كوابيس الحرب تلاحق ثوار ليبيا   
الاثنين 1435/3/13 هـ - الموافق 13/1/2014 م (آخر تحديث) الساعة 17:56 (مكة المكرمة)، 14:56 (غرينتش)
مشاهد الموت لم تغادر أذهان ثوار ليبيا مع مرور الوقت (الجزيرة-أرشيف)

خالد المهير-بنغازي

قبل علاجه النفسي لإزالة آثار صدمة "ما بعد الحرب"، يمضي القائد الميداني في الجبهة الشرقية أثناء الثورة الليبية عام 2011 محسن الفائدي ليله يتذكر مشاهد أشلاء رفاقه وجنود كتائب القذافي ولهيب المعارك الطاحنة.

تغيرت حياة الموظف الفائدي بعد انخراطه في الكفاح المسلح لإسقاط نظام العقيد الراحل معمر القذافي، وتدرج من متطوع صغير في صفوف المقاتلين إلى قائد ميداني بكتيبة راف الله السحاتي في بنغازي.

وصار الفائدي يعاني بعد انتهاء الحرب من كوابيس الليل وفقدان النوم وأحيانا انتكاسة نفسية خطيرة لشدة سماعه أصوات البنادق ومضادات الطائرات ومشاهد القتل اليومي طيلة الثورة على نظام القذافي، حتى أنه كان يشعر بألم في قلبه، لكن الأطباء في تونس قبل عدة أشهر أكدوا له أنه لا يعاني من أمراض قلبية، وما هذا إلا نتيجة طبيعية للضغوط النفسية التي يقع تحتها.

وترتب على مشاكله النفسية طلاق زوجته وانعزاله عن أقاربه ومعارفه، وبات يخشى تذكر مواقف الحرب.

ويخضع الفائدي الآن لجلسات "القلب المفتوح" كما يسميها خبراء علم النفس، ويجلس لساعات يحكي للطبيب النفسي شكواه النفسية والاجتماعية لتخفيف أزمته الخانقة.

ويروي الفائدي، أثناء حضور الجزيرة نت لإحدى جلسات علاجه بمقر التأهيل النفسي للمحاربين الليبيين بمدينة بنغازي، أنه اطلع بالمصادفة على طبيب نفسي حينما كان قسم الخدمات بهيئة المحاربين يشرح لبعض المتدربين نفس أعراض مشاكله.

وعندما لاحظ الأطباء تأثره بالموقف، طلب منه أحد الأطباء شرح حالته للمتدربين على علاج الثوار، وأخد الفائدي يروي الظروف التي يعيش فيها حاليا، قائلا إنه ارتاح عندما كان يروي معاناته للمتدربين والأطباء.

ومنذ تلك اللحظة وهو يواظب على حضور جلسات الحديث لطبيبه، لكنه يقول إنه أحيانا يقاطع مراحل العلاج حين يشعر بالانتكاسة النفسية.

الفائدي يحكي للطبيب النفسي
صدمة "ما بعد الحرب"
(الجزيرة)

مشاهد مروعة
أثناء حديثه للجزيرة نت، رفض الفائدي بشكل قاطع الحديث عن مشاهد القتل "المروعة"، لكنه قال إنه في إحدى المرات مؤخرا تصادف وجوده في الطريق مع حادث سير نتج عنه إصابة امراة كانت في السيارة بجوار السائق، وخرجت من السيارة ملطخة بالدماء وتصرخ، قائلا "حينها تذكرت أحد المشاهد قبل تحرير سرت في أكتوبر/تشرين الأول 2011 عندما هاجمتنا سيارة تابعة لكتائب القذافي ورددنا عليهم بالرصاص، ولقى سائقها مصرعه".

وبحسب أطباء التأهيل النفسي بهيئة المحاربين، فإن هناك نحو 1300 مقاتل تشبه حالتهم النفسية حالة الفائدي، ويخضعون لعلاج نفسي وطبي متطور لإعادة تأهيلهم اجتماعيا. ويؤكد الأخصائي النفسي أبو بكر أبو شيبة للجزيرة نت أن جزءا كبيرا منهم تعرضوا لصدمات عنيفة نتيجة مشاهد الموت.

ومن خلال الكشف عن أعداد كبيرة من المحاربين السابقين، تبين للأطباء أن أفرادا منهم تعرضوا للصدمة بشكل مباشر أو شاهدوها أو سمعوا عنها، ومع مرور الوقت باتت المشاهد تنغص حياتهم.

الثورة الليبية خلفت دمارا كبيرا
(الجزيرة-أرشيف)

اضطرابات نفسية
ويؤكد أبو شيبة أن أعدادا منهم لم تعد تنام الليل، وأنهم على استعداد نفسي لتطبيق الأوضاع وكأنهم في الجبهة، مثل اتخاذ وضع الانبطاح والترقب والاستعداد للهجوم عند سماع أصوات الرصاص والانفجارات، قائلا إن هذا الأمر مزعج لهم ولعائلاتهم.

ويصاحب اضطراب "ما بعد الصدمة" اكتئاب وأنواع متعددة من القلق، على حد تعبير أبو شيبة، مؤكدا أن هذا النوع على استعداد أيضا للبحث عن الراحة النفسية بأي ثمن، وقد تصل إلى حد تعاطي المخدرات والهيروين والكوكايين والخمور.

ويضيف الخبير أبو شيبة أن ظروف المحاربين الاقتصادية حالت دون استمرار جزء كبير منهم في حضور جلسات العلاج، حيث يرى بعضهم أن "لا فائدة من علاجهم عندما لا يجدون فرص العيش الكريم أو الزواج بعد رجوعهم من جبهات القتال".

ويؤكد أن هناك من أصيب بخيبة أمل زادت من تفاقم أزمته، مشيرا إلى أن المحاربين الذين ينتمون إلى الطبقة المتوسطة لديهم استعداد كبير لتلقي العلاج عكس الطبقات الفقيرة.

نادمون
من جانبها، حذرت الأخصائية النفسية بمركز إعادة تأهيل المحاربين ببنغازي، انتصار المزيني، من إحباط هذه الشريحة الثورية.

وقالت للجزيرة نت إنها من خلال التجربة خلال جلسات العلاج فإنهم دائما يبحثون عن إجابات لمستقبلهم وأوضاعهم بعد الثورة، مؤكدة تدني أوضاعهم المعيشية والاقتصادية، وملاحقة جهاتهم الوظيفية عن فترة حربهم ضد القذافي وحرمانهم من الترقيات والعلاوات، قائلة إن مشاعر الندم تسيطر عليهم بقوة.

كما حذرت الأخصائية من أن الحرب القائمة ضد الثوار، وتصنيفهم بأنهم "مليشيات وإرهابيون" تزيد من إحباطهم من المجتمع.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة