بذكرى الحرب جسر دْرينا ليس سالكا بعد   
الثلاثاء 1433/5/18 هـ - الموافق 10/4/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:23 (مكة المكرمة)، 11:23 (غرينتش)
مسيرة بسراييفو تحمل صور دفياك العام الماضي احتجاجا على اعتقاله بموجب مذكرة توقيف صربية (الفرنسية-أرشيف)
 
إلياس تملالي
 
كيف بدا ابنُ جلدته من فوهة البندقية؟ هل ارتعش الإصبع قليلا وهو يضغط على الزناد؟ خفقة في القلب؟ ومضة شك؟

"لا"، يجيب بلا تردد الجنرال الصربي المتقاعد يوفان دفياك (75 عاما) الذي اختار قبل 20 عاما -كما يقول- الانحياز إلى الإنسانية ضد العرق، عندما بدأ حصار سراييفو الذي سقط فيه أكثر من 11 ألف قتيل، بينهم 600 طفل.

كثير من هؤلاء سقط صريعًا بنيران القناصة الصرب وهو يجازف للحصول على دلو من الماء أو للتبضع في المدينة التي حوصرت 43 شهرا.

صربي بسراييفو
حينها اختار دفياك البقاء في سراييفو، التي انتقل للعيش فيها عام 1966، ثم قاد قطاعها العسكري من 1989 إلى 1991، قبل أن ينشق ويلتحق بالجيش البوسني، ليقاتل مع المسلمين البوسنيين ويعيش معهم حصار سراييفو وآلام الحرب التي استمرت نحو أربع سنوات، ووضعت أوزارها بتوقيع اتفاقيات دايتون في 1995.
 
قال حينها "أعرف أنني ساذج.. لكنني سأقاتل من أجل بلد يكون فيه الجميع مواطنين بوسنيين أولا"، وفي المقام الثاني مسلمين وكرواتا وصربا.

عرف أنني ساذج.. لكنني سأقاتل من أجل بلد يكون فيه الجميع مواطنين بوسنيين أولا

لم يكن أحد ليرشح دفياك لهذا الدور: صربي في منصب نائب قائد جيش مسلمي البوسنة.

خدم دفياك 32 عاما في الجيش اليوغسلافي الذي كانت أغلبية جنوده من الصرب.

كان ذلك زمنَ الزعيم جوزيف بروز تيتو. لم يكن يُسمَح حينها بالحديث إلا عن أمة يوغسلافية واحدة.

تفككت الأمة مع وفاة تيتو، واحتفظ دفياك بما كان يراه مثلاً شيوعيًا أعلى ورثه من أب وأم عملا في رومانيا في شبكة سرية لمقاومة النازية خلال الحرب العالمية الثانية.

لكن مع وفاة تيتو أخذ الخطاب القومي الصربي يطغى على الجيش الذي كان الصرب يشكلون غالبيته، وهو خطاب يقول دفياك إنه جعل مشواره العسكري ينتهي عند رتبة عقيد.

البطولة والخيانة
دفياك نقطة مضيئة في تاريخ طويل لاحقت فيه لعنات الدين والعرق والتاريخ منطقة البلقان، لكنها نقطة نادرة.

حين سمع قائد عسكري صربي كبير بخبر انضمامه إلى الجيش البوسني، قال عنه إنه "رجل بلا شرف"، فقد "انضم إلى جيش ليس من شعبه، جيش يريد استعباد الصرب، وطردهم من أرضهم".

وبعد 17 عاما من نهاية الحرب ما زال كثير من الصرب يرون في دفياك رجلا خائنا بلا شرف.

حاولت صربيا اعتقاله، وأصدرت بحقه في 2011 مذكرة توقيف دولية بتهمة تورطه في مقتل عشرات الجنود الصرب، انتهت باعتقاله لبضعة أشهر في النمسا. في النهاية قررت السلطات النمساوية عدم تسليمه لعدم كفاية الأدلة. 

لكن كثيرا من المسلمين البوسنيين يرون فيه بطلا.

ما يمليه الضمير
أما هو فلا يرى في ما أقدم عليه لا بطولة ولا خيانة، فقد كان مجرد "رجل كان عليه أن يواجه ما يمليه عليه ضميره".

لم يقاوم دفياك جيش صرب البوسنة والجيش الكرواتي فحسب، بل قاوم أيضا نزعات الانتقام لدى بعض العسكريين البوسنيين.

وعندما تقاعد في 1998 رفض رتبة اللواء التي كُرّم بها في احتجاج رمزي على "تلكؤ" الحكومة البوسنية في ملاحقة جرائم الحرب التي ارتكبها بعض أفراد من الجيش البوسني.

جسر درينا مادةٌ تمحورت حولها رواية لأندريتش عن البلقان وتناقضاته
(الفرنسية-أرشيف)

الجسر ليس سالكًا
بعد 17 عاما من نهاية الحرب ما زالت البوسنة والهرسك مقسمة بين المسلمين والصرب الأرثوذكس والكروات الكاثوليك.

"سقط هؤلاء الضحايا لأنهم أرادوا الحفاظ على الدولة، لكنْ أخشى أن تكون تضحياتهم ذهبت هباء"، تقول كانيتا هوليتش لوكالة لرويترز وهي تقف مع الآلاف في سراييفو لإحياء ذكرى بداية الحرب.

من المفارقات أن الكيانيْن الرئيسيين اللذين غذيا النزاع في البوسنة والهرسك، وهما صربيا وكرواتيا، يتقدمان الآن بثبات للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي (كرواتيا تلتحق رسميا بالاتحاد في يوليو/تموز 2013) بعد أن استجابا للمطالب الأوروبية بملاحقة مجرمي الحرب.

أما البوسنة والهرسك التي كانت مسرحا رئيسيا لتلك الجرائم فلا يزال الطريق أمامها طويلا، بل إن المفاوضات لم تبدأ بعد.

وحتى كاتبٌ في حجم إيفو أندريتش -اليوغسلافي الوحيد الذي حصل على جائزة نوبل للآداب والذي كانت البوسنة مسرحا للعديد من أعماله- لم يستطع أن يجمع الشعوب السابقة على ذكراه، ولا يزال جسرُ نهر درينا الذي كان مادة لروايته الشهيرة غير سالكٍ بعد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة