المصرفي الذي أنقذ وول ستريت   
الخميس 1430/10/12 هـ - الموافق 1/10/2009 م (آخر تحديث) الساعة 22:47 (مكة المكرمة)، 19:47 (غرينتش)
ديمون وأوباما يتصافحان (الفرنسية-أرشيف)

في صبيحة يوم 18 سبتمبر/أيلول 2008 رنّ جرس الهاتف بمكتب جامي ديمون الكائن في الطابق 48 بمقر شركة جي بي مورغان تشيس في نيويورك. كان المتصل هو هانك بولسون –وزير الخزانة- وهي المرة الثانية في غضون ستة شهور التي يريد فيها جوابا على سؤال مُلح هو:
هل لديمون رغبة في الاستحواذ على مصرف مورغان ستانلي الاستثماري المتعثر بدون أي تكلفة البتة؟
 
جاء هذا الاتصال في وقت يمور بالاضطراب. فأسعار الأسهم تدنت بنسبة 27% ما بين 29 أغسطس/آب و10 أكتوبر/تشرين الأول, وقبل ذلك أفلست شركة ليمان براذرز, وبيعت ميريل لينش لبنك أميركا, وحصلت أي آي جي على قرض طارئ بقيمة 85 مليار دولار من الحكومة الاتحادية.
 
ولم يتبق إلا التساؤل عن ما إذا جاء الدور على مورغان ستانلي أو غولدمان ساكس لكي تنهار هي الأخرى. وكانت الحكومة تسعى باستماتة للحيلولة دون انهيار شامل لوول ستريت. فكان أن عرض بولسون على ديمون فرصة امتلاك مصرف مورغان ستانلي دون أي مقابل بالمرة.
 
وبعد إلحاح الحكومة وافق ديمون على تولي مسؤولية شركات بير ستيرنز المصرفية في مارس/آذار في صفقة خاطفة أُبرمت في يومين, وهي العملية التي جعلت من ديمون بمثابة مصرفي الحكومة التي تلجأ إليه كملاذ أخير.
 
وقال شيلا بير –رئيس مؤسسة فيدرال ديبوزيت إنشورانس- لاحقا في هذا الصدد "بعض الناس يأتون إلى واشنطن طلبا للمساعدة, وآخرون يجيئون لتقديم المساعدة". 
 
"
في العام الذي انهارت فيه شركة ليمان بات واضحا تماما أن جامي ديمون كان المسؤول الوحيد لأحد البنوك الكبيرة الذي أعد العدة كما ينبغي لمواجهة احتمال ولو ضئيل لعاصفة تضرب وول ستريت وهو ما حدث بالفعل
"
مع وقف التنفيذ
غير أن صفقة مورغان ستانلي لم يُكتب لها أن تُبرم في نهاية المطاف. وقد قيل إن ديمون ذكر أنه سيبحث الأمر مع مجلس إدارته, لكن رأيه المبدئي كان رافضا لفكرة قيام مصرفه بإتمام الصفقة إذ إنها ستفضي إلى كارثة تحل بالموظفين العاملين لدى طرفي الاتفاقية, وستضاعف من خطر الانهيار, وإلى إرباك الشركة لعدة سنوات.
 
كما أن فريق ديمون كان مستغرقا في إعداد عرض لتولي إدارة شركة واشنطن ميوتشوال المصرفية, والتي كانت هي الأخرى على شفا الانهيار.
 
على أن الشيء المدهش في هذه المكالمة الهاتفية هو أن بولسون لم يكن لديه أحد آخر يلجأ إليه. وفي العام الذي انهارت فيه شركة ليمان بات واضحا تماما أن جامي ديمون كان المسؤول الوحيد لأحد البنوك الكبيرة الذي أعد العدة كما ينبغي لمواجهة احتمال ولو ضئيل لعاصفة تضرب وول ستريت وهو ما حدث بالفعل.
 
وفي العام الذي سبق ذلك, اختارت شركته التريث وعدم التعرض لمخاطر الرهن –خصوصا ذلك النوع من الرهن الذي يتقاضى البنك بموجبه أسعار فائدة كبيرة من الفئات الضعيفة ماليا- بينما كانت الشركات الأخرى في وضع حرج.
 
وفي وقت كان فيه الاقتصاد يتجه نحو الاستقرار, كانت تصرفات الحكومة في الخريف الماضي –لاسيما المحاولات الجريئة والخلاّقة من بن بيرنانكي لتوفير السيولة لأسواق الائتمان- تبدو فعّالة.
 
لكن في غمار الأزمة, كان المنظمون فيما يبدو يلجؤون المرة تلو المرة إلى حيلة بسيطة هي الاتصال بجامي ديمون ليلتمسوا منه التدخل.
 
مصرفي الحكومة
وما إن بدأت البلاد تخرج من أتون الأزمة المالية حتى بات جلياً أن ليس جامي ديمون هو مصرفي الحكومة باختيارها فحسب, بل إن جي بي مورغان تشيس بدأ يصبح بنك العملاء أكثر فأكثر أيضا. ذلك أن أسهمه في صيرفة التجزئة تواصل صعودها, بل إنه قاد خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2009 قطاع المصارف فيما يتعلق بزيادة رأس المال وهو التصنيف الذي يعد الأكثر أهمية بالنسبة للبنوك الاستثمارية, متفوقا بذلك على غولدمان ساكس الذي كان يتصدر السوق في السابق.
 
وعلى الرغم من صيت غولدمان الهائل, فإن ديمون يقود مؤسسة تصغر أمامها شركة غولدمان فأصولها البالغة تريليوني دولار توازي أكثر من ضعف أصول غولدمان البالغة 890 مليار دولار, وقيمتها السوقية التي تبلغ 160 مليار دولار تزيد مرتين على قيمة غولدمان السوقية والتي تقدر بنحو ثمانين مليار دولار. خلاصة القول, إن جامي ديمون هو أهم مسؤول مصرفي في العالم.
 
يقول وارن بفيت -الذي برز كأحد كبار المعجبين بديمون- "إن الأعمال المصرفية تجارة جيدة جدا إذا لم ترتكب فعلا غبيا".
 
ويضيف بفيت "قالها موريس شابيرو قبل مدة إن هناك مصارف أكثر من المصرفيين وهنا يكمن جوهر المشكلة. لكن جامي مصرفي من قمة رأسه حتى أخمص قدمه".
 
"
يعتبر ديمون مصرفي من الجيل الثالث, وهو حفيد مهاجرين إغريقيين ومن سكان حي مانهاتن القدامى. وتخرج رابع دفعته في مدرسة براونينغ للنخبة قبل التحاقه بجامعة تفتس (بامتياز عال), وتفوق في مدرسة هارفارد للأعمال
"
نبوغ موهبة
ويعتبر ديمون مصرفي من الجيل الثالث, وهو حفيد مهاجرين إغريقيين ومن سكان حي مانهاتن القدامى. ونشأ في الجانب الشرقي الأعلى من الحي وتخرج رابع دفعته في مدرسة براونينغ للنخبة قبل التحاقه بجامعة تفتس (بامتياز عال), وتفوق في مدرسة هارفارد للأعمال.
 
وهو متزوج من جودي كنت, زميلته بمدرسة هارفارد للأعمال, وله ثلاث بنات, ويقضي معظم حياته حاليا في بارك إيفينيو، الشارع الذي ظل يقطنه منذ أن كان مراهقا, وتقع فيه مكاتب جي بي مورغان تشيس.
 
وعقب تخرجه في هارفارد, كان ديمون طوال الأعوام الستة عشر الأولى في مسيرته المهنية خاضعا لإشراف وتدريب ساندي ويل في شركة أميركان إكسبريس أولا ثم في سيتي غروب لاحقا.
 
وبحلول أواخر تسعينيات القرن الماضي اشتبك مع ويل في مشاجرة أدت إلى فصله من الخدمة. وعمل ديمون بعد ذلك رئيسا تنفيذيا لبنك ون, وأصبح المسؤول التنفيذي لجي بي مورغان تشيس عام 2004 بعد اندماج هذين البنكين.
 
وفي مطلع 2008 بات واضحا أن شركة جي بي مورغان تشيس في وضع أفضل من معظم منافسيها ويعزى ذلك في جانب كبير منه إلى أنها تحاشت إغراءات الاستثمار في أسهم الرهن المحفوفة المخاطر.

ونتيجة لذلك لم تتكبد الشركة سوى أقل القليل من تدني قيمة أصولها مقارنة بمنافسيها في 2007.
 
ومع أن أداء البنك كان باهرا في 2007, فإن القلق ساور ديمون من ضعف مردود البنك الاستثماري ومحافظ قروض الشركة.
 
وكان أن وصل سعر برميل النفط إلى مائة دولار, وانهار الدولار الأميركي, وخفّض الاحتياطي الفدرالي أسعار الفائدة للتصدي للركود الذي أصبح حتميا تقريبا.
 
البيت الصالح
وبعد بذلهم جهودا مضنية للحفاظ على متانة ميزانية الشركة العمومية, واجه مسؤولو جي بي مورغان تشيس احتمال أن يكونوا هم في مقام البيت الصالح في البيئة الطالحة, لكن تيار الاقتصاد العريض جرفهم معه.
 
وفي يوم المستثمر السنوي الذي نظمته جي بي مورغان تشيس في فبراير/شباط الماضي –والذي يستعرض فيه كبار التنفيذيين في الشركة تقاريرهم للمحللين وحملة الأسهم- تباينت الأجواء.
 
فالشركة قدمت قروضاً بضمان رهن عقاري ثان بلغت قيمتها 94 مليار دولار إلا أن معدلات التأخر في سداد تلك القروض ارتفعت ارتفاعا جنونيا. وألقى المدير المالي للشركة مايك كافاناغ قنبلة حين صرح بأن شركته ربما كانت ستضيف مبلغ 450 مليون دولار لاحتياطي القروض الخاسرة في الربع الأول وحده.
 
"
أبدى ديمون سخطه مما اعتبره مبالغة في الخوف بين المستثمرين بشأن حالة الأسواق. وقال مخاطبا التجمع المحتشد في ذلك اليوم:"إنها ليست الأزمة الأولى التي تحدث, ولا ينبغي علينا أن نقلق إزاءها, فالحياة مستمرة. والانتعاش سيحدث بالنسبة للغالبية"
"
واعترف كافاناغ قائلا "لم نكن نتصور أن خطر أزمة المساكن قادم". ومع أن الشركة  قامت بتصفية محفظة الرهن التي كانت تتقاضى بموجبه أسعار فائدة كبيرة من الفئات الضعيفة ماليا, فإنها ما زالت تملك ما قيمته 15.5 مليار دولار منها, وإن ما يربو على 12% من أرباب المساكن عجزوا عن السداد لمدة ثلاثين يوما أو يزيد.
 
وأبدى ديمون سخطه مما اعتبره مبالغة في الخوف بين المستثمرين بشأن حالة الأسواق. وقال مخاطبا التجمع المحتشد في ذلك اليوم "إنها ليست الأزمة الأولى التي تحدث, ولا ينبغي علينا أن نقلق إزاءها, فالحياة مستمرة. والانتعاش سيحدث بالنسبة للغالبية".
 
وما لبثت تطميناته هذه أن تحولت إلى نبوءة. ففي غضون أسابيع قلائل, كان أول ضحايا الأزمة المالية الكبار يطرق بابه ملتمسا العون منه.
 
ومع أن الأسبوع الأول من مارس/آذار بدا هادئا في وول ستريت, فإن الفوضى سادت أروقة شركة بير ستيرنز. وعلى الرغم من التوقعات بجني أرباح كبيرة في الربع الأول من العام, فإن شكوك الشركاء التجاريين تزايدت حول قدرة الشركة على الوفاء بالتزاماتها المالية.
 
فكان أن شرعت الشركات في الالتفاف حول القرض الذي قدمته لشركة بير, وأوعزت قناة سي إن بي سي التلفزيونية أن الشركة تعاني مشكلة خطيرة. ولم يكن لبير في 12 مارس/آذار سوى 5.9 مليارات دولار نقدا في الصندوق, وسعر سهمها منخفض.
 
وكان غاري بار –مسؤول الاستثمار في بير المنتدب من شركة لازارد الاستشارية- منهمكا في اتصالاته الهاتفية في سعيه لإيجاد مستثمر "داعم" قادر على إضفاء مصداقية على الرأي القائل بأن بير ما تزال قادرة على البقاء وتحقيق النجاح. وكان جامي ديمون من أوائل الناس في قائمة اتصالاته.
 
وفي الوقت الذي كان فيه عالم بير ستيرنز يتداعى, كان ديمون يصرف مهامه بسهولة ويسر. وبفضل استحواذ جي بي مورغان تشيس على حصة في السوق إبان الفترة التي شهدت فيها عمليات الإقراض ازدهارا –بتسهيل إبرام عقود التسليف أو ضبط الأسعار بخفضها لمجاراة بقية السرب- فإن نهجها المنضبط نسبيا جعل ديمون في وضع يمكنه من انتقاء منافس ضعيف أو اثنين إذا استمر الاضطراب في الأسواق.
 
مكالمة هاتفية
وفي حوالي السادسة من مساء الخميس 13 مارس/آذار, دلف ديمون إلى إحدى قاعات الاجتماعات حيث تجمّع أعضاء فريقه الكبار. صادف ذلك اليوم عيد ميلاده الثاني والخمسين, وكان متوجها لتناول طعام العشاء مع زوجته, ووالديه, وابنته الكبرى جوليا للاحتفال بالمناسبة في مطعم آفرا الإغريقي.
 
قال ديمون, عرَضاً, "تلقيت مكالمة أخرى من أحدهم يريدنا أن ندرس إمكانية شراء شركتهم". لم يكن ذلك الشخص سوى مسؤول الاستثمار غاري بار, متصلا نيابة عن شركة بير ستيرنز.
 
ويتذكر كافاناغ تلك المكالمة قائلا, "لم تكن نبرة الصوت من ذلك النوع الذي يوحي بأن الأمر سيتم خلال الاثنتي عشرة ساعة القادمة".
 
وبعد ساعة من تلك المكالمة, رنّ هاتف ديمون الجوال أثناء العشاء. كان المتصل هو بار, الذي طلب منه التحدث إلى ألان شوارتز –الرئيس التنفيذي لبير ستيرنز- إذا كان وقته يسمح بذلك.
 
وبينما كان ديمون يسير على طوار الشارع لاحقه شوارتز بالأسئلة إذ قال "نحن حقا بحاجة للمساعدة" فرد عليه ديمون بالسؤال "كم عندكم من مال؟" فأجابه شوارتز قائلا "مبلغ يصل إلى ثلاثين مليار دولار". فكان جواب ديمون على ذلك "حسناً, الجواب على ذلك سهل وهو: لا".
 
ولمّا كان شوارتز يائسا سأل ديمون عن مدى إمكانية تقديم قرض سريع لهم. وجاء رد ديمون "مستحيل. لا أستطيع, فليس لدينا الوقت لإنجاز الإجراءات الإعدادية, كما أننا لا نعرف العواقب, ولنا مجلس إدارة".
 
واقترح ديمون على شوارتز أن يتصل بمجلس الاحتياطي الفدرالي ووزارة الخزانة, وأخبره بأنه سيكون على اتصال به. ثم أنهى المكالمة.
 
"
بالرغم من التهديد الضمني بأن الجهات المشرفة على تنظيم وول ستريت قد تطيح برأس أي رئيس تنفيذي بأسواق المال, فإن ذلك لم يرهب ديمون
"
تهديد ضمني
فرغ ديمون من عشائه وعاد إلى بيته حيث قضى معظم ليله يتحدث عبر الهاتف. كان أول من تحدث إليهم تيم غيثنر, الذي حث ديمون على تقديم يد العون إلى شركة بير.
 
وبالرغم من التهديد الضمني بأن الجهات المشرفة على تنظيم وول ستريت قد تطيح برأس أي رئيس تنفيذي بأسواق المال, فإن ذلك لم يرهب ديمون, فقال موجها كلامه لغيثنر "انظر, تيم, لا نستطيع وحدنا مساعدتهم. افعلوا أنتم شيئا يوصلهم إلى نهاية الأسبوع, عندئذ سيكون لديكم بعض الوقت".
 
ثم وافق الاثنان على استئناف المحادثة لاحقاً. وتحدث ديمون أيضا إلى وزير الخزانة هانك بولسون ورئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي بن بيرنانكي.
 
عند الحادية عشرة مساءً, أوفدت جي بي مورغان تشيس فريقا يضم أشخاصا من ذوي السمعة الحسنة إلى مقر شركة بير ستيرنز في 383 ماديسون أفينيو. وانضمت إلى تلك المجموعة عند الثانية صباحا فرق من الاحتياطي الفدرالي وهيئة الأوراق المالية والبورصات.
 
ظل ديمون طوال الليل على اتصال عبر الهاتف مع مسؤولين من وزارة الخزانة والاحتياطي الفدرالي. وبحلول السادسة من صباح الجمعة, أبلغ ديمون أعضاء فريقه بأن يعملوا على تقطيع أوصال بير ستيرنز إلى عدة أجزاء وتقديم تقرير له كل ثلاث ساعات بتصوراتهم فيما يتعلق بقيمة تلك الأجزاء.
 
عندئذ صيغت خطة تقضي بأن يقوم الاحتياطي الفدرالي بإقراض مبالغ من المال لجي بي مورغان –وهو مصرف حقيقي- والذي بدوره سيقوم بتحويل تلك الأموال إلى شركة بير ستيرنز, بدلا من منح قروض مباشرة –لا يملك تفويضا بتقديمها- إلى تجار سماسرة مثل بير.
 
وعند الساعة 6:45 صباحا كان فريق ديمون يرسل مسودة بيان صحفي بالاتفاق بالبريد الإلكتروني إلى مسؤولي بير التنفيذيين.
 
وعندما استأنف سوق الأسهم عمله صبيحة اليوم التالي, تنفس حملة أسهم بير ستيرنز الصعداء. وحام سعر سهم الشركة في ذلك اليوم حول السعر عند إغلاق السوق في اليوم السابق والذي بلغ 57 دولارا, بل صعد أيضا ليصل إلى 62 دولارا في أول نصف ساعة من التداول قبل أن ينخفض إلى النصف في غضون ساعات.
 
"
حتى لو كان على جي بي مورغان انتشال بير ستيرنز بدولار واحد, فإن النقاش بين المسؤولين التنفيذيين انصب حول ما إذا كان ثمة قيمة لصفقة بير ستيرنز بعد تحريرها من كل الأصول المسمومة أو تجنيبها إياها
"
وفي مساء ذلك اليوم, كان ألان شوارتز -الرئيس التنفيذي لبير ستيرنز- يستقل سيارة عائدا إلى منزله في بلدة غرنيتش بولاية كونيكتيكت عندما اتصل به بولسون وغيثنر. قال له الرجلان إن ثمة عملية تجارية "تحفظ للسوق استقراره" لا بد أن تتم بنهاية الأسبوع. بعبارة أخرى فإنه يتعين بيع شركة بير ستيرنز خلال اليومين القادمين.
 
وصرح شوارتز لاحقا "أن كل الجهود التي بذلت من قبل باءت بالفشل عندما تقرر إبرام صفقة بحلول نهاية الأسبوع".
 
وفي عطلة نهاية الأسبوع كان ألفا شخص يقومون بفحص دفاتر بير ستيرنز بتكليف من جي بي مورغان لتقدير قيمة الصفقة المحتملة. وحتى لو كان على جي بي مورغان انتشال بير ستيرنز بدولار واحد, فإن النقاش بين المسؤولين التنفيذيين انصب حول ما إذا كان ثمة قيمة لصفقة بير ستيرنز بعد تحريرها من كل الأصول المسمومة أو تجنيبها إياها.
 
ولم تكن كل الأعداد التي طُرحت سوى أرقام تقريبية –من قبيل ملياري دولار خسائر هنا وخمسمائة مليون دولار خسائر هناك- لكن الغرض منها كان الخروج بتقديرات أولية إجمالية.
 
وكان هذا النهج "ديمونياً" صرفاً يقوم على التركيز على الجانب السلبي للصفقة أولا قبل الخوض في الجانب الإيجابي منها.
 
ورأى بعض زملاء ديمون في أي عرض لانتشال بير ستيرنز ضرباً من الجنون, إذ لم يحدث في التاريخ أن تولى أحد أبداً أمر ميزانية عمومية مقدارها أربعمائة مليار دولار في أيام معدودات لاسيما واحدة حافلة بالثغرات. ومع ذلك كانت الشركتان تتفاوضان حول إمكانية –مجرد إمكانية- إبرام صفقة تحدد قيمة السهم بعشر دولارات, أي ثلث قيمة سعره عند إغلاق السوق يوم الجمعة.
 
"
في وقت كانت الأسواق الآسيوية تبدأ تعاملاتها عند السابعة مساء كان على شركة بير الخروج بإعلان ما وإلا فهي تغامر بتعريض نفسها لانفجار تام من الداخل
"
الحقيقة المجردة
وفي لحظة فارقة يوم الأحد, أجرى ديمون اتصالا بغيثنر. كانت محادثة قصيرة وفيها أوضح ديمون عظم المخاطر التي ينطوي عليها إقدام جي بي مورغان على شراء بير ستيرنز من تلقاء نفسها.
 
وفي شهادته أمام مجلس الشيوخ, قال ديمون إن تلك لم تكن وقفة تفاوضية بل "هي الحقيقة المجردة". ووجد غيثنر نفسه في مأزق. ورغم كل الأوصاف اللاحقة له بأنه بيروقراطي شاب نشط, فإنه مع ذلك أخفق في التحرك سريعا وإبداء أي رغبة في إنقاذ المصرف المنهار, وكان إزاء عملية إنقاذ خرقاء هي الحدث الأبرز الأول الذي يتعرض له في مشواره المهني.
 
وعندما أعاد غيثنر الاتصال بعد دقائق معدودة بديمون حاثا إياه على مواصلة السعي لإتمام الصفقة, فإنه كان يلمح أساساً لديمون أن الميزان يميل لصالحه في التفاوض مع بير ستيرنز ومجلس الاحتياطي الفدرالي, وكلاهما في وضع حرج.
 
وفي ذات الوقت كان غيثنر يرمي بوضوح إلى القول إن هذه الصفقة لا بد أن تتم. وحتى جامي ديمون كان يدرك أن ليس من الذكاء في شيء رفض طلب الحكومة للمرة الثالثة.
 
وفي وقت كانت الأسواق الآسيوية تبدأ تعاملاتها عند السابعة مساء كان على شركة بير الخروج بإعلان ما وإلا فهي تغامر بتعريض نفسها لانفجار تام من الداخل، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات يمكن تصورها على النظام المالي نفسه.
 
ثلاثة عناصر
ولطالما ظل جامي ديمون يبشر بثلاثة عناصر تفضي إلى صفقة ناجحة ألا وهي توفر منطق تجاري, والقدرة على التنفيذ والسعر. وفي الحالة التي نحن بصددها كان المنطق التجاري أشبه ما يكون بخليط متباين من العناصر. فشراء بير سيمنح جي بي مورغان تشيس حفنة من الأصول التي تريدها, لكن في الوقت نفسه سيثقل كاهلها بعدد من الأمور لن تكون راغبة فيها.
 
أما قدرتها على التنفيذ فكان أمرا مجهولا تماما, خاصة في القضايا التي تستوجب البت فيها بعد إشعار عاجل. ولإتمام صفقة ما لا بد لسعر السهم أن يسجل مزيدا من الانخفاض.
 
وفي واقع الأمر انخفض السعر على جبهتين. فقد اتصل أحد نواب ديمون عقب وقت الغداء بقليل بالرئيس التنفيذي لشركة بير وطرح عليه احتمال تقديم جي بي مورغان تشيس عرضا يتضمن سعرا للسهم يبلغ أربعة دولارات وهو ما أثار حفيظة بعض مسؤولي بير الذين لم يكن أمامهم سوى ترقب عرض رسمي.
 
وفي هذه الأثناء كان ديمون يقول لغيثنر إنه ما لم يتلق ضمانا أكيدا فيما يتعلق بأصول بير الخطرة –ومقدارها ثلاثون مليار دولار, على وجه الدقة- فلن يستطيع إبرام الصفقة. وإدراكا من غيثنر بأن ليس أمامه من خيارات أخرى, وافق على تقديم قرض بقيمة ثلاثين مليار دولار.
 
"
بالنسبة للعديد من موظفي بير ستيرنز الأثرياء كان انهيار شركتهم يعني ضياع ملايين من الدولارات هباء منثورا, لذا كان حنقهم وكرههم الذي يكنونه لديمون وشركة جي بي مورغان تشيس
"
صفقة
وما لبث أن طفت إلى السطح عقبة أخرى. ففي ساعة متأخرة من ظهيرة الأحد, اتصل وزير الخزانة هانك بولسون بديمون متطرقا إلى بنود الصفقة. قال ديمون لبولسون إن شركته تدرس تقديم عرض بواقع أربعة دولارات للسهم الواحد. وجاء رد بولسون "لماذا أربعة دولارات وليس دولارا واحدا؟ فكلما عرضت مبلغا أقل لن يبدو العرض وكأنه نوع من الإنقاذ".
 
فأجاب ديمون بأنه ظل يفكر في أصوات حملة الأسهم المطلوب أخذ رأيهم في بير ستيرنز, وكلما تدنى سعر السهم كلما غامرنا بإثارة سخط من نحتاجهم للمصادقة على الصفقة.
 
ويضيف قائلا "غير أن الصفقة في النهاية ليست بذلك القدر الكبير, لذا عرضنا دولارين للسهم بدلا من العرض الأول".
 
وبعد نقاش محتدم دام نصف الساعة, وافق مجلس إدارة بير ستيرنز بالإجماع عند السادسة والنصف مساء على سعر دولارين للسهم. ولما بثت صحيفة وول ستريت جورنال الخبر على موقعها الإلكتروني في السابعة مساء, أعرب جون ماك –الرئيس التنفيذي لمورغان ستانلي- عن دهشته جهرة حين اعتقد أن في سعر الدولارين للسهم خطأ مطبعي.
 
وقام ديمون لاحقا بتعديل السعر ليصل إلى عشرة دولارات للسهم, لكن بالنسبة للعديد من موظفي بير ستيرنز الأثرياء كان انهيار شركتهم يعني ضياع ملايين من الدولارات هباء منثورا, لذا كان حنقهم وكرههم الذي يكنونه لديمون وشركة جي بي مورغان تشيس.
 
وأخبر ديمون كبار موظفيه يوم الاثنين أنه يرغب في الذهاب إلى بير ستيرنز للتحدث مع العاملين هناك. وكان ردهم أن ذلك يعد جنونا, فالمشاعر هناك ما تزال ثائرة بل ربما تنطوي على خطورة في حقيقة الأمر.
 
غير أن ديمون رأى أن إيثار البقاء بعيدا عنهم فيه قدر من عدم الاحترام لهم. وبعد طول انتظار وترقب, قرر عقد اجتماع مع أربعمائة عضو منتدب بشركة بير ستيرنز يوم الأربعاء 19 مارس/آذار في قاعة اجتماعاتهم بالطابق الثاني. فكان أن استقبل بمزيج من مشاعر الخضوع والتذمر.
 
لم تكن بير ستيرنز هي أعظم صفقات التاريخ, كما لم تكن أكبر صفقات ديمون. فلقد كان لاندماج بنك ون وجي بي مورغان تشيس تأثير أكبر على مسيرته المهنية. ومع ذلك فقد أضفت صفقة بير ستيرنز بريقا على سمعة جي بي مورغان تشيس ظلت تجني ثماره بعد عام على الرغم من استمرار  تدني النشاط التجاري في ظل التدهور الاقتصادي.
 
الرهان العادل
ومع بزوغ نجم ديمون, ظلت التكهنات تحوم حول احتمال أن تجذبه الحياة السياسية. فقد كان وول ستريت يوما المكان الذي يتشكل فيه الساسة. لكن منذ سبعينيات القرن الماضي, قلة من المصرفيين هي من نالت تلك الحظوة, فكان أن تخرج بوب روبن من غولدمان ساكس بينما عجز هانك بولسون من الخروج من إهاب التكنوقراطي.
 
فهل يحيي ديمون ذلك التقليد من جديد؟ ربما, لكن باعتباره مصرفيا مخضرما, فإنه يحمل من الأفكار ما قد يقوض مستقبل أي سياسي. فهو مدافع صريح عن دفع حوافز للموظفين التنفيذيين دون قيود.
 
وكانت وسائل الإعلام والمدونات الإلكترونية حافلة بمواد تتحدث عن أن اسم ديمون مدرج في قائمة الرئيس باراك أوباما المختصرة للمرشحين لمنصب وزير الخزانة. ولم يكن ديمون يتوقع مكالمة في هذا الخصوص, وما كان له أن يقبل المنصب إذا ما عُرض عليه.
 
وفي العام الماضي, أصبحت آراء ديمون بشأن قضايا مثل العجز وخفض الضرائب والحفز جزءا من الموضوعات المتداولة في المنتديات الوطنية.

ولقد درج أوباما –الذي ظل ديمون يؤيده بشدة- على الوقوف على آراء ديمون.
 
ولعل التقدير الذي يكنه أوباما لديمون يتضح فيما كشفت عنه مونيكا لانغلي في تقريرها الإخباري الذي نشرته صحيفة وول ستريت جورنال عن اجتماع عُقد في مارس/آذار 2009.
 
ففي ذلك الاجتماع, ناشد مدراء المؤسسات –كما كتبت لانغلي في تقريرها- الرئيس أوباما السماح بتدفق الاعتمادات مجددا. فوافق أوباما على أن يتحدث معاونوه إلى ديمون أولا. ويظل استمرار مثل هذه الحوارات حتى اليوم رهانا عادلا.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة