأحداث معينة، والتخطيط لكتابتها، بعكس تلك الروايات التي ترد أفكارها عفويا، وتكتمل بسهولة شديدة، بعيدا عن تعسف الكتابة.

روايات مثل "الجنرال في متاهته" لماركيز و"عزازيل" ليوسف زيدان و"كتاب الأمير" لواسيني الأعرج على سبيل المثال، عينة من تلك الكتب التي لم يكن ممكنا كتابتها لولا إجادة التقصي

من الأشياء التي يعتبرها الناس دائما مزعجة وسخيفة وتعكر المزاج لدى مستخدمي الإنترنت الذين ما عادوا قليلين هذه الأيام بسبب اتساع رقعة التكنولوجيا ووصولها إلى أماكن لم يكن يتخيل أحد أنها ستصل إليها، وفيها قرى في بلدان تعاني الفقر والجوع، لكنها لم ترد أن تتخلف إلكترونيا.. تلك الرسائلُ الاحتيالية التي لم تنقطع أبدا منذ ابتكرت لأول مرة منذ سنوات، وأصبحت من النشاط اليومي المعتاد لمرسليها، ومن المطالعات المقررة إجباريا لمتصفحي البريد الإلكتروني، وأحسبها تتناسل بجنون، وكلما محوتها تظهر من جديد.

حقيقةً اعتدتُ الاستفادة من تلك الرسائل، ومنها استوحيت كثيرا من الأسماء التي وظفتها فيما بعد في روايات، وانطبقت على الشخصيات بصورة جيدة.

هذه رسالة من أصيل موغادو، العسكري الذي حاول أن ينقلب على الحكم في بلاده ولم ينجح، لكنه فر وعلى ظهره غنيمة يريد أن يقاسمها مستخدما للإنترنت لا يعرفه، ولن يعرفه في يوم ما.

يقول أصيل: نعم سيدي، عندي عشرات الملايين ولست طالب مال، فقد كنت طالب سلطة ولم تتح الفرصة لي حتى أنالها، ليصبح أصيل موغادو شخصية عسكري منقلب في أحد نصوصي الحديثة.

وهذه رسالة من واحد اسمه كوفي ذهب، ويلقبونه في بلدته بكوفي الطيب، لأنه لم يقترف إثما من قبل أبدا، ولم يخذل كل من لجأ إلى مساعدته، بل على العكس، هو يبحث عن المحتاجين من أجل مساعدتهم، وها هو قد عثر عليّ بإحساس طيبته المزمنة، ليقاسمني الملايين.

الإبداع والكمال
كان كوفي يريدني أن أصبح ابن أخت مؤقتا لعميل مهم في المصرف الذي يعمل به متنفذا في النقد الأجنبي، ومات في حادث تحطم طائرة من طراز أنتونوف الروسية الصنع، تاركا ثروة منسية بلا وارثين. ولا يقبل كوفي بطيبته أن يتركها مجمدة هكذا، في حين أن هناك من يحتاجها في عالم مليء بالمحتاجين.

بالطبع لم أرد عليه، لكنه أصبح ضيفا على نص آخر من نصوصي، ولديّ طموح أن أكتبه في نص كامل يخصه، مضيفا بهارات أخرى.

لا يوجد إبداع كامل تماما، ولا يوجد إبداع يرضي الكل، فهناك من يتذوق الدرر لأنه يعرف أنها درر، وهناك من يتذوق التراب ويتصوره دررا، وهكذا يسعى المبدع فيما يعتقده إبداعا، بغض النظر عن كل ذلك

أما حكيم النبوي الذي جاء بقصة معقدة بعض الشيء، ذكر فيها حرب العراق والحاكم الأميركي بول بريمر، وقصور صدام حسين الفخمة، وتلك الملايين التي يحس بإرهاق وبوادر غيبوبة كلما فكر أنه يملكها ولا يملكها، وتحتاج لتحويلها إلى طرف ثالث من أجل صرفها، فقد استخدمتُ شخصيته بالفعل، لكنه كان عندي مدرسا سابقا للتاريخ، فقد هزني الاسم القوي وأحسست به يشبه مدرسا للتاريخ كان درسني في المدرسة الثانوية.

إذن نحن أمام شخصيات لا نصنعها بخيالنا على الإطلاق، وإنما تصنع نفسها بنفسها وتأتي طائعة مختارة من أجل غرض آخر، فتصبح خامة لأغراض كثيرة لدى الروائيين كما أعتقد، ولا أعرف إن كان أحد الزملاء لفتت انتباهه مثل هذه الهبات الثرية فاستفاد منها، أم لا.

لكني أعتقد أيضا أن توظيف هذه الشخصيات يحتاج إلى هضم البيئة التي نبعت منها، فحين تأتي رسالة من بوركينافاسو حاملة اسما معينا، فهي توحي أيضا بجو معين ينبغي أن يتوفر حتى تنجح الشخصية، لذلك قد لا يستفيد منها إلا كاتب يتعاطى مع الأدب الأفريقي وله خبرة في جو أفريقيا العام. ورسالة مثل التي كتبها من سمى نفسه حكيم النبوي وتتحدث عن العراق، تصلح أيضا أن تكتب في جو يلائمها، في حكاية تتمكن فيها الشخصية من التنفس بعمق.

أنا أعتقد أن هناك معايير كثيرة في الكتابة الروائية لا ينتبه إليها الكتاب، أو لا تهمهم كثيرا، ومنها أن تسمى الشخصيات بأسماء لا تشبهها على الإطلاق، إن كانت تلك الشخصيات موجودة في الواقع بالفعل، مثل أن تجد حمالا في الميناء اسمه هيثم، وعاشقا متأنقا ومعطرا اسمه شلضم، وهكذا، أيضا توجد أسماء معينة تستخدم في بلاد معينة بكثرة، أو لدى قبائل معينة في بلد ما، ولا بد عند الكتابة من مراعاة مثل هذه الأشياء تحقيقا للجودة.

وشخصيا كنت لا أنتبه لذلك في الماضي، وكان لديّ قصور في كثير من الحكايات التي كان يمكن أن تصبح أكثر جودة وصدقا، ويبدو أن اتساع التجربة والتقدم في العمر أيضا، من الوسائل التي تقوي مناعة الكتابة ضد التقصير.

ومع كل ذلك، لا يوجد إبداع كامل تماما، ولا يوجد إبداع يرضي الكل، فهناك من يتذوق الدرر لأنه يعرف أنها درر، وهناك من يتذوق التراب ويتصوره دررا، وهكذا يسعى المبدع فيما يعتقده إبداعا، بغض النظر عن كل ذلك.
________________
* روائي وكاتب سوداني 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة