محمد برادة يكتب.. الذات في الرواية العربية   
الخميس 1436/1/21 هـ - الموافق 13/11/2014 م (آخر تحديث) الساعة 12:26 (مكة المكرمة)، 9:26 (غرينتش)

إبراهيم الحجري-الدار البيضاء

يعود الروائي المغربي محمد برادة ليباشر مشروعه النقدي الذي أسسه منذ عقود، من خلال تجربته البحثية الأكاديمية حول السرد العربي، بإصداره كتابا نقديا جديدا أسماه "الذات في الرواية العربية".

كان برادة من الجيل الأول الذي ساهم في نقل النظريات النقدية إلى الحقل البحثي العربي، وتطبيق المفاهيم الإجرائية المنهجية على النصوص السردية العربية، في محاولة لتشكيل نظرية سردية عربية معدَّلة على مقاس جغرافية السرد العربي وخصوصياته وسياقاته المنتجة، فضلا عن كونه من الروائيين القلائل الذين أقحموا تجاربهم النقدية في أعمالهم السردية في إطار ما يسمى بـ"الميتاروائي".

ويتميز هذا الكتاب الصادر عن منشورات "ضفاف" اللبنانية، بكونه يتناول مدونة متنية تتضمن حوالي أربعين عملا روائيا، من جهة، ومن جهة أخرى كونه يسلط الضوء على ثلاثة مداخل نقدية في التجارب الروائية المدروسة: (الرواية بين إنتاج المتعة وإنتاج المعرفة-أساليب السرد وأشكال الصياغة-الرؤية إلى العالم أو المنظور الفكري).

ومع أن هذا الكتاب يلمّ شتات عدد من المقالات والمتابعات والقراءات التي أنجزت في مناسبات وأزمنة مختلفة، قد لا يجمعها، بالضرورة، مشترك موضوعي أو منهجي، فهو يقدم للمتلقي صورة عن الأسئلة النقدية التي تطرحها التجارب الروائية الجديدة، والمقاربات القرائية التي بإمكانها التقاط خصوصياتها البويطيقية والثقافية.

انتبه برادة إلى أن النصوص الروائية المعاصرة تلامس جوهر القضية الإنسانية بتركيزها على الذات، وإبراز انشغالاتها، وخصوصياتها، عبر الميل إلى النوع الروائي السيَري

كتابة الذات
يشكّل الوجود الفردي للشخصية في مواجهة العالم الخارجي أحد اهتمامات النصوص التي تناولها محمد برادة بالتحليل في هذا الكتاب، وهي نصوص توظف أحداثا ووقائع ومحكيات من أجل طرح قضايا تخص طبيعة الوجود الفردي في تفاعل مع الآخر والمحيط السوسيولوجي، وهي السياقات التي تحتم على الفرد اتخاذ القرارات، وبناء الرؤية تجاه العالم، والتصرف إزاء الآخرين.

لقد انتبه برادة إلى أن النصوص الروائية المعاصرة تلامس جوهر القضية الإنسانية بتركيزها على الذات، وإبراز انشغالاتها، وخصوصياتها، عبر الميل إلى النوع الروائي السيَري الذي يضع أمام القارئ مادة تخييلية ذاتية تصدر عن فرد ينتدبه الكاتب لترميم ذاكرته المتصدعة، واستجماع شظاياها المتناثرة عبر الزمن.

ويتميز هذا النوع من الكتابة بكونه الأقرب إلى الشخصية الفردية، بإفساحه لها متسعا للبوح، وآفاقا للتحدث عن التجربة، وإفراغ جعبتها، مما يشكل لمعات سوداء تقض المضجع، وتنغص عليها العيش.

ومن بين هاته النصوص الروائية (ماكياج خفيف لهذه الليلة، سيدي وحبيبي، المرأة والصبي، عتبات البهجة، التل، أسرار عبد الله، وتصحيح وضع). ويدخل في هذا الإطار أيضا، الأصوات النسائية التي تتخذ من الكتابة قناة لتشريح وضعها، وإيصال قضيتها إلى العالم، خاصة معاناتها في ظل سيادة المجتمع الذكوري (الكرسي الهزاز، المحبوبات، ولحظات لا غير).

ويشكل السرد الروائي على العموم، خطابا "مذوّتا" يتيح للساردين والشخصيات في النص إبراز خصوصية الذات المتكلمة، "سواء على مستوى اللغة أم زاوية النظر والتفاعل مع الأحداث، أم تشخيص الصراع الأبدي بين الفرد ومؤسسات الدولة والمجتمع".

كتابة المجتمع  
تستحوذ موضوعة المجتمعات العربية، وما تعانيه من تداعٍ وسقوط، نتيجة انهيار القيم، والهيمنة والتسلط، وامتهان كرامة الإنسان العربي على الكتاب، تبعا لما ترصده المتون الروائية التي تنصت لإيقاع نبض المجتمع، وتسعى إلى خلخلة السياقات المتجذرة التي تسهم في استمرار الوضع، ولو من باب التخييل.

يقول برادة في هذا الصدد: "لعل من بين أسباب اهتمامي بالخطاب الروائي، وتحليل أشكاله وتأويل دلالاته، أنني كنت أجد فيه، منذ الخمسينيات، فسحة من القول تضيء لي معالم من المشهد المشحون بالإيديولوجيات الثوروية، وطبقات الكلام المتخشب، المبشِّر بآمال ستتكشف عن هزيمة 1967 التي أيقظت الحاجة إلى خطاب مختلف، ينبع من أعماق الذات المجروحة، ويحفر لها سنن البوح لاستعادة وجودها المتوازي تحت ثقل الحكم الفردي".

محمد برادة:

من بين أسباب اهتمامي بالخطاب الروائي، وتحليل أشكاله وتأويل دلالاته، أنني أجد فيه فسحة من القول تضيء لي معالم من المشهد المشحون بالإيديولوجيات الثوروية

وترتبط دراسة صورة المجتمع في الرواية العربية بانشغال آخر، هو قراءة مستقبل هذه المجتمعات في ضوء إعادة كتابة التاريخ روائيا أو ما سماه البعض بالتخييل التاريخي، حيث يصير التاريخ سندا لقراءة الحاضر وتلمس شكل الآتي، والمقصود بذلك، النصوص التي توظف التاريخ في تشييد عوالمها التخييلية.

وهنا لا يكمن دور الروائي في الاستحواذ على وظيفة المؤرخ الذي يروم كتابة وثيقة غير مسبوقة، وإنما يتوق، عبر الاعتماد على وعيه بالحاضر والتاريخ، إلى إعادة بناء الحدث التاريخي في تمثل واع بالأسئلة الملحة للإنسان العربي في خضمّ التحولات المتسارعة، فيكون البناء الروائي -تأسيسا على ذلك- تشييد جديد للمعطيات المتشابهة والمتنافرة من منظور سياقي متناغم مع العصر.

وتتمفصل قضايا الروايات التي تمثل هذا النموذج إلى ثلاث مجموعات، الأولى تمثل القيود المكبِّلة للمجتمعات، ومنها روايات: (أرخبيل الذباب، خطبة الوداع، ميترو محال، والتشهي)، والثانية تُجسد طغيان السلطة، واتباع سياسة التدجين، ويدخل في هذا النطاق روايات: (الخالدية، صبوات ياسين، كتيبة الخراب، والحارس)، والثالثة تُرجع التداعي المجتمعي إلى استمرار وجود قيم بالية تعادي قيم المساواة والعدالة والتحرر، ومنها روايات: (دق الطبول، صمت الفراشات، وثلاثية دملان).

لم يختر برادة مدوّنته على سبيل الاعتباط، ولم يكن رهانه على الطرح الموضوعاتي فحسب، بل كان صاحب -"الضوء الهارب"- حريصا على انتقاء الروايات العربية ذات التمثيلية على مستوى الثيمات من جهة، وأن تسعى إلى تقديم اجتهادات على مستويات الشكل والمضمون واللغة، تضمن لها حضورها الجمالي المتميز، وابتعادها عن التّكرار والاجترار والنمطية ، وهذا ما يجعل مسألة الاختيار لدى برادة لا تخلو من نزوع ذاتي، يتلاءم مع ذائقته الجمالية والفنية، حيث بات مهووسا، إبّان تحليل المنجزات الروائية، بالبحث عن الاحتمالات النظرية التي تبرر التنويع الشكلي ضمن نوع سردي واحد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة