فيلم "زد" أيقونة سينمائية عن مواجهة السلطة   
السبت 22/5/1435 هـ - الموافق 22/3/2014 م (آخر تحديث) الساعة 13:08 (مكة المكرمة)، 10:08 (غرينتش)
لقطة من فيلم "زد" للمخرج اليوناني كوستا غافراس (الجزيرة)
أمير العمري
 
تعيدنا مشاهدة حديثة لفيلم  "زد" الفرنسي الإنتاج، الجزائري التمويل للمخرج الفرنسي (اليوناني الأصل) كوستا غافراس إلى الوراء 45 عاما، إلى عصر الصراع الأيديولوجي والانتفاضات الشبابية والطلابية الغاضبة التي كانت قد بلغت ذروتها عام 1968 في خضم اشتعال الحرب في فيتنام، وما شهدته الساحات الأوروبية من ثورات في باريس ولندن وبرلين والتي انتقلت إلى جامعات الولايات المتحدة أيضا.
 
كان "زد" أول فيلم من نوعه يتناول موضوعا سياسيا بأسلوب الفيلم "البوليسي" المثير، ولكن وفق المواصفات الأوروبية، أي مواصفات "الموجة الجديدة" وليس مواصفات هوليوود. فقد اعتمد على التداخل بين الأزمنة، والانتقال الحر بين الماضي والحاضر وعلى تدفق التداعيات التي قد تتبدى للحظة من وعي إحدى الشخصيات مثلا، قبل أن نعود لمتابعة ما يحدث في الزمن المضارع.
 
يقوم البناء الفني للفيلم على اللقطة كوحدة للفيلم وليس المشهد. أي أن المشهد المكون عادة من لقطات عدة، كان يقوم على مبدأ تحليل اللقطات، وقد يتجاوز في ذلك وحدتي الزمان والمكان، وكان هذا الأسلوب في ذلك الوقت جديدا.
 
تم تصوير جميع مشاهد فيلم "زد" الخارجية بمدينة الجزائر (الجزيرة)
نقد السلطة
يدور الفيلم حول التوتر السياسي الذي سبق وقوع انقلاب عسكري في اليونان (وقع في الحقيقة عام 1967) وسيطر بموجبه العسكريون على السلطة بدعوى ضبط الفوضى السياسية التي كانت سائدة في المجتمع.

وكان الفيلم جديدا تماما في أسلوب التحقيق في جريمة قتل سياسية، تستخدم هنا مدخلا أو حيلة سينمائية درامية للكشف التدريجي، عما تخفيه تلك الجريمة في طياتها من مفاجآت بحيث تطال في النهاية أعلى مستويات السلطة في البلاد.

وقد صورت جميع المناظر الخارجية للفيلم بمدينة الجزائر لتشابهها مع طبيعة مدينة أثينا التي لا تذكر بالاسم في الفيلم، بل يتعمد المخرج وكاتب السيناريو جورج سمبران أن يبقيا البلد الذي تدور فيه الأحداث غامضا، حتى تتاح الفرصة للفيلم للعرض في فرنسا وغيرها دون أن تنتج عن هذا أزمة سياسية مع اليونان، لكن غافراس كان بالتأكيد يريد توجيه رسالة احتجاج ضد الانقلاب العسكري الذي وقع في بلاده وأطاح بالديمقراطية.

كان الفيلم وقت ظهوره (1969) مختلفا في مظهره وأسلوبه ولغته، فقد كان يستخدم الإيقاع السريع، ويصور مطاردات مثيرة ومشاهد جماعية لمظاهرات مؤيدة ومعارضة، واشتباكات تنشب بين الطرفين أحيانا، وموقف شرطة كانت تبدو محايدة من الظاهر، غير أنها كانت تتآمر في الباطن وتشجع الاعتداء على رموز المعارضة وعلى رأسهم ذلك النائب البرلماني الذي يتم اغتياله بالفعل، على أيدي جماعة فاشية تخضع لسلطة العسكريين وتتلقى التعليمات من الشرطة.

ولم تكن الأفلام السياسية التي سبقت "زد" مثل فيلم "الأيدي فوق المدينة" (1963) للمخرج الإيطالي فرنشيسكو روزي قد توصلت بعد إلى أسلوب من هذا النوع، بل كانت عادة ما تتبع الأسلوب التسجيلي الذي ساد أفلام الواقعية الجديدة في إيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية.

ترمز شخصية النائب الذي اغتيل في الفيلم (يقوم بالدور إيف مونتان) إلى النائب الديمقراطي الدكتور غريغوريس لامبراكيس الذي اغتيل عام 1963. وما يصوره الفيلم من شخصيات في السلطة، من وزير الداخلية والنائب العام ورئيس الشرطة وقائد الجيش وغيرهم، إنما قصد بها تقديم معادل درامي بشكل ساخر للشخصيات العسكرية التي كانت في السلطة باليونان وقت تصوير الفيلم.

فالانقلاب العسكري في اليونان لم يسقط إلا عام 1975 بعد فشل الجيش في التدخل لوقف العملية العسكرية التي قام بها الجيش التركي لاحتلال الجزء الشمالي من جزيرة قبرص. وتمر هذه الأيام 45 سنة على عرض فيلم "زد" (الحرف يعني في اللغة اليونانية القديمة "إنه حي") في إشارة إلى أن الرجل الذي اغتالته يد الغدر في الفيلم لايزال حيا بأفكاره).

السينما المصرية اقتبست فيلم "زد" في فيلم "زائر الفجر" (1973) للمخرج الراحل ممدوح شكري،

تأثير "زد"
لقد أصبح "زد" علامة في تاريخ السينما، فقد خرجت من معطفه عشرات الأفلام التي تتناول مواضيع سياسية، تتبع نفس الأسلوب الذي يقوم على دراما التشويق والمطاردة والبحث والتقصي، وعادة ما يتصدى بطل "فردي" في هذه الأفلام لمواجهة السلطة، قد يكون صحفيا أو محققا أو ضابط شرطة، يحاول أن يتوصل إلى الذين يقفون وراء "الجريمة السياسية" في هذه الأفلام، لكنه عادة ما ينتهي إلى الهزيمة، فقد يتم نقله من عمله إلى مكان آخر، أو الاستغناء عن خدماته أو يتعرض لضغوط تجبره على الصمت، وربما أيضا يتعرض للاغتيال بدوره.

موجة السينما السياسية الإيطالية في السبعينيات اقتفت آثار "زد" في أفلام مهمة مثل "تحقيق مع مواطن فوق مستوى الشبهات" لإيليو بتري، و"قضية ماتيه" و"جثث أصحاب السعادة" لفرنشيسكو روزي، و"اعترافات ضابط شرطة" لداميانو دامياني، و"افضح المتوحش في الصفحة الأولى" لماركو بيللوكيو.. وغيرها.

وقد اقتبست السينما المصرية أيضا فيلم "زد" في فيلم "زائر الفجر" (1973) للمخرج الراحل ممدوح شكري، الذي قام ببطولته عزت العلايلي في دور محقق نيابة يحقق في جريمة قتل صحفية تجرأت وتعمقت في البحث عن جوانب للفساد في المجتمع.

وكانت الأحداث تدور إبان العهد الناصري، حيث نشاهد استمرار المحقق في البحث والتقصي رافضا الضغوط التي تمارس عليه، فيستمع إلى شهادات الشهود الذين يروي كل منهم ما شاهده من وجهة نظره، ومن زاوية واحدة، ويلونها برؤيته الشخصية. وعندما يتوصل المحقق في النهاية إلى المتورطين في الجريمة يطلب منه إطلاق سراحهم فورا، ويتم نقله!

وقد منعت الرقابة المصرية عرض هذا الفيلم لسنوات، وعندما عرض عام 1975 حذفت منه الكثير من اللقطات التي اعتبرت "تحريضية".

إذا كانت أفلام هوليوود قد استطاعت هضم فيلم "زد" لكنها نادرا ما تمكنت من محاكاة سخونته

فيلم العصر
كان استقبال النقاد الفرنسيين للفيلم وقت عرضه الأول، استقبالا احتفاليا حماسيا بالطبع. وكان الاختبار الحقيقي للفيلم عندما عرض بالولايات المتحدة التي كانت قد أيدت الانقلاب. لكن الناقد الأميركي الشهير روجر إيبرت كتب بتاريخ 30 ديسمبر/أيلول 1969 في صحيفة "شيكاغو صن تايمز" عن الفيلم يقول "إنه فيلم عصرنا.. إنه يصور كيف يمكن تخريب انتصارنا الأخلاقي".

ويمضي إيبرت قائلا إن كوستا غافراس، مثله مثل جيلو بوتيكورفو (مخرج فيلم "معركة الجزائر") يحافظ على وجهة نظر تتجاوز مستوى الأحداث التي يصورها، إن بطله يتغير خلال الفيلم وهو يقودنا تدريجيا من تورطه الشخصي في البداية إلى الإدانة الكاملة للنظام السياسي بكامله.

أما الناقد بوب ويستال فكتب يقول إن "فيلم "زد" جنبا إلى جنب مع فيلم "الرفيق المنشوري" The Manchurian Candidate لجون فرانكهايمر، و"عطلة نهاية الأسبوع" Weekend لجان لوك غودار، هو واحد من أهم الأفلام السياسية في كل العصور.

ويضيف ويستال أنه حتى من الناحية الفنية البحتة، لو لم يكن على مستوى هاتين التحفتين، إلا أنه يتمتع بطزاجة لا تتوفر للفيلمين المذكورين، فالمخرج كوستا غافراس لم يكن فقط يسعى لعمل فيلم انطلاقا من قناعاته السياسية بل كان يرغب أيضا في تحرير وطنه.

وكتب الناقد تاي بير في صحيفة بوسطن غلوب "إن ما يجعل "زد" يختلف عن "معركة الجزائر" لبونتيكوفو (1966) هو قدرة كوستا غافراس على تصوير فيلم من أفلام التحقيق البوليسي الشائعة في سياق الأحداث الجارية، بعد اغتيال النائب هناك، مشهد مطاردة ليس هناك ما يشبهه على الإطلاق في الأفلام التي ظهرت عام 1969، يعقبه دراما ماهرة مثيرة مشوقة.

ويشير بير إلى أن بعض شخصيات الفيلم قد لا تشعر بها مثل "إيرين باباس" التي تقوم بدور أرملة السياسي القتيل، إلا أن "زد" يظل محتفظا بقدرته على شد المتفرج بقوة برسالته القوية تجاه ما يحدث في اليونان. وإذا كانت أفلام هوليوود السياسية قد استطاعت هضم هذا الفيلم - كما يقول بير- لكنها نادرا ما تمكنت من محاكاته في سخونته.
_______________
ناقد سينمائي مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة